قراءة معاكسة لعملين مترجمين.. في بلاد الرجال و عمارة يعقوبيان : عوالم ماتعة عن طفولة ليبية وبناية جسدت ملامح التغيير من مصر الملكية الي ما بعد الانفتاح

حجم الخط
0

قراءة معاكسة لعملين مترجمين.. في بلاد الرجال و عمارة يعقوبيان : عوالم ماتعة عن طفولة ليبية وبناية جسدت ملامح التغيير من مصر الملكية الي ما بعد الانفتاح

ابراهيم درويشقراءة معاكسة لعملين مترجمين.. في بلاد الرجال و عمارة يعقوبيان : عوالم ماتعة عن طفولة ليبية وبناية جسدت ملامح التغيير من مصر الملكية الي ما بعد الانفتاحكثيرون منا يعودون الي اعمال ادبية قرأوها، لكي يعيشوا من جديد تجربة الحياة مع مشهد من مشاهد العمل او التأكد من عبارات قالها البطل او احياء التجربة كلها بقراءة العمل من جديد، والقراءة قد تكون للمتعة او من اجل النقد، وبعضنا يحمل قلما وهو يقرأ او يقوم بطي ورقة من ورقات الكتاب او يستخدم فاصلا، من اجل العودة للنص من جديد. واحيانا في القراءة فان عملا تقرأه اليوم وتتفاعل معه لدرجة كبيرة تجد انه فقد نضارته بعد زمن، وفي احيان اخري يعيد لك النص صورا نوستالجية عن الزمن الماضي وتشعر انك كبرت فعلا، وما مضي مضي ولن يعود وان الحياة في نضارتها او بكورتها الاولي لم تعد كما كانت. وهو نفس الشعور الذي يعتريك عندما تعود للاماكن الاولي التي لم تعد موجودة او تغيرت. اذكر كيف تفاعلت مع قراءة رواية الحرب في بر مصر ليوسف القعيد في ترجمتها الانكليزية في رحلة ما بين لندن ومانشستر وشعوري عندما شاهدت الفيلم الذي اقتبس منها وقام ببطولته عمر الشريف، مع اني قرأت النص العربي منذ زمن في القاهرة. ليس هذا حديثا عن تجربة القراءة بين الحدود والجسور التي تمنحها النصوص، والقراءة ولكنها افكار اردت تقديمها في الحديث عن تجربة اعادة قراءة رواية جديدة للكاتب الليبي هشام مطرـ في بلد الرجال/ بلاد الرجال التي صدرت العام الماضي بالانكليزية وصدرت ترجمة حديثة لها عن دار المني التي تديرها الناشرة والكاتبة الاردنية مني هاننغ، وهي حكاية عن ليبيا الحديثة عن المعارضة السياسية ولكنها عن العلاقة بين صبي وامه، فسليمان في ذكرياته عن طفولته في بيت معارض سياسي للنظام الحاكم وام تعيش في اجواء من الخوف والاحباط والاحلام المفقودة موزعة بين هم الاب الذي يقوم بممارسة نشاطاته السياسية من مكتبه في وسط المدينة والام التي تهرب من همومها واحباطات الزواج المبكر بالشراب او الخمر الذي يحسبه الصبي انه دواء يؤثر علي الام، الرواية وان كانت تتحدث عن السياسة ، وقد قرأت مقالا اخيرا في صحيفة امريكية لمطر يتحدث فيه عن الوضع في ليبيا واشار الي ان والده من المعارضين السياسيين للنظام الليبي وانه اختفي تماما مثل والد سليمان، مما يعني ان سليمان السارد للاحداث قد يكون هشام مطر نفسه. ومع ذلك يرسم الكاتب صورة عن مناخ الخوف، بشكل يذكر باجواء الخوف التي رسمها مثلا اسماعيل كاداريه في اعماله عن الحقبة الخوجية انور خوجا وما بعدها في البانيا، هنا العلاقات محكومة بالظرف وما تمليه الظروف السياسية، ففي بلد الرجال تتأثر حتي علاقات الصبيان فيما بينهم، وفي الوقت الذي ينقطع فيه خط السرد عندما تقرر والدة سليمان ارساله لمصر خوفا عليه لاكمال دراسته ويعيش هناك تجربة جديدة، فاننا نشعر ان سليمان وان ظل يعيش في ظل امه، تماما عندما كانت تأتي الي فراشه الصغير وتحضنه ليصبحا جسدا واحدا فانها تعانقه في المشهد الاخير عندما يقابلها وهي القادمة من ليبيا في طريقها للحج، الولد الصغير لم يكبرـ كما قال نزار قباني صرت ابا ولم اكبر ، سليمان الذي يبدو حانقا علي امه التي ارسلته للقاهرة وهو يفكر في انتظار وصول حافلتها للاسكندرية في محطة الحافلات ان يبقي في سيارته بدون ان يبحث عنها علها تجده، لكن يقرر وهو يعرف ان امه رمته كالكلب في القاهرة، وحرمته من فضائه من اجل حمايته وهو الذي كبر في المنفي يراها وهي تخرج من الحافلة شابة في نهاية الثلاثينات من العمرـ لا تري شعرة بيضاء، الذي كبر هو بطلنا ـ امه لم تتغيرـ هنا نتساءل هل كان ارسال الابن لحمايته من السياسة ام انانية من الام التي لم يكن امامها في بيتها في ليبيا الا الانتظار وشرب الخمر المهرب من تحت الطاولة والتحايل علي المخبرين، وهي الان بعد خمسة عشر عاما من تسفيره/ ترحيله تبدو جميلة، الشعور المتناقض بالهروب من الام التي تبدو مصدرا للعذاب والاسي والحب، والغضب الكامن لكن الام تفرض حضورها وبدون ان تنبس بكلمة تقبل يدي وجبهتي ووجنتي وتمشط شعري باصابعها ثم تعدل ياقتي الام لم تنس ان الشاب لم يزل طفلاـ والام قد تكون الوطن. يأخذنا سليمان في رحلة عن التحولات وعن محاولات الاكتشاف ودائما ما تكون عيون الاطفال حادة وصادقة في اكتشافاتها وتساؤلها فمن خلال براءتها تكشف لنا عن الجميل والقبيح في حيواتنا ولكنها تكشف لنا مثل السينما التي تركز الكاميرا علي الحدث بدون التعليق. قراءة العمل مترجما هو تجربة اخري فهو مكتوب بلغتنا الام وقراءته الان اسهل واسرع. معرفتي بنهاية العمل وما حدث للبطل لم يؤثر علي حس الترقب، فالنص في ترجمته يبدو طازجاـ نعرف ان سلومة الذي ارسل عام 1979 الي القاهرة من اجل مستقبله، تحرر من بلده ليببا، لم يبق ما يربطه ببلده الاصلي الا مكالمات امه ورسائل اصدقائه، اندمج في القاهرة التي يصفها بـ متاهة لا نهائية مطرزة في السيارات بعد خمسة عشر عاما في عام 1994 صار صيدلانيا يهتم بالادوية والمرض وفي اليوم الذي فتح فيه الباب امام الليبيين للسفر مات والده، وسلومة الحانق علي والدته لانها ارسلته لبيت القاضي ياسين في القاهرة لحمايته، ولانها اخفت عنه موت والده، يشير الي موت الاحلام، والتوزع بين حب والده السياسي الذي شجب آراءه السياسية او اجبر عليها، وخرج محطما وصار عامل ماكينة في مصنع مكرونة وحب والدته التي كلما تذكر معاناتها ترتفع درجة ضغط دمه. رواية جميلة عن الحب والولاء والخيانة وعلاقات الصبيان ومغامراتهم، وعن اجواء الخوف والسياسة، وسواء استطاع سلومة التخلص من اشواقه لبلده الاصلي ولم يعد كما يقول مهتما بحديث زملائه عن ليبيا وبداوتها فان ما يبقي في النهاية هو الحب والحنان، وما لم يستطع سلومة التخلص منه هو حاجته لحنان امه، وهو يعترف انه علي الرغم من حياته الناجحة في القاهرة واندماجه في الحياة فيها لا زال يشعر وكأنه يتيم، ونشعر ان بطلنا متشوش، فهو وان تحرر من تجربته الليبية ربما، الا انه يعود ويقول ينتابني شعور بالغياب دائم الحضور، كيتيم غير متيقن تماما، ما اذا كان قد خسر او كسب من فقدانه القسري . رواية جميلة، تشعرنا بحس من الفجيعة، والخسارة، والحرمان والحب، والفقد والخيانة بمعناها السياسي، وفوق هذا لذة اكتشاف العالم ومحاولة تحديد فهم له، مع ان سلومة لم يمنح فرصة الاكتشاف فسافر الي مصر/ القاهرة. لذة قراءة الرواية بالاصل الانكليزي والمترجم الذي قامت به سكينة ابراهيم، حيث قامت بترجمته ترجمة جيدة، ليست متأنقة في اللغة حيث حافظت علي سلاسة النص الانكليزي.متعة قراءة النص تنبع من اللغة ومن استراتيجيات المترجم الذي ينقل روح النص والرواية، وهذا يقود للحديث عن الترجمة الانكليزية لرواية علاء الاسواني الشهيرة عمارة يعقوبيان وقام باعداد الترجمة همفري ديفيز عن النص الذي صدر عام 2002، ورواية الاسواني مشهورة وكتب الكثير عنها، ومبيعاتها في العالم العربي فاقت التوقعات، وحظيت باهتمام كبير من نقاد الصفحات الادبية في الصحف البريطانية حيث كتب عنها في معظم الصحف وملاحق الادب، وقامت صحيفة صاندي تايمز بمقابلة مع الاسواني الذي اصدر عملا جديدا، هو شيكاغو ، واعتبر بعض المعلقين ان صدور الرواية بالانكليزية حدث مهم منذ ترجمة اعمال نجيب محفوظ عميد الرواية العربية الذي رحل العام الماضي. وقد احسن ديفيز عندما قدم سردا بشخوص الرواية، وسرداً عن هوياتهم، كما وضع ملحقا لتفسير عدد من المصطلحات والحوادث والاسماء التاريخية او الادبية والجماعات التي تتعرض لها الرواية. وفي المقدمة قدم المترجم عددا من الملاحظات حول البناية نفسها التي تدور احداث الرواية فيها، وبالمناسبة حولت للسينما في فيلم جميـــــل، حيث قال ان البـــناية التي تتحدث عنـها الرواية موجودة بالفعل في العـــــنوان الذي يتحدث عنه الاسواني (ابن الناقد عباس الاسواني) حيث كان والده يملك مكتبا فيها، كما ان علاء نفسه افتتح عيادة طب اســــنان في البناية، ويعتقد المترجم ان الصورة التي قدمها الاسواني عن جمالية البناية، فيها نوع من المبالغة، وليســـــت مبالغة، البناية جمالية ولكن ليس فيها تماثيل اغريقية محفورة علي الرخام، ملاحظات ربما تفيد الباحث في التاريخ، الباحث عن اصالة المكان، ولكن البناية هي مكان يرصد تحولات المجتمع المصري، في فترة ما بين الحربين، وعهد الثورة المصرية، والانفتاح وما بعد الانفتاح، وهي وان لم تكن رواية اجيال الا انها تعبر عن روح الحقبة من خلال تغير احوال واقدار الذين عاشوا في المكان، من الارستقراطيين والاجانب الي رجال الثورة والفلاحين وتجار الانفتاح، الذي ربما يمثل الحاج محمد عزام صورة عنهم، وعن الفساد السياسي كمال الفولي وعن خديعة الحداثة التي يمثلها جيل زكي بيه الدسوقي. وهي عن المحرم والممنوع حاتم رشيد، محرر مجلة فرنسية وشاذ. وسواء كان الاسواني مخلصا للمكان ووصفه فانه قدم رواية جميلة عن تحولات مصر ومصائرها، وعن الاسلام السياسي، وفي النهاية حاول ان يخلق نوعاً من المزاوجة او الانسجام بين ما يراه شرقيا او بلديا وما يراه غربيا، فزواج زكي بيه من بثينة التي هي نتاج المجتمع الكبير الذي سكن غرف الغسيل والخزن علي سطح العمارة تمثل محاولة للمزاوجة، وقد يفهم هذا الزواج باكثر من اطار، ولكن الموسيقي في الحفل تخدم في هذا السياق الغرض، فكريستين التي تمثل بقايا الزمن الارستقراطي بدأت الحفل بموسيقي غربية وحاولت احياء الزمن القديم الذي عاشه زكي باشا الذي انهارت عوالمه، بسبب انغماسه في اللذات، ولكن المدعوين رفضوا قضاء الحفل في الاغاني الغربية وطلبوا رقصهم الشرقي واغنياتهم، قد يتوحد الزمنان لوقت قصير في قاعة الحانة، ورسالة الرواية دعوة للتسامح، وفيها صورة عن التنوع والاختلاف في المجتمع المصري، وهذا ما يعطي الرواية زخمها، وقد كان الاسواني ذكيا وموفقا في اختيار علامة معروفة في شارع سليمان باشا في القاهرة لقراءة التغيير وملامحه في المجتمع المصري. رواية جميلة ايضا وترجمة ديفيز جميلة، ومثيرة في حفاظها علي اجواء اللغة العربية ومناخها القاهري الجميل واجوائها الماتعة. رواية الاسواني تعتبر ظاهرة بحد ذاتها في العالم العربي حيث تشير الارقام من مبيعاتها لاقبال جماهيري عليها، والان ستترجم الي 17 لغة.في النهاية فالترجمة هي عملية خلق وخيانة للنص في اتجاه آخر، لان المترجم يعيد خلق النص بحسب ما تقتضيه اللغة. الهدف من اللغة المصدر، وفي مساقات الترجمة يتم تدريس الطلاب حول ما صار يعرف باستراتيجيات الترجمة من اللغة الاصلية/ المصدر الي اللغة الهدف، حيث يخسر النص في الطريق عددا من ملامحه وما يبقي في النهاية روحه او مذاق الكاتب، فهناك مثلا تعابير لا يمكن ترجمتها بسبب معانيها الثقافية المحلية او بسبب بعدها التاريخي الخاص، ومن هنا يجري احيانا البحث عن معني مقابل او تعبير يشير لنفس المعني في اللغة التي تتم الترجمة منها، علي العموم فان صعوبة الترجمة او الجدل حول اصالة النص المترجم تظل قضية جدلية يبحثها النقاد واللغويون والمهم ان الترجمة تقرب الثقافات وتقيم ارضية مشتركة بين الشعوب والكتاب. وبالنسبة لنا في العالم العربي فان الكاتب عندنا ينظر الي ان ترجمة اعماله للغات اخري تدخله باب العالمية وهو مصطلح غامض له محدداته الخاصة. وفي دنيا النشر اصبح بفضل دور النشر اصدار طبعات متعددة من العمل الادبي في عدد من الترجمات في مرة واحدة، خاصة ان دور النشر العالمية تبحث عن قراء ومناطق جديدة. لا زال هناك حديث بين المثقفين العرب عن القصور في ترجمة الادب العربي للغات الاخري مع ان هناك مشاريع طموحة قامت بجهود فردية او اكاديمية مثل مشروع بروتا الذي تشرف عليه الاكاديمية الفلسطينية المعروفة سلمي الخضراء الجيوسي، ومشروع الترجمة في الجامعة الامريكية، ومن بين المثقفين العرب حظيت اعمال نجيب محفوظ، الاديب العربي المعروف بالترجمة. في العملين السابقين فان الموضوع والمضمون هو الذي كان وراء نجاح العملين، فالاول كان من الاعمال المرشحة لجائزة بوكر، اما الثانية فراجت كثيرا بين القراء العرب واختيرت في عام 2003 كأحسن راوية من قبل مستمعي اذاعة الشرق الاوسط المصرية. ناقد من اسرة القدس العربي في بلاد الرجالهشام مطرترجمة سكينة ابراهيمدار المني/ السويد ـ 2007The Yacoubian BuildlingAlaa Al AswanyTranslated by:Humphry DavisFourth EstateLondon/20070

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية