قرار تسليم سجن ابو غريب يفتح ملف التعذيب الامريكي
د. سعيد الشهابيقرار تسليم سجن ابو غريب يفتح ملف التعذيب الامريكيالقرار الامريكي بالتخلي عن أبوغريب كسجن للمعتقلين العراقيين له مدلولات عديدة، بالاضافة الي ما يثيره من تساؤلات مشروعة حول حقيقة القيم الامريكية في ما يتعلق بقضايا حقوق الانسان والمعاهدات الدولية التي تحرم ممارسة التعذيب. هذا القرار لا يمكن فصله عن سياقاته السياسية والأمنية، ولا عن مشروع الحرب ضد الارهاب الذي تصر الولايات المتحدة علي التشبث به. فهذا السجن كان معروفا لدي المعارضين العراقيين منذ السبعينات، بسمعته المرعبة واكتظاظ زنزاناته بالسجناء، اذ تذكر التقارير ان 4000 من العراقيين اعدموا فيه في 1984 فقط. ولكنه ازداد شهرة بعد إسقاط النظام السابق وهيمنة القوات الامريكية علي كافة مرافق البلاد. وعندما ظهرت الفضائح الاولي قبل عامين (شهر ابريل 2004) متمثلة بصور التعذيب الوحشي واساءة معاملة السجناء العراقيين، حدثت ضجة عالمية ضد ما كانت القوات الامريكية تمارسه بحق المعتقلين العراقيين خصوصا في ذلك السجن. ومنذ ذلك الوقت برز أبوغريب عنوانا للانتهاكات الامريكية لحقوق الانسان، وأصيب العالم بصدمة كبري وهو يري أكبر دولة في العالم تنتهك أهم القوانين التي أنجزتها البشرية في نصف القرن الأخير، وتناقض شعاراتها التي ترفعها بين الحين والآخر حول الديمقراطية وحقوق الانسان. واذا كان التعذيب يمارس في سجون الكثير من الدول المتخلفة بشكل سري لا يشعر به أحد، فان ما يمارس في السجون التي تدار من قبل الامريكيين سواء في العراق ام غوانتنامو ام في الاراضي الامريكية، أمر مكشوف ومعروف، تؤكده افادات الضحايا، وتصريحات المسؤولين. كما تؤكده بشكل لا يقبل النقاش الصور الكثيرة والافلام التي تم تسريبها من داخل المعتقلات والتي لا تقبل الشك. وقد أدين حتي الآن تسعة من الجنود ذوي الرتب العسكرية المتواضعة في القوات الامريكية في العراق، ولكن أحدا من المسؤولين الكبار لم تجر محاسبته حتي الآن، مع ان ممارسات الجنود الصغار انما هي تنفيذ للاوامر المنحدرة من الاعلي.في الاسبوع الماضي بثت القناة الرابعة بالتلفزيون البريطاني برنامجا مهما حول معاناة السجناء المسلمين في معسكر غوانتنامو، اعتمادا علي شهاداث ثلاثة شبان بريطانيين مسلمين تم الافراج عنهم العام الماضي بدون تهمة او محاكمة. احتوي البرنامج علي أدلة دامغة علي ممارسة التعذيب كاجراء يومي ضد السجناء، ومن بينها اهانة القرآن الكريم ومنع المعتقلين من الصلاة في بعض الاحيان. اما اساليب التعذيب فتشمل الضرب المبرح وتعريض المعتقلين للشمس الحارقة ساعات متواصلة، وإزعاجهم بالموسيقي الصاخبة لفترات طويلة، وحرمانهم من النوم، وتسليط الكلاب عليهم، والتحرش الجنسي بهم، وغير ذلك من الاساليب الحاطة بالكرامة الانسانية. كما اشتمل البرنامج علي تصريحات لعدد من المسؤولين الامريكيين الكبار من بينهم الرئيس جورج بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفلد، تبرر المعاملة الوحشية للسجناء او تقلل من شأنها. من هذه التصريحات ما جاء علي لسان بوش لتبرير ممارسة التعذيب: انهم قتلة، لا يؤمنون بالمباديء التي نؤمن بها . فهل يصلح الاختلاف في المباديء مبررا للتعذيب والاهانة وانتهاك حقوق الانسان؟. لقد كان البرنامج شهادة موثقة ضد القيم الامريكية والشعارات التي ترفع بين الحين والآخر والتي طرحت مبررا لغزو العراق بعد ان فشلت القوات الانجلو- أمريكية في العثور علي أسلحة دمار شامل في ذلك البلد. رفع تلك الشعارات صاحبه طرح مشاريع براقة من بينها مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي طرح بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر) ومشروع الشراكة الديمقراطية الذي طرحه كولن باول بعد حرب العراق. وبدا لوهلة ان الولايات المتحدة عازمة فعلا علي الترويج للديمقراطية واحترام حقوق الانسان، ولكن سرعان ما تراجعت عن تلك المشاريع. في الفترة الاخيرة صدر كتاب بعنوان: انها مسألة تعذيب: الاستجوابات التي تقوم بها سي آي ايه من الحرب الباردة الي الحرب ضد الارهاب لمؤلفه ألفريد ماكوي، أستاذ التاريخ بجامعة ويسكونسين الامريكية. يشرح المؤلف في كتابه تطور اساليب التعذيب ومواقف الادارات الامريكية المتعاقبة من هذه المسألة وترددهم في منعه بشكل كامل. وحتي العام 1994 بقيت ادارة الرئيس كلينتون مترددة في تصديق معاهدة منع التعذيب، وقامت بارسال المعاهدة الي الكونغرس مع اربع فقرات تحتوي علي تحفظاتها حول المعاهدة، وقد أقر الكونغرس المعاهدة والتحفظات ايضا، وبذلك تم منع التعذيب الجسدي وبقي التعذيب النفسي ممارسة مقبولة في السجون الامريكية. يقول مؤلف الكتاب في مقابلة له نشرت مؤخرا: في بداية الحرب ضد الارهاب في نهاية 2002، عين دونالد رامسفلد الجنرال جيفري ميللر رئيسا لمعسكر غوانتنامو لان الرؤساء السابقين كانوا متساهلين نوعا ما مع المعتقلين. وقد حول ميللر المعسكر الي ما مختبر للبحث السلوكي، او بمعني آخر، مختبر للبحوث في التعذيب… وتمت اضافة نوعين من التعذيب وهما الاعتداء علي الحساسيات الثقافية في ما يتعلق بحساسية الرجال العرب ازاء قضايا النساء والهوية الجنسية، وتحديد الامور التي ترعب كل شخص لممارستها ضده. وفي 2003 اكتمل مشروع التعذيب حسب ما تريد سي آي ايه، اذ اصبح الاعتداء كاملا علي النفسية الانسانية، في اطار ما سماه المؤلف مشروع الألم لـ سي آي أيه . الهدف الاول للتعذيب هو كسر الارادة الانسانية لدي المعتقل، اذ يصبح بعض الضحايا، تحت التعذيب الشديد، بلا ارادة، ويقدمون للمعذبين ما يريدون من معلومات. فالارادة هي التي توفر للانسان القدرة علي التحكم في ما لديه من معلومات، وبالتعذيب تضعف تلك الارادة. مع ذلك، يسود الآن اعتقاد لدي الأخصائيين النفسيين بان التعذيب قد لا يوفر المعلومات التي يبحث عنها المعذبون. فمن يتعرض لتعذيب طويل سوف يقول كل شيء من اجل ايقاف التعذيب والاعتداء. وبالتالي فمن المحتمل ان تكون المعلومات عامل تضليل للمعذب، لانها تقدم علي اساس انها هي ما يريده المعذب وليس الحقيقة. بالاضافة الي ذلك فالتعذيب قد لا يكون بهدف الحصول علي المعلومات، بل لتلبية نزوات شيطانية في نفس المعذبين. وهذا ما حدث في سجن أبو غريب. فالحراس مارسوا التعذيب والاهانة بهدف اهانة المعتقلين والاستمتاع بذلك، وهذا يمثل نوعا من السلوك السادي (التلذذ بآلام الآخرين) الذي يفقد الانسان به انسانيته، اذ يستمتع بمنظر الألم والعذاب وينتشي بذلك. وتؤكد المعلومات ان ممارسة التعذيب بمعسكر غوانتنامو لم يحقق انجازات امنية تذكر. فبعض المعتقلين ازداد صلابة بسبب ما تعرضوا له من تعذيب. وبعضهم لم يكن لديه معلومات مفيدة أساسا لانهم اعتقلوا علي أرضية هشة من المعلومات الخاطئة. والبعض الآخر ربما قدم معلومات مضللة للمعذبين. مهما كان الامر، فان الامريكيين فشلوا حتي الآن في تقديم تهم حقيقية ومحددة لأكثر من عشرة أشخاص، بينما تجاوز مجموع الذين اعتقلوا في ذلك المعسكر 700، وما يزال 500 منهم يقبعون بين اسوارها في حلل السجن البرتقالية اللون، التي اصبحت مرتبطة بسوء المعاملة واهانة الكرامة الانسانية علي نطاق واسع. وحتي الحلفاء الاوروبيون لم يستطيعوا الصمت علي ما يجري في ذلك المعسكر، فأطلقوا مناشدات كثيرة لاغلاق ذلك السجن وانهاء الفصل المأساوي المرتبط به. وأصدر الفاتيكان الاسبوع الماضي مناشدة لغلق معتقل غوانتنامو. وفي مطلع هذا الشهر اصدرت الامم المتحدة نداء واضحا للكحومات والمدافعين عن حقوق الانسان وجميع اعضائها في العالم لارسال رسائل واضحة الي الحكومة الامريكية بان الوقت قد حان لغلق سجن غوانتنامو. وقال التقرير الذي كتبه خبراء الامم المتحدة ان اساليب التحقيق المسموح بها في ذلك السجن تنتهك معاهدة منع التعذيب، وان القوانين الدولية تنطبق علي ذلك السجن، وان الولايات المتحدة ملزمة بمحاكمة المعتقلين وفق قوانينها او اطلاق سراحهم. اما سياسة اعادة بعض المعتقلين الي بلدانهم لسجنهم او محاكمتهم، فقد تعرضت لانتقادات دولية واسعة لعدم امكان ضمان سلامة هؤلاء في بلدان معروفة بممارسة التعذيب كممارسة روتينية.. ويأتي قرار اغلاق سجن ابوغريب في غضون ثلاثة شهور علي خلفية المطالبة الدولية بغلق سجن غوانتنامو في كوبا. فقد تمرغت سمعة الولايات المتحدة في كافة انحاء العالم، واصبح الامريكيون انفسهم يشعرون بعبء سياسات البيت الابيض ويخشون من انعكاساتها السلبية علي الامن القومي الامريكي، بدلا من تحسين الظروف الامنية المحيطة بهم. فمن جهة اصبح السجن مثارا للغضب الشعبي في كل مكان، بعد انتشار صور التعذيب المهينة، وظهور القوات الامريكية بصورة وحشية في تعاملها مع السجناء، في الوقت الذي يفترض ان تكون تجربة الامريكيين الطويلة في انحاء العالم قد أكسبتهم خبرة كافية لتحديد المذنب من البريء ومحاكمة المذنب في غضون فترات منسجمة مع نصوص الاتفاقات الدولية. وتسليم السجن للحكومة العراقية سيلقي عبئا ثقيلا عليها وسيضعها علي محك التجربة الصعبة بسبب الاعداد الكبيرة للسجناء وخلفياتهم المختلفة وعدم وضوح الارضية التي اعتقلوا عليها. فهناك الآن حوالي 15 الف معتقل في اربعة سجون في العراق، اكثر من نصفهم في سجن بوكا في الجنوب. اما ابوغريب فقد ارتبط اسمه مجددا بسوء المعاملة والتعذيب علي ايدي قوات الاحتلال الامريكية، ومن الافضل للحكومة العراقية التخلص منه جملة وتفصيلا لانه يمثل عبئا اخلاقيا وسياسيا بسبب ارتباطه بالعهد السابق والعهد الامريكي الذي تلاه. وقد اعترف الميجور جنرال انتونيا تاجوبا في نيسان (ابريل) 2004 بان الجنود ارتكبوا فيه اعمالا شنيعة وانتهاكات خطيرة للقانون… وانتهاكات اجرامية سادية وفاضحة . ولم تتحسن سمعة الامريكيين بمحاكمة عدد من الجنود المتهمين مثل ليندي انجلاند التي اشتهرت بصورتها وهي تجر احد المعتقلين بحبل من رقبته، ولم تقلل تلك المحاكمات من الانتقاد الدولي للممارسات الامريكية. صحيح ان سمعة الولايات المتحدة لم تكن يوما نظيفة لدي الرأي العام العالمي، خصوصا بعد القاء القنبلة الذرية علي هيروشيما وناغاساكي في الحرب العالمية الثانية، والحرب في فيتنام، ولكن تلك السمعة السيئة كانت بسبب السياسات الامريكية الجائرة في العالم، وليس علي اساس الانتهاكات الواسعة لمعايير حقوق الانسان وممارسة التعذيب. وبرغم محاولات المسؤولين الكبار القاء اللوم علي صغار الجنود والمسؤولين، فهناك من الادلة ما يكفي لادانة القوانين والنظام الامريكي كله بهذه الممارسات. وسوف يسجل التاريخ لعدد من كبار المسؤولين ابتداء بالرئيس ووزير دفاعه عدم اكتراثهم بالقيم الاساسية للانسان وحقوقه، وحصر سياستهم بتحقيق اهداف عسكرية وامنية واقتصادية بأية وسيلة مهما كانت منحرفة او متناقضة مع القوانين الدولية. فاذا كانت واشنطن مستعدة لشن حرب ضد العراق برغم الاعتراضات الدولية علي ذلك، فانها مستعدة ايضا للقيام بممارسات من النوع الذي انتشر في ابوغريب وغوانتنامو. وبالتالي فان دعوتها للديمقراطية وحقوق الانسان في العالم لم يعد لها صدي، بل أصبحت فارغة تتردد بلا معني اومصداقية. وقد اضطرت سياساتها اقرب الحلفاء لها لاعلان امتعاضهم من استمرار تلك الانتهاكات، ولم يكن الموقف الدولي اكثر استقطابا مما شهده حول قضية تعذيب السجناء في غوانتنامو وابوغريب. واذا كان قرار غلق سجن ابوغريب محاولة للالتفاف علي الموقف الدولي، فان استمرار سجن غوانتنامو وسياسة الترانسفير للسجناء الذين لم يثبت جرمهم، من شأنه استمرار ازمة الثقة ليس في السياسات الامريكية فحسب، بل حتي القيم والمثل التي يطلقها الساسة الامريكيون بين الحين والآخر. ومن شأن هذا الوضع ان ينقلب جوهريا ضد الولايات المتحدة، وان يحدث استقطابا اوضح حتي داخل معسكر الحلفاء الغربيين. فمن غير الممكن للساسة الحلفاء للولايات المتحدة الاستمرار في الدعم المطلق بلا حدود لسياسات اصبحت مثارا للسخط والتقزز ليس علي مستوي العرب والمسلمين فحسب، بل علي الصعيد العالمي في الشرق والغرب والشمال والجنوب. لقد دعا الاتحاد الاوروبي والبرلمان الاوروبي والمنظمات الحقوقية الدولية والامين العام للامم المتحدة والفاتيكان لغلق سجن غوانتنامو، ومع ذلك ما يزال الساسة الامريكيون يصرون علي ذلك، أليس ذلك تعنتا يستدعي عملا دوليا مشتركا لمحاصرة هذه الاعمال غير الانسانية بلا تردد او تأخر؟ 9