باريس ـ «القدس العربي»: يصعب أن يدرج مهتمٌ بالسينما فيلم «الليل الطويل» (إخراج حاتم علي وتأليف هيثم حقي 2009) في قائمة الأفلام السياسية التي تتحدث عن تجربة الاعتقال السياسي في سوريا، أو اعتباره مطالباً بحقوق المعتقلين. فعلى الرغم من أنه يضمّ هذا الحشد من المعتقلين السياسيين، وعلى الرغم من أنه يروي تفاصيل الليلة الأولى لخروج معتقل سياسي (يؤديه خالد تاجا) بعد عشرين عاماً في السجن، إلا أنه لا يرصد حال المعتقلين بقدر ما يستخدمهم ذريعة لكشف ما حلّ بالمجتمع المحيط (أو هكذا يفترض)، وعلى وجه الدقة؛ إنه عن الأثر الذي سيحدثه خروج المعتقل في حياة الناس، المقربين إليه خصوصاً، التي استقرّت في مسار ما في غيابه.
السياسة هنا نوع من الادّعاء المكشوف، تماماً كالعبارة الجميلة الواردة على لسان إحدى الشخصيات «الماضي كله سيخرج من السجن الليلة»، فهذه عبارة حلوة بحق، إلا أنه لن تجد لها أي مفعول، بمعنى لن يحضر نقاش الماضي بشكل فعلي إلا لماماً، وبشكل سطحي ومتوقع. شيء من قبيل أن ابنة المعتقل (تؤديها أمل عرفة) تتزوج ابن مسؤول نافذ هو خصم سياسي لدود للأب، يدعمها في زواجها الابن الأكبر نضال (زهير عبدالكريم)، وهو بدوره سيستفيد من علاقة القربى المستجدة في عمله كمحام، ولن يعدم وسيلة للدفاع عن نفسه تجاه هجوم أخيه الأصغر (باسل خياط) حين يتهمه بأنه فرّط بالأب المعتقل ولم يرفع صوته للدفاع عنه قدْر دفاعه عن مصالحه كمحام. يحاول المؤلف هنا أن يجد ذريعة لنضال في تفريطه بالأب، وبإمكاننا أن نلاحظ كم هي سمجة ومكررة تلك الذريعة، عندما يقول المحامي الابن إن الأب أهملهم ولم يلتفت إليهم كأبناء يحتاجون إليه. جواب الابن الآخر كفاح لن يكون أقل نمطية (ما معناه) «كان أبوك مشغولاً ومهموماً بحال البلد».
وما دمنا نتحدث عن الابن كفاح (وبالطبع لا تخفى الدلالة النضالية للأسماء هنا للإشارة إلى جيل ثائر سابق) فلا بد من الإشارة إلى الأداء الذي يعتبر هنا من فرط بروزه خارجاً عن السياق، فالممثل باسل خياط يعوّل كثيراً على الكاريزما والحضور الشخصي لديه، وقد ينفع ذلك حين تستحق مساحة الدور الذي يشغله، لكنه هنا يتصرف، بتواطؤ واضح من كاميرا المخرج، كما لو أنه بطل العمل، في الوقت يؤدي فيه بطل العمل الحقيقي، الراحل خالد تاجا، دوره بأبسط وأصدق ما يمكن من انفعالات.
وداعاً لينين
كان بإمكان الفيلم أن يكون زيارة مؤثرة للماضي بحق، لكن النص والإخراج أراداها مرور الكرام. لنتذكر هنا الفيلم الألماني المعروف «وداعاً لينين»(2003) من إخراج ولفغانغ بيكر، الذي يمكن اعتباره نوعاً من إعادة تشكيل الماضي، حيث الخوف من صدمة الأم المتشبثة بالنظام الشيوعي القديم، وهي العائدة من غيبوبة، هو ما يدفع أبناءها لتشكيل عالم ألمانيا الشرقية الشيوعي من حولها، وهنا كان إبداع الفيلم الألماني وسحره: كانت غيبوبة الأم ويقظتها ذريعة كي نرى أي عالم وحياة كنا نعيش. أما في فيلم حاتم علي وهيثم حقي فسنرى الابن الأكبر مشغولاً بإعادة تشكيل غرفة الأب كما كانت من قبل، ولكن من دون استثمار يذكر لهذه الذريعة، كل ما هنالك صورة للأب ستعود إلى مكانها، وكذلك صورة للأم الراحلة، كما ستعود آلة الغناء القديمة إلى الغرفة. في الوقت الذي سيجري تحضير البرغل في المطبخ مع ضرورة البحث في السقيفة عن زيت الخريج. فانظروا أي معنى عظيم يريد الفيلم!
لا شك أن هناك إشارات سياسية في «الليل الطويل»، هي أقرب إلى التلميح. فهو يحكي عن فترة تسلم بشار الأسد للحكم في سوريا كما نفهم من كلام محطة إذاعية. وبالتالي حاول الفيلم أن ينوه إلى «ربيع دمشق»، وحراك المجتمع المدني، حين يصور إحدى ندواته التي تقول كلاماً عاماً يأتي على ذكر الديمقراطية. كذلك فإن الإفراج عن المعتقلين بذاته إشارة إلى ذلك التحوّل. وهناك أيضاً الإشارة إلى الخصومة التاريخية بين المعتقل أبو نضال وخصمه اللدود في الحكم (رفيق سبيعي).. إنه التعميم المؤذي حقاً، التعميم الذي لا يريد أن يقول شيئاً، تريد أن تصنع فيلماً يتحدث عن الاعتقال السياسي، وانتقال السلطة وحراك المجتمع المدني بأدوات هي من زيت خريج وبرغل، من دون الإشارة إلى أحداث وتفاصيل ونقاشات؟ ستقول إنه الخوف والرقابة واستحالة القول، وسنقول إن عمر أميرالاي أنجز «طوفان في بلاد البعث» في الظروف نفسها، بل وتحت سمع وبصر «المؤسسة العامة للسينما» نفسها، وهي الجهة المنتجة ل «الطوفان». لكن لا شك أن الفيلم في النتيجة هو أصدق تعبير عن تلك الشريحة من الفنانين الذين ارتبطت كل مصالحهم بالنظام ويريدون في الوقت نفسه أن يكسبوا مجد المعارضة. وربما هذا ما يجعل كثيرين منهم اليوم مترددين في القول الصريح، هم الذين كانوا يتربعون على الشاشات لأقل الأسباب شأناً.
لا شك أن الفيلم يحتوي على جماليات لا يمكن إنكارها، حيث قدمت صورة جميلة لغرفة السجن التي يقبع فيها أبطال العمل الذين سيطلق سراحهم، وكذلك كانت لافتة ومدروسة حركة الشخصيات في فضاء الغرفة، بغض النظر عن واقعيتها أو عدم واقعيتها، ولكن هناك في الوقت ذاته زوائد كثيرة ومجانية في الفيلم، من بينها الموت المجاني لبطل الفيلم أبو نضال، الذي لن يكتب له أن يلتمّ على عائلته وبيته، بل سيعثر عليه ابنه ميتاً تحت شجرة قريبة. فهل أراد الفيلم، بهذا الموت، أن يقول إن الماضي يجب أن يموت، أن يبقى في الماضي؟ وهل هذا ما عناه مؤلف النص حقي وهو يتحدث، في تصريحاته عن الفيلم، عن المصالحة، حين يقول عن الفيلم «إنه دعوة إلى المصالحة، وإنهاء هذا الظرف الاستثنائي الذي حصل»، وأنه «لا يمكن أن تحلّ المشاكل باستمرار التعبئة، بل بالخروج من المأزق»؟
مع هذه العبارات عن المصالحة سيشعر مشاهد الفيلم أنه في واد آخر، لا يمكن أن يكون المرء غائباً عن الوعي للحدّ الذي لا يمكنه تمييز كل هذه الموضوعات في الفيلم، ما يؤكد أنها رغبات وحسب، لقد تمنى الفيلم أن يقول ذلك، لكنه لم يقل، تمنى أن يكون فيلماً، ولم يكن.
راشد عيسى