محمد عبد الغنيشاهدنا جميعاً كيف تحول ميدان التحرير يوم الجمعة 29 يوليو تموز الى صورة من صور التشرذم والأحتقان بين أطياف الشعب المصري بعد أن صار بفضل الثوار رمزاً للتوحد و إنشودة تعايش. فجمعة (لم الشمل) كما أسميت صارت جمعة الفرقة و التناحر. قد يتساءل البعض،’ما الذي يزعجنا إذا تظاهر أصحاب فكر معين في ميدان التحرير؟ أليسوا مصريين؟ بلا أنهم مصريون و من حقهم التمتع بثمار الحرية التي ولدت من رحم ثورة 25 يناير كانون الثاني و إن لم يشاركوا فيها من البداية. ما’يزعجني و’يقلقني هو أستعمالنا لمسميات خاطئة مما سيترتب’عليه نتائج لا تعبر عن الواقع. فستجد الجميع يتحدثون عن ‘الأسلاميين’ بينما الأحرى تسمية هؤلاء بتيارات الأسلام السياسي. لأن أستعمال تسمية الأسلاميين ينطوي أن الفريق المواجه لهم ليسوا بمسلمين، وهذا مغاير للحقيقة. فالسواد الأعظم من أعضاء الأحزاب و المجموعات اليساريه والليبرالية هم من المسلمين ولكن يرفضون خلط الدين بالسياسة. بينما يروق لمجموعات الأسلام السياسي هذا الخلط في المسميات لأنه يعطيهم أفضلية كبيرة عند التعامل مع شرائح عديدة من المجتمع المصري والتي تتسم بالبساطة والغيرة الفطرية على الدين الأسلامي. لقد رأينا هذا جلياً في الأستفتاء علي التعديلات الدستورية في مارس آذار 2011 خاصة عندما وصف أتباع الأسلام السياسي كل معارضيهم في الرأي بالعلمانيين. ولابد أن نعترف شئنا أم أبينا أن مصطلح العلمانية أقترن بمشاعر سلبية عند عموم المصريين على مدار العقود الماضية. فوجدنا حشدا دينيا في غير محله استعمله الأسلام السياسي ببراعة في تحريك الشارع للوصول لأهدافه السياسية. لقد نجح أيضاً بعض المتشددين من أتباع الأسلام السياسي في أحتلال بعض مصطلاحات الديمقراطية، فأصبح الكثير من المصريين ينفرون من ‘الدولة المدنية’ ‘رغم أن الكثير من رجال الدين و بعض المستنيرين من تيارات الأسلام السياسي يؤيدون الدولة المدنية و عرضوا أن دولة رسول الله ‘(صلعم) في المدينة كانت دولة مدنية. حيث كانت قائمة على العدل و المساواة و سيادة القانون. في أعتقادي أن من أسباب’إحجام الكثير عن تأييد مصطلح الدولة المدنية أن أغلبية المصريين يسكنون الريف أو ذو أصول ريفية و بعض هذه المجتمعات تتعامل مع المدينة باعتبارها الأخر و في بعض الأحيان الغير ملتزم مما يصعب أقناع هذه القطاعات بمصطلح المدنية. إذا اتفقنا أن الهدف من أستعمال بعض هذه المصطلاحات في الخطاب السياسي هو حشد الجماهير خلف المبادئ التي تمثلها هذه المصطلاحات فالأفضل لنا أستخدام مصطلاحات أسهل الى عقل و قلب الناخب المصري، فلنبدأ’على سبيل المثال أقناع و حشد الجماهير خلف مفهوم دولة العدل أو’دولة’المساواة.
من’السذاجة محاولة أستبعاد الأسلام السياسي من المعادلة السياسية بعد ثورة 25 يناير كانون الثاني. ولابد من أدراك أن الأسلام السياسي ليس كتلة واحدة كما يحب أن يروج البعض، بل يوجد فيه تيارات متعددة. ولذلك فهناك أسئلة يجب طرحها علي تيارات الأسلام السياسي، و من أهمها ماذا يقصدون بالدولة الأسلامية؟ فعلي سبيل المثال هناك بعض الدول التي تدعي أنها إسلامية’ومنها السعودية، إيران و السودان. و الثلاثة يختلفون في التطبيق بطريقة واضحة. فإذا اتفقنا أن الدين الأسلامي واحد فأثنتان إن لم يكن الثلاثة لا يطبقون الأسلام الصحيح. و هنا مربط الفرس، فرافضو و منتقدو الأسلام السياسي ضد بعض تفسيرات البشر للأسلام و لكنهم ليسوا ضد الأسلام. فهناك فرق بين الأسلام و تفسير الأسلام كما أن هناك فرق بين القانون الذي هو عادل, و تنفيذ القاضي للقانون وهو بشر قد يصيب أو يخطئ.”عند مشاهدتي لمظاهرة الجمعة 29 يوليو تموز أحسست أن جريمة ترتكب في حق ثورتنا، نعم جريمة لأن كلمة سر نجاح الموجة الأولي (25 يناير – 11 فبراير) من الثورة كانت ‘الوحدة’. و ما حدث في هذا اليوم الحزين كان تشرزم و تفتت لم نعهده في الموجة الأولى. إذا أردت أن تعرف من يقف وراء أي جريمة فلتبحث عن المستفيد. دعني أدعي هنا أن المستفيد الأكبر من هذه المظاهرة وحالة الفرقة والأحتقان التي نعيشها هو المجلس العسكري. فإذا حللنا ما حدث في هذا اليوم في سياق الأحداث اللتي سبقته من تخوين لجماعة شبابية وطنية و هي جماعة 6 أبريل نيسان مروراً بأثارة الشعب ضدها وصولاً الي موقعة العباسية يوم 23 يوليو تموز. و أيضاً ما تلاها من أحداث متمثلة في أستخدام القوة المفرطة في فض الأعتصام في أول يوم من شهر رمضان بأسلوب يذكرنا كثيراً بعهد الرئيس المخلوع. إذا حللنا هذه الأحداث بجانب أحداث أخري مماثلة سنصل إلي أستنتاج أن مظاهرة 29 يوليو تموز هي جزء من مخطط لتقوية قبضة المجلس العسكري علي الحكم. فنزول أتباع مجموعات الأسلام السياسي المختلفة الي الميدان بأعداد كبيرة و نقضهم للأتفاق الذي توصلوا اليه مع المجموعات السياسية الأخري أثار حفيظة و تخوف الكثير من شرائح المجتمع المصري. فعلي سبيل المثال بدأ بعض أبناء الطبقة الوسطى و بعض المسيحيين يقارنون بين ظلم نظام مبارك الفاسد و ما يمكن أن يصل اليه حال البلاد إذا وصل أصحاب هذا الفكر الرجعي للحكم. و هذا’قد’يؤدي الي أستسلام’هذه الشرائح’لبعض ممارسات المجلس العسكري القمعية الغير ديمقراطية في مقابل الحفاظ على مكتسباتهم الزائفة. و ما هذا إلا إعادة إنتاج لفزاعة ‘الأسلامين’ التي طالما أستخدمها النظام السابق. أما’على الصعيد الدولي فوجود هذه المجموعات في الميدان على هذا النحو يقلق كثيراً أمريكا و الدول الغربية المساندة و الداعمة للتحول الديمقراطي في مصر، فتغض النظر عن عسكرة الحكم في مصر من جديد و ألتفاف المجلس العسكري’على الديمقراطية. وربما أيضاً قد أزداد رضا السعودية على المجلس العسكري فقد رأينا تأثير قوتها الناعمة و الأقتصادية جلياً و الذي لخصه رفع علمها في معقل الثورة المصرية. كان المجلس العسكري في وضع لا يحسد عليه في الفترة الأولي بعد خلع مبارك، ففي هذه الفترة كان الثوار ما يزالوا متحدين رغم أختلافاتهم و كان هناك ندية واضحة في تعامل الثورة مع المجلس العسكرع. فأتبع المجلس أسلوب 1- التثبيت 2- الأحتواء 3- التفتيت. بدأ التثبيت سريعاً بالتحية العسكرية الشهيرة التي أداها اللواء الفنجري عضو المجلس العسكري لشهداء الثورة تلاها مرور سيارات الجيش في الأحياء المختلفة وهي تذيع الأغاني الوطنية. ثم جاء الأحتواء عن طريق عقد الأجتماعات و المؤتمرات للقوي السياسية المختلفة و شباب الثورة برعاية المجلس العسكري لمناقشة الخطوات اللازم أتخاذها في المرحلة الأنتقالية. و قد أثبتت الأحداث أن هذه الأجتماعات كانت مضيعة للوقت، فالمجلس العسكري يصدر القوانين كما يريدها (مثل قانون ممارسة الحياة السياسية) دون الألتفات الى النقاشات التي دارت و التوصيات الناتجة عنها. أما مرحلة التفتيت فحدث ولا حرج , كانت بدايتها مع الأستفتاء الدستوري والذي نجح المجلس العسكري عن طريقة في خلق حالة من الأستقطاب و الأحتقان والتي أدت لتفتيت الثوار الذين كانوا في الأمس القريب يضربون أروع أيات الأتحاد في ميادين مصر المختلفة. ‘بعض المؤشرات تدفع للأحساس أن هناك مخططا لتفريغ الثورة المصرية من مضمونها و الأبقاء عليها كيوم يحتفل به كل عام و بعض الأغنيات الوطنية. فقد أدعى أن المكاسب النفسية هي أهم ما أنجزته هذه الثورة لأن تأصل هذه المكاسب النفسية تمكن هذا الشعب من أسترجاع روح ميدان التحرير و مواجة أي ظلم، فساد أو طاغية في المستقبل. و للأسف هذا لا يحلو للقوى الرجعية. فمن هذه المكاسب النفسية شعور المصري أنه قادر على الفعل و التغير و ليس مفعولا به، أحساس الشعب بملكيته لهذا الوطن و مع الشعور بالملكية يتسرب الأحساس بالمسؤولية تجاه هذا الكيان، أيضاً من المكاسب القدرة علي التعايش و الأختلاف مع بقية أقرانه في الوطن دون أن يؤدي هذا الأختلاف الي أنهيار الوطن. رأينا كل هذه الخصائص و الصفات الرائعة في ميدان التحرير و جميع ميادين مصر وكنا نتمنى أنتشارها في كل شرايين الحياة في مصر حتي تصل الى أبعد قرية في صعيد مصر. ولكن سرعان ما اصطدمنا بمن يحاولون تحويل مثار الثورة لخدمة مصالحهم الضيقة. ‘لقد خرجت الثورة المصرية تطالب بأسقاط النظام ونجحت بالفعل في أسقاط رأس النظام و بعض رموزه. عندما أسقطت رأس النظام أسقطت الستار المدني للذي ظل العسكر يحكمون من خلفه الستون عاماً الماضية. المجلس العسكري الأن يعمل جاهداً على وضع ستار مدني جديد يحكم من خلاله بينما يظل العسكر هم المتحكمون الفعليون في مفاصل الحكم. فالمجلس يريد هذا الستار أن يكون رقيقاً’جداً بحيث يمكنه من التأثير و التحكم في جميع مناحي الحياة، بينما’قوى’الديمقراطية’والتقدم تريد أن تؤثث الجمهورية الثانية و العسكر خلف حائط سميك لا يمكنهم من التعاطي في السياسة أو الأنقضاض علي الشرعية عندما يحلو لهم. هذا هو الصراع القائم الأن بين المجلس العسكري و الثورة.’زميل الكلية الملكية للأطباء النفسيين ببريطانيا ناشط سياسي ومن مؤسسي مجموعة”مصريون متحدون