قراءة نقدية في مقاربة تونسية حول منزلة المرأة في الإسلام (2 من 3)

حجم الخط
0

النخب التي تدعي التفلسف لا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف المسكوت عنه من النصوص الدينيةالنص عمل علي تأكيد الفرق في الزواج بين سلطان الذوق وسلطان الرزق باعتبار التمايز اساس العمران

أبو يعرب المرزوقي: وهنا نصل إلي بيت القصيد في النظام التشريعي الإسلامي بعيد الغور النظام الذي يتجرأ عليه بعض المتفلسفين بأفقر أدوات الفكر لو كانوا يعلمون. وحتي نفهم بعد الغور فيه فلنطرح سؤالين جوهريين لكل عمران سوي:1 ـ ما النظام الاقتصادي الذي نريده؟ هل نريد مجتمع الشركات العامة التي تجعل الناس أرقاما فاقدين للذوق هدف الحياة الأول أم مجتمع الوحدات التآنسية التي يتحرر فيها الذوق قدر المستطاع من سلطان أسباب الحياة؟2 ـ وما طبيعة الحياة العاطفية المحددة للإنتخاب العضوي بمعاييره السوية طبيعتها التي نريد؟ فالتزاوج الداخلي الذي يصبح القاعدة بمؤثرات العامل الاقتصادي يؤدي إلي الأمراض البايولوجية لفرط تأثير دافع الحفاظ علي الملكية الدافع الذي لا ينكره إلا متعام. فالتزاوج الخارجي الذي يمكن من تحقيق شروط الصحة العضوية هو التزاوج الذي يكون المحدد الأول فيه الذوق لا الرزق. ولا يتحقق ذلك إذا كان الطمع في إرث المرأة حائلا دون خروجها من التزاوج الداخلي من أجل الحفاظ علي الملكية ومن ثم مانعا لطلبها من الخارج لقوة الدافع فلا يبقي إلي طلبها الداخلي. ولو انتبهت النخب العجلي إلي هذه الابعاد لترددت كثيرا في الجرأة علي كل شيء مع الجهل بأدني شروط الفهم العميق لمقاصد الشرائع في حياة العمران. فحتي لو سلمنا لهم بأن الشرائع كلها من جنس الشرائع الوضعية فإن الأوضاع ليست متساوية للتمايز بين عقول الواضعين. فمنهم من يري الابعاد ويسميهم اليونان حكماء. ومن من لا يري أبعد من ذبابة أنفه ويسميهم العرب سفهاء. فما أشقي المرأة التي يختارها المغازلون لمالها! ولعل الباحثة بمقتضي الجنس والخبرة أدري مني بالمفاضلة بين المرأة تختار حبا لذاتها وجمالها أو تصطاد طمعا في ما عندها ومالها!

والسؤال الآن هو لم كان الحد القرآني من حرية تصرف المالك في الوصية بهذه الصورة التي جعلت بعض المعاملات من العبادات دون أن تحافظ علي مبدأ العبادات الأساسي أعني المساواة بين البشر من حيث منزلتهم عند الله إلا بالتقوي أو العمل الخلقي في التعارف كما حددت ذلك آية التعارف؟ أي لماذا لم يفرض الله الحد بصورة تجعله يساوي بين الذكور والإناث في هذه الفريضة رغم كونها فريضة أي عبادة وليست معاملة؟ وهذا السؤال كان يمكن أن يكون مفهوما لو طرحته الباحثة بعد أن تكون قد برهنت علي فهم معني الآية بالقصد الأول. ذلك أن تحديد مقادير الإرث هو معناها بالقصد الثاني. وهذا القصد الثاني لا يمكن أن يفهمه من غاب عنه القصد الأول. فإذا كان الشارح لم يفهم أن الآية تتعلق بالحد من حرية المالك في التوريث بحسب ظنونه فإنه لا يمكنه أن يفهم القصد من المقادير التي اختيرت حدا بمعني ما لا يمكن النزول دونه. ذلك أن ما فوقه يبقي ممكنا بعدة طرق لم يتأخر بعض المالكين والفقهاء عن تصورها وتطبيقها بل هم تحيلوا في الاتجاه المقابل للهبوط دون هذا الحد الأدني وحتي لحرمان المرأة من الإرث أصلا اتباعا لما نبهت إليه الآية وحذرت منه لعلم الله بأن الغالب علي البشر بالجبلة تفضيل الذكور علي الإناث: لا تدرون أيهم أكثر لكم نفعا. والجواب هنا مضاعف ويفهم بفرضيتين:1 ـ فلو فعل نص الآية فحقق المساواة في توزيع الإرث لكان ذلك معارضة مطلقة لحرية المالك في التفضيل أعني في حرية الوصية. والحد من حرية المالك في الوصية يفقد معناه إذا لم يكن مشروطا بدواعي الحاجة إلي الحد منها: إنها في النص القرآني المعيار المتحكم في إرادة المالك إرادته التي تعبر عنها وصيته والتي يفهم منها قيس المالك لمقدار الموصي به بنفع الموصي إليه له. ومن هذا القاعدة العامة التي تكاد تكون كلية تنتج قاعدة تفضيل الذكور علي الإناث فهي أمر شبه كوني في المجتمعات البشرية. لكن الحد القرآني الذي يعترف بهذه الظاهرة اقتصر علي وضع مبدأ الحد الأدني (حظ الذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يمنع حق الهبة للبنات لمن كان من الآباء لا يقول بهذا الأمر شبه الكوني. والهبة غير الوصية لأنها تتم في حياة المالك وليست بعد وفاته: والهبات يمكن تأخذ شكل البيع بسعر تفضيلي ورمزي تجنبا للمماحكات القانونية بعد الوفاة. لكن هذا الفهم رغم اختلافه عن تعليل إخوان الصفاء الذي هزأت منه الباحثة لا يقدم من المسألة إلا علتها السطحية وهي علة أقل أهمية من العلة العميقة ذات الغور البعيد والتي ولا يدركها من يسارع لطلب المسكوت عنه ويهمل المنطوق به أعني بعائد المعرفة العلمية بقوانين العمران. وهزء الباحثة من تعليل إخوان الصفاء لا يستحق الذكر لو لم يكن مشفوعا بخطأ لا يقبله حتي الحداثي لأنه مناقض لما يعتمد عليه من حجج: فإذا كان الصداق أجرا للاستمتاع يعني المتعة الجنسية كما فهمت الأستاذة فهو أذن أجر لما لا يستحق الأجر إذ الاستمتاع بهذا المعني متبادل فلم ينبغي أن يدفع الرجل أجرا؟ لكن القرآن لم يقصد بالاستمتاع ما فهمت الباحثة. فلو كان ذلك هو القصد لما وجد فرق بين الزواج وزواج المتعة. لعل منازل الأسر مواخير خاصة والصداق بمقدمه دفعة أولي مقابل جملة عمليات الجماع ثم يصفي الحساب بالمؤخر منه! وهل يستغرب مثل هذا التصور ممن يقيس المنزلة الوجودية بمقدار الإرث؟2 ـ ولو فعل نص الآية ما تطلبه الشاكيات مما سمينه بجرح التفضيل الإلهي لفقدت الملكية دوريها المقومين لتوازن القوي بين وحدات العمران الإنساني الدنيا إقتصاديا وبيولوجيا. فالمعلوم أن العمران البشري كله يدور مباشرة حول موضوعين وردا في سورة النساء ويدور بصورة غير مباشرة حول نوعي السلطان الناتجين عنهما في العمران. ويعبر عن الأمرين المباشرين في الأنثروبولوجيا بمادتي التبادل الأساسيتين وموضوعي التواصلين المصاحبين لهما موضوعيه الجوهريين إما لعلمه (مصدر السلطان الرمزي) أو للعمل به (مصدر السلطان الفعلي). فالعمران كما عرفه ابن خلدون ليس هو إلا الحل الذي تمكن الإنسان من وضعه خلال تاريخه المتعثر لعلاج هذين التبادلين والسلطانين المترتبين عليهما من أجل تحقيق الوحدة المتعالية عليها أربعتها بوصفها الوجود المادي والروحي للجماعة البشرية:

فالتبادلان المقومان للعمران هما:1 ـ التساكن للتآنس ويدور حول معني الذوق وأصله الحب عامة والحب المؤسس للوحدة الدنيا للقيام الإنساني أو الأسرة.2- والتعاون للتعايش ويدور حول معني الرزق.

وكلا التبادلين مصحوب بتواصلين هما بالجوهر علم وعمل لما يقتضيانه من نظام يزع المتبادلين ويضبط الحقوق والواجبات:3 ـ فالأول نظامه ووازعه خلقي روحي مهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوي الرمزي من وجود الإنسان4 ـ والثاني نظامه وواعه سياسي زماني مهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوي الفعلي من وجود الإنسان.

ولا يتحقق التلاحم بين المستويين المضاعفين من العمران من دون مبدأ موحد:5 ـ ثم مبدأ عام يوحد الكل في الجماعة ذات الهوية شبه الواعية بكونها ذات منفصلة عما عداها من الجماعات بكيان جغرافي تاريخي معين يمكن أن نسميه أمة.

فأما التبادل الأول فهو التبادل الذوقي عامة وأهم شيء فيه هو الحب والتواصل العاطفي الذي تنبني عليه الحياة التآنسية والتواصل بين وحدات إنتاج الإنسان نفسه في المجتمع: الأسر سواء في أضيق مستوياتها (الخلية الأسرية الدنيا) أو في أوسعها (القبيلة). وأما التبادل الثاني فهو التبادل الرزقي عامة وأهم شيء فيه هو الملكية والتواصل المصلحي الذي تبني عليه الحياة الاقتصادية والتواصل بين وحدات إنتاج أسباب عيش الإنسان في المجتمع. فالسلطان علي محددات التواصل الأول والسلطان علي محددات التواصل الثاني ينسحب كل منهما علي الآخر. وغالبا ما يصبح العامل الثاني المحدد الأساسي للعامل الأول: أي إن الزيجات تكون في الأغلب مصلحية فلا يكون الذوق هو المحدد بل الرزق هو الذي يعود إليه التحديد في المقام الأول إذ يدخل في الاعتبار عامل الملكية والإرث المتوقع قبل عامل الذوق وخاصة في المستويات التي تصبح فيها الملكية ذات دلالة سلطانية أي تمكن من سلطان ما يقاس بالمنزلة في السلم الاجتماعي إلخ.. تحرير سلطان الذوق من سلطان الرزقلذلك فإن تحرير المبدأ الأول (سلطان الذوق) من المبدأ الثاني (سلطان الرزق) ييسر التبادل الذوقي أو بلغة سطحية يجعل تبادل النساء متحررا ما أمكن التحرر من تأثير تبادل الرزق. وذلك هو الشرط الضروري لتشجيع التزاوج الخارجي والعزوف عن التزاوج الداخلي فيحصل التبادلان بأفضل طريقة للفصل بينهما ما أمكن أعني بالحد من تأثير الثاني في الأول: التبادل الذوقي والتبادل الرزقي. ثم إن هذا الشرط لا يقتصر علي تشجيع التزاوج الخارجي بل هو أيضا يحافظ علي معني التقابل بين الداخل والخارج بمعيار موضوعي فيمكن من تمتين التلاحم الداخلي في الوحدات الدنيا ومن التواصل الخارجي بينها: فالثبات النسبي لملكية الأرض أو رأس المال مثلا في الأسرة يجعل الملكية تنمو ويقلل من انفراط الوحدات الدنيا للعمران أعني وحدات التساكن للتآنس.

ومن له دراية بعلم الاقتصاد يدرك أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم علي أساسين ليس منهما بد: احداهما محررة للإنسان والثانية مستعبدة له. فالوحدات الاقتصادية ذوات الاسم الخفي تزيل الحدود بين الوحدات الدنيا (الأسر والشركات الأسرية) بل وحتي بين الوحدات القصوي (مثل الأمم والدول) فتزيل النسيج الاجتماعي عامة سواء كان وطنيا أو دوليا ويصبح الجميع أرقاما في آلة جهنمية هي بالذات مجتمع الحداثة التي يكون فيها الإنسان لولبا من لوالب السوق أو برغيا من براغيه. والشركات المتوسطة والصغري ـ وهي في الأغلب أسرية-لا تقتصر علي المحافظة علي الملكية وحدها بل هي تحافظ في نفس الوقت علي النسيج الإنساني الذي هو المطلوب الأول والأخير للحياة البشرية إلا عند من يفضل الأرقام علي البشر. ثم إن دورها التنموي لا يقل عن دور الأولي بل إن دورها التنموي أهم بكثير لأنها هي التي تمثل أهم مغذ لسوق الشغل إذ إن الشركات الكبري تستعيض بالآلة عن العمال والشركات الصغري ليس لها القدرة علي كلفة الآلات فتبقي مصدرا مهما للعمل الإنساني. بل إن الشركات ذات الاسم الخفي بخلاف ما يظن من ليس له علم بالاقتصاد الحديث لا تستمد قوتها الاقتصادية إلا من هذه الشركات ذات الاسم العلني الذي هو في الغالب اسم أسرة: إنها في الحقيقة ليست وحدات انتاج بل هي وحدات تسيير للإنتاج الذي لا يتحقق حقا إلي في الشرطات الصغري والمتوسطة وهي إذن من جنس تغول السلطان الرزقي الذي يلغي الذوق لكي لا يبقي إلا علي سلطان السوق. وذلك هو المعني الحقيقي لمصـــــطلح الاستمداد الخارجي الانكليزي Outsourcing الذي لجأ له الاقتصاد الحديث للجمع بين الشكلين من عمل الملكية من حيث هي أداة إنتاج اقتصادي ويماثله انتقال وحدات الإنتاج إلي البلاد النامية بالمصطلح الفرنسي Dژlocalisation حيث لا يزال العمل جاريا في وحدات صغري تحافظ علي التساكن من أجل التآنس حيث لا يزال لهاتين الكلمتين معني عند أهل البلاد التي تنتقل إليها الصناعات الفرعية المغذية للشركات الأم: وهنا ينبغي التذكير بمعني الاستمتاع القرآني الذي ظنته الاستاذه تحويلا للأسر إلي مواخير في حين أن القصد هو التآنس والتساكن حيث يكون للمرأة الدور الأكبر في كل المجتمعات أيا كانت مزاعم التقدميين.

المسألة الثالثةوحاصل القول مما سبق أن النخب العربية التي تدعي التفلسف بقراءة كتاب أو بلغة تونسية خالصة النخب التي من زبيبة تسكر لا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف المسكوت عنه من النصوص الدينية وأولي خطاهم القفز علي المنطوق به فيها حتي لو سلمنا لهم بحق معاملتها معاملة النصوص الأدبية. فمن شروط فهم أي نص العلم بالظاهرة التي يعالجها في ذاتها وبالقصد الأول. وهي هنا ظاهرة مضاعفة: 1 ـ اقتصادية في علاقتها بقانون الملكية وحق التصرف فيها بالوصية والتوريث تحديدا لدوري الملكية المقومين لجوهرها: دورها الدال علي القدرة المحققة للإرادة عند الشخص الإنساني من حيث هو ذات مدنية لها حقوق وعليها واجبات ودورها الدال علي النسيج الرزقي المحقق للتعاون من أجل القيام المادي لحياة الفرد والجماعة.2 ـ وبايولوجية في علاقتها بما يترتب عليها في تبادل النساء في العمران تبادلهن الذي ينبغي تحريره من تأثير العامل الاقتصادي حتي لا يلغي كل إمكانية للتزاوج الخارجي إذا كان خروج المرأة سيؤدي إلي تهديم الرصيد الرزقي. وهكذا فهذا النص القرآني لا يعالج قضية المساواة بين المرأة والرجل ولا مسألة المنزلة الوجودية للإنسان ذكرا كان أو أنثي بل هو يعالج مسألتين ليس من علاجهما بد لتحقيق أفضل شروط القيام الاقتصادي والبايولوجي للجماعة:

الحد من حرية المالك في التصرف في ملكه بصورة تحول دون والتحول إلي طاغية فيكون في تصرفه وكأنه رب وينسي أن علمه بعلاقة غيره به محدود فضلا عن علمه بأثر الملكية والعواطف في السلطان المستمد منهما علي الحياة البشرية الجماعية. الحد من دور الرزق في الذوق لتحرير تبادل النساء من سلطان المال فلا يكون ما يعود إليها من مال الأسرة حائلا دونها والخروج منها إلي أسرة أخري، فيمتنع التبادل الخارجي، ويصبح المجتمع أسرا منفصلة تمام الانفصال ويصبح المجتمع ارخبيل قبائل فضلا عما يؤدي إليه ذلك من فساد بايولوجي بسبب التزاوج الداخلي إذ إن ما حصل من فصل بين القبائل سيحصل بين أفخاذ القبيلة الواحدة وهكذا إلي أن نعود إلي زواج الأخ من أخته أو إلي حرمانها من الإرث أصلا وفرض العنوسة عليها.

وتلك هي وظيفة القانون: التوفيق بين عدة عوامل لتحقق التوازنات الأساسية لقيام العمران ذوقا ورزقا وسلطان ذوق (السلطان الروحي) وسلطان رزق (السلطان الزماني) ووحدة الكل في الجماعة المتجانسة في حياة لا تقتصر علي تحديد المنازل بالرزق بل يكون فيها للذوق المنزلة الأولي. ليست وظيفة القانون تحديد المنازل الوجودية بل حمايتها بهذا التوازن الذي ذكرنا. أما تحديدها فهو مادة لضرب آخر من النصوص كما سنري في هذه المسألة الثالثة.

بينا أن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية لا بذاتها ولا بمقدارها إلا عند من لا يدرك المقصود بالمنزلة الوجودية حصرا إياها في الأمر الواقع لعلاقات القوة الاقتصادية وبينا مقومات المنزلة الوجودية وبقي أن نسأل عن مدلول التفضيل الإلهي وهل هو لصالح الرجل أم لصالح المرأة في القرآن الكريم. ولن يفهم هذا التحليل إلا من كان متحررا ما أمكن مما ربي عليه من أحكام مسبقة استبدلت الصور المشوهة لما انحط من حضارة المسلمين بالمعاني العميقة للقرآن الكريم سواء كان هذه الصور المشوهة موجودة فعلا أو من وقع الأدبيات الاستشراقية بكل أجيالها.

ولنبدأ بمدلول التفضيل الإلهي: فهو قضية أساسية في نظرية العدل أو التنزيه ويشار إليها عادة بمصطلح مركب من كلمتين يونانيتين تفيدان العدل الإلهي Thژodicژe. لو كان التفضيل الإلهي تفضيلا بمعني الاجتباء التحكمي غير المعلل لكان ظلما إلهيا. وهذا هو قصد الجرح الذي تتكلم عليه الأستاذة. وكلامها يكون صحيحا سواء صح التفضيل لصالح الرجل أو المرأة أو أي كائن آخر لو كان القصد به هذا الفهم من التحكم الإلهي. فالتفضيل الوارد في القرآن له خمسة معان: 1ـ تفضيل آدم وبنيه علي الملائكة باستخلافهم. 2 ـ وتفضيل بني أسرائيل علي العالمين باصطفاء الكثير من الأنبياء منهم قبل نقض العهد. 3ـ وتفضيل المؤمنين علي الكفار بتوريثهم الأرض. وقبل هذه الثلاثة الصريحة نجد تفضيلين مضمرين هما: 4ـ تفضيل الوجود علي العدم قبل النشأة الأولي. 5 ـ ونجد بعدها تفضيل البعث علي العدم بعد النشأة الثانية. وكل هذه الضروب من التفضيل معللة. ولا أعلم تفضيلا آخر ورد في القرآن بهذا الوضوح. لذلك فالكلام علي تفضيل الرجال علي النساء في آيات الإرث والنشاز ليست بالأمر البين كما يتصور العجلون. لأن الآية الوحيدة التي ورد فيها ذكر التفضيل عند الكلام علي العلاقة بين الرجل والمرأة لم يعين الفاضل فيها ولا المفضول. ذلك أنها نسبت ما يتصوره البعض علة القوامة الأولي أو الإنفاق إلي الرجال لكنها لم تنسب الفضل إليهم بل بقي الضمير والتبعيض (فضل بعضهم علي بعض) شاملا لكلا الجنسين عند من يحسن القراءة. فإذا لم تفهم القوامة بمعني السلطان ـ وهو احد الفهوم لكنه هو الذي طغي ـ بل فهمت بمعني الرعاية بات المفضل في هذه الحالة هم النساء لأن القيم يكون في خدمة ما هو قيم عليه. فيكون الرجال قيمين علي النساء لأنهن أفضل ومن هذه القوامة الإنفاق. وتعليل هذا الفهم هو بالذات المنزلة الوجودية التي أكثرت الباحثة الكلام عليها دون فهم معناها للجهل بالفرق بين المقوم والعرضي. فإذا قيست المنزلة الوجودية بما تقاس به في الفكر القديم والوسيط (بمنطق القائلين بتاريخية النصوص والباحثة منهم) كان المعيار في تحديد المنزلة الوجودية هو معيار التراتب بين المادة والصورة الذي هو غير الترتيب بينهما. ومعني ذلك أن السابق شرط اللاحق ماديا واللاحق شرط السابق غائيا: فما صنع من شيء يكون وجوديا أسمي منه وجوديا لأنه يكون صورة بالقياس إليه مادة. ولما كان المعتقد السائد عندئذ أن المرأة خلقت بعد الرجل وهي منه حتي لو صدقنا أنها من ضلع فقط فإن معني كون الرجل مادة صنعت منه المرأة يجعله في نسبة المادة إلي الصورة فيكون بالقياس إليها أقل تطور في سلم التصوير الوجودي أعني دونها منزلة وجودية. ذلك أنه لو كان الرجل أرقي وجوديا لكانت المرأة مادة وجوده لا العكس ولكان هو الصورة والغاية وهي المادة والبداية. الرجل هو الشرط المادي لوجود المرأة وهي الشرط الغائي لوجوده لها ما عنده مع ما أضيف إليها لتكون غيره ولا يختلف عنها إلا ما ينقصه بالقياس إليها. لذلك فهو يكون قائما بها وليس قائما عليها فحسب: قيامه عليها سببه قيامه بها لأن المرء لا يحفظ إلا ما يعز وقد يفسد إدراك ذلك في التعامل المرضي. لكنه يبقي لا يتحول في التعامل السوي: فالسلطان الفعلي بيدها حتي وإن بدا السلطان الوهمي بيده بل هو لا يجد في سلطانه معني إلا بما تلاعبه به من قبول هذا السلطان القبول الطوعي. وهذا قانون كلي: فهو يشمل كل الكائنات الحية ويدركه كل ذي بصيرة. وبهذا المعني فإن الرجل مقدم في السلطان علي الرزق أعني السلطان الزماني أي سلطان الأدوات والمرأة مقدمة في السلطان علي الذوق أعني السلطان الروحاني أي سلطان الغايات: والسلطان الروحاني يبدو تابعا للسلطان الزماني لكن التبعية في العمق هي للروحاني علي الزماني دائما. فالذوق هو الحكم في الغاية لذلك كان صاحب السلطان الزماني تابعا دائما لصاحب السلطان الروحاني. وفي الحقيقة فإن التبعيتين موجودتان. لكن تبعية الروحاني للزماني هي تبعية المبدأ الصوري للمبدأ المادي أي إنه يحتاج إليه حاجة طالب المبني للمبني وتبعية الزماني للروحاني هي تبعية المبدأ المادي للمبدأ الصوري أي إنه يصبو إليه صبو طالب المعني للمعني لكأن المرأة هي المدلول والرجل هو الدال ووحدتهما هي عين الدلالة في ما يسمي سلطانا من حيث هو عبارة المنزلة الوجودية التي يسميها ابن خلدون: حب التأله أي الحرية المطلقة. ولما كان الرجل ممثلا للعلة المادية بالنسبة إلي المرأة فإن ما يعني المرأة منه هو ما فيه مما يهم الصورة في فعل التصوير: أن يكون أمرا بحاجة إلي صقل هو عين عمل التصوير. وما يحتاج إلي الصقل هو هذا العصيان المادي والصبو إلي الغلبة خلال التعبير عن الانغلاب: لذلك كان الحب لطيفا بما فيه من بقايا الوحشية التي لو خلا منها لفضل عليه الجنسان العلاقة المثلية دون سواها. وهو ما بدأ يغلب في العمران الذي خلا مما وصفنا. لكن الدليل الموجب علي ما نقول هو ما يحصل فعلا وليس بمجرد الفرض: فالمرأة التي تدعي رفض هذا التشخيص لا ترفضه إلا في العلاقة الزوجية لكنها تطبقه في العلاقة الغرامية: فهي فيها تطلب الذكر الأقوي فتخضع خضوعا ليس له مثيل إلا ما نراه عند الأنثي في جميع الكائنات الحية بعد لعبة الإغراء لاختيار الذكر المناسب. وكذلك يفعل الرجل: فهو يقبل كل التضحيات لكأنه من فوارس الجاهلية العربية في مثل هذه العلاقة دون أي شعور بأن رجولته في الميزان مهما كان هشا وبشا.

فيكون غرض أن يجعل ذلك ممكنا في العلاقة الشرعية بين الزوجين إذ يصبح من بنود عقد الزواج: أن يتصرف الزوجان وكأنهما عشيقان وهو المقصود بأن العلاقة تكاد تكون علاقة عبادة من المرأة للرجل وعلاقة تقديس من الرجل للمرأة دون أن يكون في ذلك حاجة لتطبيق الآية التي سخرت منها أعني آية التدرج في حفظ العلاقة الغرامية بين الرجل والمرأة (بشرط أن يكونا مسلمين أي يطبقان علي أنفسهما ما يطالبان به غيرهما: إذ لا يحق لمن لا تتوفر فيه شروط الإيمان بأصل الحكم أن يطبق ما له ويتنكر لما عليه منه) حفظا قد يؤدي إلي مراحل العقاب الثلاث عند حصول النشاز (من قبل المرأة لأن للنشار من قبل الرجل له حكمه المناظر المحدد لطبيعة المسألة في الحالتين لكن الناس لا ينتبهون إليه لفساد طرقهم في القراءة والفهم) مع عدم التسريح بالمعروف بسبب صمود العلاقة الغرامية بين الزوجين. ذلك أنه لو لم تكن الآية تتعلق بهذا النوع من العلاقة لما كان الحكم بحاجة إلي هذا التدرج ولكان الحل البديل المغني عن جميع الدرجات هو حل التسريح بالمعروف. لكن السلطانين الزماني (الذي يغلب عليه دور الرزق) والروحاني (الذي غلب عليه دور الذوق) أصبحا لا اسميين في العمران الذي باتت فيه المنزلة الوجودية تقدر بالمنزلة الاقتصادية أعني أنهما أصبحا فكرتين مجردتين فاقدتين لكل تعيين رغم أنهما في الحياة غير الشرعية الموازية للحياة الشرعية هما الفاعلان حقا بل هما المهربان من هذه الآلية الجهنمية كما بينا في العلاقات الغرامية غير الشرعية التي صارت بديلا من الزواج الذي بات مجرد شركة اقتصادية لا غير: ولسوء الحظ فالعلاقات الغرامية نفسها قد يكون أفسدها استغلال السلطان الأكاديمي في توزيعه العناوين الجامعية! إن الآلية العمياء لفكر التحديثيين الذين فقدوا كل ذوق جعلت المساواة الرياضية العمياء أو الرقمية التامة مثال المنزلة الوجودية مثالها الأعلي. وكان ينبغي عندئذ أن يعترفوا بأنهم لا يعترفون إلا بنوع واحد من المنازل: منازل الأرقام اللااسمية في سوق السوقة أعني البضاعة التي يحدد منزلتها السوقية عرض المتسوقة وطلبهم.

ہ باحث واكايمي تونسي متخصص في الفلسفة7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية