قراءة واقعية للمشهد السوري

حجم الخط
0

قبل أن يتسرع أحد المتحمسين في إطلاق النار على هذه المقالة، آمل أن يتأمل محتواها بتأن وموضوعية ليتمكن كل ذوي العلاقة بالمشهد السوري من البناء على المعطيات الواقعية لهذا المشهد بعيدا عن التخويف أو التثبيط، وحتى يكون المحتوى أكثر إقناعا لا بد من البناء على الحقائق التالية:أولا: من مصلحة إسرائيل إطالة أمد الصراع في الداخل السوري، ولا يختلف على ذلك اثنان مجنونان.ثانيا: روسيا والصين لا تريدان نهاية للمشهد بصيغة تستبعد النظام الحالي من المعادلة السياسية، لأن مصالحهما تقتضي ذلك، ولو حدث العكس فإن المشهد سيكون دراماتيكيا لنفوذهما ومصالحهما في المنطقة.ثالثا: أمريكا والغرب لا يملكان مسوغات أخلاقية أو سياسية للتدخل لحسم الصراع لأن سوابقهم في هذا الإطار لا تسر ولا تقنع أحدا، وأكثر ما يستطيعان، إذكاء الصراع وضمان استمراريته حتى آخر قطرة دم سورية.رابعا: جامعة الدول العربية ومبعوثيها لا يملكون إزاء هذه المعادلة السياسية أي نفوذ أو تأثير لإخراج السوريين من محنة التصارع.خامسا: النظام السوري يلعب على هذه المعادلة بذكاء ولا يؤرقه غير شيء واحد هو الانتصار على المعارضة والبقاء في السلطة. فالدماء لا تؤرقه والدمار لايعنيه. ضمن هذه المعادلة وهذه الحقائق لا يستطيع عاقل أن يتوقع نهاية قريبة للصراع، فكل الأطراف الإقليمية والدولية لا تستعجل النهاية، والشعب السوري هو الخاسر الوحيد في هذه المعادلة. وعلى الأرض حقائق لا يستطيع المتابع تجاوزها عند مراقبة المشهد والحكم عليه ؛ ومن هذه الحقائق أن الدولة السورية، دولة أعدت نفسها لمواجهة عسكرية مع إسرائيل ولو في إطار دفاعي، مما يعني أن ماتنشهده اليوم من معارك لا يتعدى استخدام منظومة تقليدية جدا من الأسلحة، فمازالت هناك أسلحة وألوية ترقب المشهد وتتابعه لاتخاذ قرارات صعبة في اللحظات الحاسمة لتحويل الصراع أو توسيعه، وهذا يستطيع المختصون التحدث عنه بإسهاب وتفصيل، والنظام السوري يمتلك مقاتلين قادرين على خوض معارك بأسلوب حرب العصابات، ورأينا نموذجا ناجحا منها في حرب 2006 أذهل العالم وحطم غرور اسرائيل، ولا يستطيع أحد أن يتكهن بأن النظام السوري لم يتهيأ بهذه الصيغة منذ نجاح تجربة المقاومة في جنوب لبنان وربما قبلها، كما لا يستطيع أحد التكهن بحجم المدد البشري والتنظيمي والتدريبي الذي يقدمه حزب الله للنظام السوري في هذا الصدد، بل من السذاجة استبعاد هذا الاحتمال في ظل معركة مصيرية يخوضها تحالف سورية إيران وحزب الله، وبدعم روسي منظم ومتواصل، كما أن وجود الحرس الثوري في سورية، ليس لزراعة الزيتون، وإغاثة الملهوفين المذعورين الذين كتب عليهم التشرد في أوطانهم وخارجها، وكانوا ومازالوا وقودا لحرب جميع أطرافها الدولية والإقليمية لا تملك مرجعية أخلاقية في إذكائها أوالانحياز فيها أو مراقبتها حتى المشهد الأخير.كل الأطراف تعمل لأجندة ذاتية ضيقة بما فيها النظام السوري، دون حسابات أخلاقية، فالنار تحاصر سورية الأرض والإنسان والمقدرات من كل الجهات، والذين يراهنون على نهاية قريبة للمشهد المأساوي في سورية واهمون، ولا ينظرون إلى المسألة من كل جوانبها فأبطال المشهد اوالمراقبين والمؤيدين والرافضين من خارج المشهد يريدون استمرار الصراع حتى آخر قطرة دم سورية. لتصبح سورية بعد الحريق دمارا كاملا يسهل تقسيمها وتقاسمها، وتأمين مصالح جميع الأطراف وأولها إسرائيل، وكل هذه التوقعات السوداوية لا تنفي مسؤولية النظام عن المشهد المأساوي لأنه لم يستطع التقاط اللحظة المناسبة لتلبية مطالب الشعب السوري، وتفويت الفرصة عن كل المتربصين، وهو بهذا الصلف وهذا العناد يتحمل كامل المسؤولية عن المستقبل القاتم الذي يجر إليه البلاد والعباد، انطلاقا من حالة كبر قائمة على التخوين والهروب إلى الأمام من مسؤوليات تاريخية خطيرة، ومع كل ذلك آمل أن أكون مخطئا في قراءتي للمشهد، وتتدخل السماء فتنجلي الغمة وينتصر الحق والعدل وتعود سورية مرة أخرى إلى أمتها قوية موحدة منتصرة يسودها السلام والوئام والحرية بعد هذا الليل الطويل.د. أحمد عرفات الضاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية