قراءة في مسارات الانتقال الديمقراطي

حجم الخط
0

انعقد بالعاصمة القطرية الدوحة من العشرين إلى الثاني والعشرين من ايار/مايو منتدى الدوحة 2013، وهو ملتقى سنوي دولي نجح عبر دوراته السابقة في التموقع كواحد من أبرز الملتقيات العالمية التي تتناول التحديات الراهنة في المنطقة العربية، وتولي اهتماما خاصا بحاضر التحولات في العلاقات الدولية. برزت مواضيع المنتدى غنية على مستوى التغطية، فجمعت بين محاور أهمها التحديات المستقبلية التي يواجهها العرب في عالم متغير، وأزمة التطبيق الديمقراطي في دول الربيع العربي الناشئة. كما اهتم المنتدى بآفاق التعاون الدولي ومشاكل الاقتصاد العالمي في خضم الأزمة العالمية، وغطت جلسات المؤتمر كذلك دور الإعلام الرقمي المتصاعد وأزمة حقوق الإنسان في ظل التداعيات العالمية الكبرى اليوم.
تفرد المؤتمر كذلك في جلسته قبل الأخيرة بالتطرق إلى مسألة مركزية في دول الربيع العربي الناشئة، وهي مسألة إصلاح المؤسسات أو ما يسمى بأنظمة الدولة القديمة، وتطرق إلى ‘أساليب الموازنة بين متطلبات ما بعد الثورة واحتياجات الاستمرارية والاستقرار’، وكيفية الجمع بين رغبة ملحة وضرورية في الإصلاح وبين دعوة أكثر إلحاحا لمساءلة ومحاسبة دولة ما قبل الثورة؟
النقطة على قدر كبير من الأهمية بل محور أساسي من المحاور التي قد تفسر الكثير من أسباب تخبط الحاكم من ناحية، والأزمات التي تفتعلها المعارضة الصناعية من ناحية أخرى. أليست محاسبة دولة ما قبل الثورة ومساءلتها جزءا أساسيا في عملية الإصلاح؟ هل يمكن تأسيس الانتقال الديمقراطي بأدوات الدولة القديمة ومؤسساتها؟ أليس من أبرز أسباب الحرائق الاجتماعية المفتعلة في تونس ومصر إنما يتم بأيدي من لم يحاسبوا؟
إذا كانت بعض الأجوبة متضمنة في نص السؤال نفسه، فإن عناصر أخرى تستوجب بعض المساءلة والتوقف، لعل أبرزها طبيعة الربيع نفسه، فالموجة الأولى من الثورات العربية التونسية والمصرية تحديدا إنما جاءت فجائية زمنا ولا رأس لها هيكليا، وهي تختلف بذلك عن المنوالات الكلاسيكية للثورات ولأشكال التغيير الاجتماعي التي عرفها التاريخ الحديث والمعاصر على الأقل. كانت ثورات عفويةً لم تنصب فيها المشانقُ، ولم يطارد خلالها أعوان النظام القديم وخَدَمته، بل أنهت الحشود الفقيرة مهمة إسقاط النظام كما وعدت وكما أراد الشعب، وتركت عملية الانتقال الديمقراطي لنخبها السياسية والعلمية. لم تتمكن هذه النخب في مصر وتونس من إدراك أن هذه الثورة ليست ثورتَها وأنها أمانة في عنقها لأنها لم تقم بها أو تدعو إليها كما كان الجميع ينتظر، بل كانت قد تحالفت في أغلبها مع الاستبداد ومكّنت له.
هاته النخب التي ينتمي قسم كبير منها إلى ما يسمى بالمعارضة العربية اليوم، لم تحاسب على خياناتها لشعوبها ولطموحات أمتها، ولم تقدم اعتذارا لشعب كان يظن طويلا أنها قادمة بطوق النجاة فإذا هي تحكم حول رقبته حبل المشنقة، بل هي لم تقم حتى بأضعف الإيمان بقراءة نقدية لمشروعها ولفشلها ولعمق الشرخ بينها وبين شعوبها. شعار الثورة العربية الأبرز ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ إنما يعني كل النظام لا رأسه، وليست النخب السياسية العربية وتصوراتها عن واقعها وعن أسباب التغيير فيه بعيدة عن النظام، بل هي جزء منه. فالنظام المطالبُ بإسقاطه، نظام فكري ونظام سياسي ونظام أمني ونظام قضائي ونظام اجتماعي ونظام اقتصاديô النظام إنما نعني كل الهياكل المركزية الداخلية التي تتأسس عليها دولة ما.
أنهت الحشود إذن المهمة الأولى والأصعب وهي الإطاحة بالنظام السياسي والأمني، وطالبت عبر شعاراتها بالمحاسبة والقصاص، لكن ذلك لم يحدث لأسباب يطول شرحها هنا، وكما ذُكر تتراوح بين تردّد الحاكم وتورط بعض من عناصر الحكم في منظومة الاستبداد، ثم ضغط الخارج لحماية أعوانه وإغراق الشعب في مطالب احتجاجية تقودها اتحادات العمال وكتائب الفلول في تونس ومصر.
إن المتأمل في حركة الثورة المضادة في كلا البلدين يلاحظ بوضوح تدرج اشتداد حركتها منذ الإطاحة برأس الحكم حتى اليوم. فبعد أن أمنت المحاسبة والقصاص عادت بحذر وعلى مراحل لتتصدر اليوم كل الجبهات التي تسعى إلى الإطاحة بمن انتُخب ليطيح بها. يقتصر نشاطها في الداخل على بث الفوضى وخلخلة الوضع لمنع نجاح الانتقال نحو نظام أكثر عدالة وأقل عمالة. فعمدت إلى التخريب والحرق وإضرابات بقيادة أعمق أعماق الدولة العميقة أو ما يسميه الشباب في تونس بإعلام العار.
أما في الخارج فتراوحت حركتها بين خيارين: أولهما التحالف مع القوى الخارجية المساندة للاستبداد ومن منا لا يتذكر في تونس نخبا كانت تدعو علنا وعلى الهواء المستعمر القديم إلى العودة إلى احتلال البلد. وثانيهما معادة كل الدول التي قد تساعد تونس أو مصر أي الربيع العربي على النجاح، وأبرزها دولة قطر طبعا وهو ما يفسر الحملة المنظمة التي قادتها بقايا استبداد متحالفة مع بقايا الاستعمار ممولة ممن يرتعد من العرب أن يطوله الربيع على هذه الدولة التي وقفت منذ اللحظة الأولى مع إرادة الشعوب ورغبتها في التحرر والانعتاق.
لا إصلاح بدون محاسبة في رأينا ولا ثورة بدون استئصال الخلايا السرطانية من جسد الثورة، بل إن الانتقال نحو صياغة جديدة لعقد سياسي واجتماعي جديد انما يمر حتما ووجوبا بالتطهير والمحاسبة، وفي أضعف الحالات قراءة ما حدث ولمَ حدث الآن هنا ولايزال.

‘ أستاذ محاضر جامعة السربون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية