عبد الرحيم العلام إذا كانت السياسة هي فن الممكن، فإن الثورة هي فن المستحيل، وإذا كان الإصلاح في البلدان الديمقراطية هو عين الثورة، فإن الثورة في البلدان غير الديمقراطية هي عين الإصلاح، كما أن الثورة ليست أكثر أهمية لجيب المواطن من أهميتها لأخلاقه وخاصة السياسي منها.
هذه المقدمة نريد من خلالها أن نقول بأن من يراهن على النتائج السريعة والآنية في البلدان التي عرفت ربيعها الثوري، كمن يراهن على السراب السياسي، كما أن المراهن على هكذا رهان لا يعرف جيدا طبيعة الثورات ولا تاريخها، فبالرجوع إلى التاريخ، وخاصة تاريخ الثورات، يتبين لنا أن الثورات لا تنتج آثارها الايجابية مباشرة عقب الثورة، بل العكس قد يكون هو الصحيح، حيث أن الثورات في الغالب لا تعقبها إلا النتائج السلبية في البداية، ثم يستمر التفاعل المجتمعي من أجل حصد النتائج المتوخاة من الثورات. ومثال ذلك ما حدث في فرنسا التي، وإن كان التاريخ يقول بأنها ثارت سنة 1779، إلا أن الواقع يثبت أن الثورة الفرنسية استمرت عشر سنوات تخللتها مجموعة من الصراعات والاغتيالات والإعدامات، ولم يسلم من ذلك حتى قادة الثورة ومن ضمنهم روبيس بيير الذي تم إعدامه بالساحات العمومية. ولم تنل فرنسا استقرارها ورقيها إلا بعد مرور عشر سنوات على ثورتها. ربما يطرح السؤال: لماذا نستحضر التاريخ؟
الجواب يقودنا إلى ما يحدث اليوم في بلد قريب منا وينتمي إلى منظومتنا وثقافتنا وحقلنا السياسي، نقصد بذلك دولة مصر الكبيرة التي أنجزت المرحلة الأولى من ثورتها، ويبدو للبعض، أنها تعثرت في مرحلتها التالية. نعم يحاول البعض، ممن يسعون إلى تأبيد الاستبداد في بلدانهم، إظهار الثورة المصرية بمظهر الفشل حتى ترتدع الشعوب وتخشى على المستقبل، ولا تفكر بما فكر فيه ثوار تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، يحاول هذا البعض، الذي ينتمي إلى الأنظمة المستبدة، إبراز الجانب السلبي في الثورة المصرية، مثلا، من انفلات أمني وتراجع اقتصادي وصراعات سياسية ومجتمعية، وهي أمور حاصلة بالفعل ولا يمكن إنكارها، ولكن عدم إنكارها لا يعني التسليم بالنتائج التي يراد أن تستخلص منها، لأن مصر اليوم تعرف طفرة في كل المجالات، مما ينبئ بمستقبل جيد وإن كانت النتائج ستتأخر بعض الشيء، أو ستظهر وكأنها متأخرة.
فعلى المستوى السياسي، قامت الثورة المصرية بإبعاد جل رموز النظام السابق عن الحكم، وزجت بكثير منهم داخل السجون، واستردت الكثير من الأملاك التي نهبت من الدولة، كما قامت الثورة ببعث روح سياسية جديدة داخل الساحة المصرية، حيث تشكلت أحزاب جديدة، وانتعش المجتمع المدني، وعرفت مصر كذلك انتخابات ديمقراطية، شهد بها العالم، أفرزت برلمانا منتخبا، بغض النظر عن من يمتلك فيه الأغلبية. وتعرف مصر اليوم نقاشا وصراعا حول انتخابات الرئاسة، إذ لأول مرة، سيكون الشعب المصري في حيرة من أمره، ولأول مرة سيكون الرئيس العتيد، مجهولا للشعب، ولا يستطيع أحد التكهن بهويته، وكان ذلك نتيجة للمسطرة القانونية التي انتهجتها مصر اتجاه شروط الترشيح، مما حصن منصب الرئيس العتيد من أي طعون. فحتى المستبعدين من السباق الرئاسي، وإن كان بعضهم احتج على اللجنة العليا للانتخابات، إلا أنهم رضخوا للأمر الواقع وسلموا به احتراما للقانون وتجنبا للإحراج السياسي، ولم نشهد أي أعمال عنف أو انتقام. وبالفعل ستكون مصر أمام محك حقيقي، لكنها حتما ستخرج منتصرة وسينتخب فيها رئيسا للجمهورية من طرف الشعب بدل انتظار الصدفة أو النطفة لكي تمن به على الشعب المصري على غرار ما يحدث في بلدان أخرى.
أما على المستوى الثقافي، فإن المتتبع للشأن المصري يلحظ بالعين المجردة النقاشات القيمة التي تجري على المستوى الإعلامي، سواء كان إعلاما مقروءا أو مسموعا أو مرئيا، حيث برز دور فقهاء القانون وخبراء السياسة والاقتصاد ورجالنساء الفكر والثقافة، وعاد المجتمع إلى تنفس الفكر والثقافة والسياسة، كما تحرر الإعلام كليا من قبضة الحكومة، وأصبح المقياس الوحيد هو القدرة على جلب أنظار المشاهدين والقراء، ولم يعد لمقص الرقيب أي وجود في مصر، رغم بعض التجاوزات التي أساءت للحرية، والتي سيتكفل المجتمع بدفع أصحابها إلى مراجعة سلوكياتهم عبر سياسة الانتخاب الطبيعي للوسيلة الإعلامية الهادفة، بدل سياسة المنع والوصاية القبلية التي تنهجها الأنظمة المستبدة والتي حلت محلها الوصاية البعدية الممارسة من طرف المجتمع على المنتوج الإعلامي في إطار التنافس الحر والمسؤول.
وأما على المستوى المجتمعي، فالمواطن المصري أصبح له اهتمام أكبر بالشأن العام، وأصبحت لديه أرض يملكها ويحرص عليها، ويهدف إلى تطويرها والحفاظ عليها، بعدما كان كل شئ في ملك الحكومة والحزب الحاكم، وبعدما كانت سياسة اللامبالاة والعزوف عن الشأن العام هما السائدان، فأصبحنا نشاهد هيئات المجتمع المدني تسارع لجمع الازبال وصباغة الجذران، والقيام مقام رجال الشرطة في الحفاظ على الأمن وتنظيم حركة المرور، إذ تحول الفرد المصري من فردرعية إلى فردمواطن يقوم بواجبه قبل مناداته بحقه، بدل سياسة الانتقام التي كانت يمارسها الفردالرعية اتجاه النظام الذي كان يحسسه بدونيته وبعدم الحاجة إليه، ومن تم ساد المجتمع المصري خطاب الحقوق، والرغبة في تدمير وتخريب كل ما يرمز إلى النظام في غياب الشعور بالمواطنة الكاملة. وبالتالي فإن القول بان الثورة مهمة لأخلاق المواطن أكثر من أهميتها لجيبه، أضحت اليوم تنطبق تماما على المواطن المصري.
وإذا أردنا الخلوص إلى نتيجة من خلال ما سبق، فإنه باستطاعتنا القول أنه، وقياسا بالثورات التي عرفها التاريخ، فإن الثورة المصرية تسير في طريقها الصحيح، بغض النظر عن ما يحاول البعض إبرازه من جوانب الفشل، والتي أعتبرها شخصيا من أسباب النجاح. فبدون صراع وبدن توثر وبدون تدافع، لا يمكن أن يحصل الشعب المصري على دستور ديمقراطي تجد فيه جميع القوى السياسية والفئات المجتمعية نفسها. فالصراع مطلوب عقب الثورة، حيث لا زالت الروح تواقة ومتحررة وغير مستكينة وحيث أرواح الشهداء لا زالت تنادي، والتوتر والتدافع مستساغان بل واجبان، فمعروف أن منظري الثورات لم ينظروا فقط لقيام الثورات، بل، وبما أنهم على وعي بأن ما يتلو الثورة ليس إيجابيا دائما، فإنهم اقترحوا مفهوم الثورة الدائمة حتى لا تأكل الثورة أبناءها، وحتى لا ترتد الثورة إلى الخلف أو تحيد عن أهدافها، ومن هنا يمكن القول بأن من يطلب ثورة بدون مشاكل أو سلبيات كمن يطالب الشعوب بان ترضى بواقعها والارتكان إلى الحكم المستبد. فمن الطبيعي أن نظام مستبدا، مثل الأنظمة العربية، استقر في العقول قبل أن يستقر في واقع، تلزمه ثورة وهي بمثابة عملية إصلاحية مقارنة بما يتطلبه التغيير في إطار نظام ديمقراطي الذي تكفي فيه عملية إصلاحية لكي تظهر وكأنها ثورة سياسية. لقد بدأنا هذا المقال بالثورة الفرنسية ويمكننا إنهاءه بالواقع الفرنسي اليوم، لكي نؤكد أن التغيير في البلدان الديمقراطية لا يحتاج إلى ثورة وإنما فقط عملية إصلاحية يمكنها أن تظهر وكأنها ثورة، حيث الحديث اليوم في فرنسا على ضرورة قيام جمهورية سادسة تتخلص من سلبيات النظام الرئاسي وتتجه نحو نظام برلماني، بينما تظهر الثورة المصرية، رغم تأثيرها القوي في المنطقة، بمظهر العملية الإصلاحية، لذلك قلنا أن الثورة هي فن المستحيل، وان الثورة على نظام مستــبد هي عين الديمـــقراطية، وبالتالي على المثبطين ألا يطلبوا المستحيل وأن يتركوا الشــعب المصـــري يتدافع لكي ينتج مستقبله، لأنه لو لم يتدافع اليوم فإنه سيستمر في التوتر والتنافر للأبد. أما مسألة حركات الإسلام السياسي، فشخصيا، لا يقلقني أمرها، فهي نتاج الأنظمة المستبدة، ومفعولها سيزول بزوال نقيضها، وربما نسقط عليها نظرية، ماكس فيبر بخصوص الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية، فهذه الحركات، ورغم ما تدعيه من إحيائية إسلامية، إلا أن عمقها يظل علمانيا شاءت أم أبت، فهي ستلعب دور البروتستانتية في الدول التي كانت تسيطر عليها الكاثوليكية، فإذا كانت البروتستانتية قادتنا إلى الرأسمالية وبالتالي نحو العلمانية ونزع الطابع السحري عن العالم، فإن الحركات الإسلامية ستقودنا حتما إلى تحييد الدين عن الشأن العام، وذلك عبر مرحلتين أساسيتين، المرحلة الأولى، وقد تم إنجازها بالفعل، وهي نزع الاحتكار الديني عن الأنظمة الأوتوقراطية ومن تم يصبح لدينا أكثر من فاعل واحد في الشأن الديني، وأما المرحلة الثانية فهي التي ستأتي بعد أن تتمكن الحركات الإسلامية من الحكم، وتظهر تناقضاتها، وتختلف التأويلات وتبرز الصراعات السياسية المغلفة بالدين، حيث ستتعارض الأجندات، وسترضخ حتما الحركات الإسلامية إلى مطلب تحييد الدين وتمييزه عن الشأن السياسي، وهو ما توصلت إليه الحركات المسيحية بعد صراع طويل. ولا يمكن لأحد أن يتذرع باختلاف المسيحية عن الإسلام، لأن ذلك متهافت من ناحيتين، الأولى أن الأديان تنتمي إلى جذر ميتافيزيقي واحد وأما الثانية، فإن البشر الحامل للفكرة الدينية هو نفسه سواء كان مسيحيا أو مسلما حيث أن التنافس على الدنيا قائم بالنسبة للجميع بغض النظر عن التمايزات الطفيفة بين الأديان.’ باحث مغربي في العلوم السياسية