قراءة متأنية في سياسة الرئيس محمود عباس

حجم الخط
0

أحمد الفرالقد قرأت مقالة الرئيس أبو مازن ‘ يهود العراق’ بعناية شديدة وذلك لثلاثة أسباب: اولها أنه كان ممن لهم باع طويل في إرساء أسس العملية التفاوضية بدءا ً بأوسلو وانتهاءا ً برسالته إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وثانيا ً هو حاجتي لمعلومات دقيقة لما آلت إليه العملية السياسية وذلك بحكم عملي في مركز الدراسات الدولية والإسترتيجية الماليزي أما السبب الثالث هو أنه كان لدي سلسلة محاضرات حول القضية الفلسطينية.

هذا وكنت قد استمعت إليه في الآونة الأخيرة في عدة مقابلات متلفزة كان أهمها في نظري تلك التي أجراها معه الإعلامي المعروف عماد الدين أديب وتميزت تلك الحلقة بالرؤية الواضحة والصراحة المتناهية للرئيس أبو مازن والتي أفسدت كل الكمائن السياسية التي أعدها له السيد عماد الدين حتى ولو كانت عن محبة نظرا ً للصداقة التي تربط بين الرجلين.

وما أثار اهتمامي هو ما تناقلته وسائل الإعلام بأن الرئيس أبومازن بصدد اتخاذ قرار استراتيجي هام يمس مصير الشعب الفلسطيني. وتحدثت الأوساط الإعلامية عن الرسالة التي سُلمت الى رئيس الوزراء الإسرائيلي والتي يحمله فيها مسؤولية فشل المفاوضات ويشير فيها بعدم إمكانية استمرار السلطة بدون سلطة، ولا أدري إذا ما كانت هذه الرسالة هي القرار الذي أشار إليه الأخ أبو مازن أثناء المقابلة مع السيد عماد الدين أم أن في جعبته ما هو أهم. وأكاد أعتقد جازما بأن هناك فعلا ًما هو أهم من الرسالة بكثير، لإن الأخ أبومازن خير من يعلم بأن نتنياهو وليبرمان لن يعيرا أي اهتمام لمستقبل السلطة الفلسطينية ووحدة شطري الوطن ومن ثم الدولة الفلسطسنية المرتقبة، وما إلى ذلك. ومن هنا جذبني عنوان مقالة الرئيس وأنا أعلم بأنه مثقف صادق مع نفسه يطهو على نار هادئة ولذا فقد قلت في نفسي: ‘إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى’ وبالتالي فإنني محصت المقال وحاولت قراءة ما بين السطور، لا لأنتقد معاذ الله، ولا لإمتدح ولله الحمد، ولكني في الحقيقة أبحث عن معلومات دقيقة لعلها تكون ذا فائدة في بعض أبحاثي الخاصة. وهنا أود أن أورد التالي:1 ـ إن الرئيس قد أرسل مقدمة رسالته الحقيقية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي في 31 مارس ‘ يوم الأرض’ وإن المظاهرات التي خرجت تحمل في طياتها إمكانية مضاعفتها أضعافا متوالية ومتتالية. 2 ـ إن العقلية التي فكرت في التعامل مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح (أحد ألأجنحة التي انشقت عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي عام 1965) واتهمناه وقتها زورا ً وبهتانا ً بشتى التهم ونعتناه بالرجعية والعمالة، ها هو اليوم ينبري من جديد ليقول صدقت رؤيتي، فهل من منازل أو مبارز؟ وعندما يتحدث الرئيس عباس عن يهود العراق وعن الأستاذ المسيحي الذي نصح الطالب اليهودي بحفظ القرآن وعندما يعيد إلى الأذهان مقطًعا ً هاما ً من كتاب صدر عن دار النشر السفاردية عام 1972 في القدس تحت عنوان ‘الخروج من العراق’ لمؤلفه اسحاق بار موشيه مدير الإذاعة الاسرائيلية، وصف فيه حالة اليهود العراقيين عند وصولهم الى اسرائيل ومدى معاناتهم، وتمزقهم النفسي والعائلي واللامبالاة التي جوبهوا بها والإحتقار الذي كان سمة كل من استقبلهم هناك.

وينهي مقاله الرئيس أبو مازن متسائلا ً: ‘بعد نصف قرن هل تغير شعور اليهود العراقيين وهل تغيرت اوضاعهم وهل تغيرت النظرة اليهم؟ لانعتقد’.3 ـ هل سيكتب الرئيس أبو مازن أيضاعن يهود أثيوبيا مثلا ً؟ وهل سيتطرق للصهيونية المسيحية واليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الإشكناز) ؟ تلك الأسئلة أقرأها في عقلية الرجل الذي فكر في تمزيق المجتمع الصهيوني من داخله قبل حوالي أربعة قرون من الزمن.4 ـ كيف نقرأ ذلك اليوم؟ هل يعني أننا عدنا إلى المربع الأول لكي نعتنق فكر الشاب محمود عباس؟

أو هل يعني بأننا دخلنا النفق المظلم بعد قرابة خمسة عقود من النضال العسكري والسياسي؟ وهل بقي أن نقول لسلطة الإحتلال تفضلوا وأكملوا إحتلالكم لنا؟ وهل نعتذر إلى الجيل القادم قائلين: إننا حاولنا وفشلنا وعليكم البدء من حيث بدأنا وليس من حيث انتهينا…! ؟ إن في ذلك ظلما كبيرا لأنفسنا وللجيل القادم، لإنفسنا بأننا نكون قد تنكرنا لكل التضحيات التي قُدمت والإنجازات التي تمت رغم أنني أسلم بأنها لم ترق إلى طموحات شعبنا.

أما الجيل القادم فكأننا نسلمه تركة غير قابلة للقسمة ونقول له: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.

إن إجابتي على ذلك بالنفي القطعي، لإنني أقرأ في فكر الرجل الذي أعرفه بأنه يكتب الآن لب الرسالة الموجهه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولا يساورني شك بأنه يستعرض شريط ثورات الربيع العربي (مع تحفظي على التسمية وما آلت إليه بعض الأمور) كما أظنه يستحضر سياسة اللاعنف في ثورة المهاتما غاندي وانتصار الدم على السيف في ملحمة كربلاء ويحضرني الآن انتصار زعيمة المعارضة الناشطة البورمية أونج سان سو تشي أوائل الشهر الجاري بعد أن قضت خمسة عشر عاما ً في السجن والإقامة الجبرية تحت حكم العسكر الذي مضى عليه 50 سنة. 5- إنني أعتقد جازما ً بأن تجربة الثورة الفلسطينية تمخضت عنها دروس كبيره منها تدوير الزوايا الحادة والتعامل مع التناقضات العربية والدولية واستعمال مواطن القوة لدينا ومواطن الضعف لعدونا ودراسات الشاب محمود عباس في إعرف عدوك…. كل هذا يقودنا إلى قراءة هادئة ومتأنية في سياسة الرئيس محمود عباس، واضعين نصب أعيننا بأن العالم اليوم ليس بعالم انطلاق الكفاح المسلح قبل حوالي خمسة عقود من الزمن.

والجيل القادم الذي سيتسلم الراية هو ليس بجيل الكلاشنكوف والديكتريوف والأربيجي بل هو جيل الإنترنت والفيس بوك والتويتر والسكايب واللنكدن والموبيلات الذكية.

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن هناك عوامل قوة متاحة للجميع أثبتت فعاليتها فيما درج على تسميته بالربيع العربي وأن هذه الوسائل الحديثة قد أثبتت فعاليتها وجدواها بغض النظر عن النتائج هنا أو هناك حيث أن هذا ليس مجال بحثي اليوم.

وأقول هنا إن الإنتفاضات الفلسطينية التي حدثت قد أفرزت نتائج هامة منها شل الآلة العسكرية الإسرائيلية وتعرية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أمام الرأي الدولي العام وإحراج حلفائها التقليديين ووضعهم أمام مسؤولياتهم وشعوبهم. إذن الشعب الفلسطيني هو من الأوائل اللذين مارسوا فن استعراض واستعمال عوامل القوة المتاحة في مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية. ولعلي أقترح على الأخ الرئيس أبو مازن ضمن المعطيات الحالية ألا يعول كثيرا ًعلى رسالة التهديد والوعيد الى نتنياهو لإنها لن تجدي نفعا دون إظهار عوامل القوة التي بها نقول للجيل القادم إنها دولة ديمقراطية واحدة فتفضلوا هذا سلاحكم وابدأوا من حيث انتهينا ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.

إنني لا أطالب الرئيس أبو مازن بشن حرب جديدة الآن ولكن بكشف كوامن انتفاضة ربيع فلسطيني جديد عنوانه دولة ديمقراطية واحدة. وهنا أود أن أشيرإلى حنكة عسكرية قالها كولن باول إلى الرئيس جورج بوش إبان الحرب على العراق حين قال له: ‘استعرض القوة ولا تستعملها سنحقق أكثر’. ولكن الرئيس بوش لم يأخذ بالنصيحة فكانت الطامة الكبرى في العراق. وبالنسبة لنا كيف نطبق هذه المقولة؟ إجابتي هي إنهاء مظاهر بذخ الدولة بكل معنى الكلمة سواء الممارسات الشخصية أو المعطيات على أرض الواقع وتغيير اسماء الوزارات والألقاب والتركيز على بناء مؤسسات شعبية وتشجيع المنظمات غير الحكومية ولا بد أن تنخرط في ذلك حماس والجهاد وكل الفصائل الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بأي كيفية يتم الإتفاق عليها ولابد من الوصول بشتى السبل إلى منظمات المجتمع المدنى الإسرائيلي المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني من أجل التنسيق معها في مفهوم الدولة الواحدة وذلك لتهيئة المناخ السياسي الدولي لهذا المفهوم.

هذا السيناريو بمجمله يتطلب قرارا ً شجاعا ً يُطرح للإستفتاء العام، وعندها حكومة اسرائيل لا بد أن تنصاع تحت ضغط الربيع الفلسطيني – العربي – الإسرائيلي – الإسلامي القادم بمؤازرة المجتمع الدولي المناصر. وليس بالضرورة أن يكون ذلك غدا ولكن نكون قد وضعنا إطارا ً مختلفا للتفاوض. ولعلي لم أكن مخطئا إذا ما قلت بأن فكر وسياسة الرئيس محمود عباس الآن تدور في هذا المحور. ولرب سائل يقول وماذا عن مساعدات الدول العربية والدعم الذي تقدمه الدول المانحة؟ أجيب على ذلك بأن الدول المانحة والدول العربية في ظل الظروف الراهنة وما ستؤول إليه الأوضاع بناء َ على هذا السيناريو لن يستطيعوا أن ينفضوا أيديهم من القضية الفلسطينية وسيستمرون في تقديم الدعم والتمويل.

وأخلص بالقول بأن هذا الطرح سيلاقي معارضة شديدة وخاصة ممن سيفقدون الكثير من امتيازاتهم وممن ستُهدد مصالحهم الخاصة وآمل أن يكونوا قلة لا يلتفت إليها صناع القرار. أما من يظن بأنه قد جانبني الصواب فأقول: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.’ سفير فلسطين السابق لدى ماليزيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية