بغداد ـ «القدس العربي»: جاء صدور قرار دولي بحصر مسؤولية تصدير النفط العراقي عبر تركيا بالحكومة الاتحادية في بغداد، ليوجه ضربة عنيفة إلى مصالح مسؤولي حكومة إقليم كردستان، التي تصدر نفط شمال العراق وتحتفظ بعائداته لصالح الأحزاب الكردية منذ عشرات السنين، وسط مساعي حكومة الإقليم عدم الالتزام بالقرار الدولي واستمرار تصدير النفط من جانبها.
فقد أعلن العراق وقف صادرات النفط الخام من منطقته الشمالية عبر تركيا بعد أيام من كسب دعوى قانونية في محكمة دولية في قضية تصدير النفط من إقليم كردستان عبر تركيا.
وقالت وزارة النفط العراقية في بيان: «إن قرار الحكم النهائي أصدرته هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس لصالح العراق الخميس الماضي». وأضاف البيان أن «الدعوى رفعها العراق ضد تركيا لمخالفتها أحكام اتفاقية خط الأنابيب العراقية التركية الموقعة عام 1973 والتي تنص على وجوب امتثال الحكومة التركية لتعليمات الجانب العراقي، فيما يتعلق بحركة النفط الخام المصدر إلى جميع مراكز التخزين والتصريف والمحطة النهائية».
وفي أعقاب القرار الدولي، الذي ألحق ضررا كبيرا بمصالح الحزبين الكرديين الحاكمين، تباينت ردود أفعال حكومة الإقليم، ففيما قالت شركات نفط في إقليم كردستان العراق «إن شركة خطوط الأنابيب الكردستانية أغلقت خط الأنابيب العراقي- التركي بناء على طلب الحكومة التركية» إلا ان حكومة الإقليم أعلنت مضيها في تصدير النفط عبر تركيا قريبا، بالتزامن مع توجه وفد حكومة إقليم كردستان إلى بغداد للبحث مع الحكومة العراقية آلية استمرار تصدير النفط.
وقال المتحدث باسم رئاسة الإقليم دلشاد شهاب في مؤتمر صحافي: «لغاية الآن لا نعلم بصدور قرار رسمي بشأن إيقاف تصدير النفط من إقليم كردستان» مؤكدا ان «هناك اتفاقا بين دولة تركيا وحكومة إقليم كردستان بشأن تصدير النفط، مثلما هناك اتفاق بين العراق وتركيا». وأكد شهاب بالقول: «إذا ما حصل توقف مؤقت لتصدير النفط، فنحن مطمئنون باستئناف واستمرار عملية تصدير نفط كردستان».
القرار ملزم للإقليم
المتحدث باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد أكد على أهمية احترام قرار المحكمة بقوله: «علينا احترام قرار المحكمة، أيضاً على إقليم كردستان تفهم هذا الحكم، وأن يكون استئناف التصدير عن طريق شركة تسويق النفط العراقية سومو». وكشف جهاد أن الحكومة العراقية والوزارة تعملان على الإسراع في عملية استئناف تصدير النفط العراقي من إقليم كردستان، مشيراً إلى أن وفد إقليم كردستان زار بغداد، وأجرى مشاورات من أجل التعجيل في عملية التصدير. مبينا «أن تأخير عملية التصدير، سوف يضرّ الاقتصاد الوطني، وبالموازنة الاتحادية».
وبدورها شددت لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعة النيابية، على ان قرار تحكيم المحكمة الدولية بشأن تصدير النفط من كردستان إلى تركيا، قد كشف خروقات «غير دستورية» للإقليم. وتقول عضو لجنة النفط والغاز النيابية، زينب الموسوي إن «إقليم كردستان لن يستطيع تصدير النفط الخام دون الرجوع إلى بغداد؛ وان تركيا أبلغت الحكومة العراقية بالتزامها بقرار محكمة التحكيم الدولية في نادي باريس التي قضت لصالح العراق ضد تركيا بشأن نفط الشمال» مبينة ان «تركيا أكدت التزامها بعدم استقبال نفط كردستان وتعهدت بالالتزام باتفاقية عام 1973 بينها وبين العراق بخصوص التصدير النفطي».
ويؤكد خبراء قانونيون أن قرار محكمة التحكيم في فرنسا ملزم التطبيق لطرفي النزاع اللذين تقدما بشكاوى أمام هذه المحكمة، استنادا إلى نص الدستور الذي يؤكد على أن «النفط هو ثروة الشعب بكل طوائفه ومذاهبه» وأن «الثروات وطنية ولا تخضع لجهة أو فئة أو قومية معينة» أي يكون التصدير عبر بوابة بغداد حصرا.
ويذكر ان حكومة إقليم كردستان، سبق ان رفضت قرار المحكمة الاتحادية في بغداد، الذي أكد عدم مشروعية قانون استثمار النفط والغاز، الصادر عن برلمان الإقليم، والذي يتيح لأربيل تصدير النفط والغاز العراقي، حيث شددت المحكمة الاتحادية ان التصرف بالثروات من اختصاص السلطة الاتحادية في بغداد.
قانون النفط والغاز
ويبدو ان القرار الدولي حرك ملف الخلافات المزمنة حول إدارة النفط بين حكومتي بغداد والإقليم، وأعاد طرح غياب قانون النفط والغاز الذي ينظم صلاحيات كل طرف في عملية إنتاج وتصدير النفط والغاز، والذي دعا له دستور 2005.
وأكد رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، خلال لقائه بلجنة النفط والغاز النيابية، الثلاثاء الماضي «ضرورة الإسراع بإقرار قانون النفط والغاز وبما يضمن للعراقيين التمتع بثرواتهم الوطنية بعدالة ومساواة، وأن تكون ملكاً للشعب والأجيال المقبلة» مشيرا إلى أن «إقرار القانون له أهمية في حسم المسائل العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان».
وضمن تفاهمات تشكيل حكومة محمد السوداني، تم الاتفاق بين حكومتي بغداد وأربيل على تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي، واحالته إلى مجلس النواب لتشريعه قريبا، حيث كشف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، قبل أيام «أن هناك مسودة لقانون النفط والغاز يجري مراجعتها بين بغداد وأربيل لإنضاجها ومن ثم إقرارها» منوها إلى انه «بعد اقرار قانون موازنة 2023 ستتم مناقشة مسودة قانون النفط والغاز».
وكان رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، ادعى انه «منذ عام 2007 كانت حكومة إقليم كردستان على استعداد لإصدار هذا القانون في البرلمان، لكن الحكومات المتعاقبة في بغداد حتى الآن تتراجع عن ذلك» دون ان يشير إلى المخالفات التي ترتكبها حكومة الإقليم مثل الاستئثار بعائدات تصدير النفط وتهريب كميات كبيرة منه لدول الجوار دون العودة لبغداد.
وأعلن المتحدث الرسمي باسم حكومة إقليم كردستان، جوتيار عادل، ان وفدا من حكومة الإقليم سيزور بغداد لمناقشة مشروع قانون النفط والغاز الاتحادي. وقال عادل إن «هذا القانون سيحل العديد من المشاكل في قطاع النفط بالعراق إضافة إلى العلاقات بين أربيل وبغداد ولكي يكون إقليم كردستان شريكا أساسيا في القرارات المتعلقة بصناعة النفط بشكل فعال».
ولم يكن البرلمان بعيدا عن هذا الملف، حيث كشف رئيس لجنة النفط والغاز النيابية هيبت الحلبوسي، عن حراك نيابي وسياسي لإقرار قانون النفط والغاز المعطل منذ 18 عاماً.
وقال الحلبوسي في تصريحات، إن «هناك حراكاً نيابياً وسياسياً لتقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى بين مختلف القوى السياسية العراقية من أجل إقرار قانون النفط والغاز المعطل في البرلمان العراقي منذ عام 2005». وأوضح ان «اقرار القانون يمكن أن يُنهي الخلافات بين حكومة بغداد وإقليم كردستان التي ترتبت على توزيع إيرادات الاستخراجات النفطية».
توقف تصدير النفط
وبالرغم من تفاؤل حكومة إقليم كردستان، بإعادة تصديرها للنفط إلى تركيا سريعا، إلا ان الشركات النفطية الأجنبية انصاعت في الوقت الحاضر، إلى قرار وقف تصدير النفط من الإقليم إلى تركيا، لحين الاتفاق بين بغداد وأربيل وتركيا على الآلية الجديدة للتصدير عبر مفاوضات لن تكون يسيرة بالتأكيد.
وأعلنت شركات الطاقة العالمية العاملة في الإقليم (مثل شركة جلف كيستون بتروليوم التي تشغل حقل شيخان والشركات دي إن أو وجينيل إنرجي وشاماران بتروليوم) انها أوقفت عملها، وانها في حالة انتظار حل سياسي يجري العمل عليه بين كل من بغداد وأربيل وأنقرة، والذي لا يبدو قريبا، وبالتالي توقف تلك الشركات عن ضخ النفط الخام إلى منشآت التخزين في تركيا.
وتبلغ الصادرات النفطية من إقليم كردستان نحو 500 ألف برميل يوميا عبر خط أنابيب تصدير يمتد من حقول النفط في كركوك في شمال العراق إلى ميناء جيهان التركي.
وسبق للعديد من الأحزاب الكردية المعارضة في إقليم كردستان مثل حركة الجيل الجديد والتغيير، ان انتقدت تفرد الحزبين الحاكمين (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني) بشؤون الإقليم وثرواته، كما وجهت اتهامات إلى عائلتي مسعود بارزاني وجلال طالباني، بالاستيلاء على الثروات الطبيعية في الإقليم كالنفط، وتصديره إلى خارج العراق عبر الأنبوب التركي أو من خلال مئات ناقلات النفط التي تهرب يوميا كميات كبيرة من النفط إلى إيران وتركيا، حيث يحتفظ الحزبان الحاكمان بأغلب عائدات بيع النفط. كما قامت حكومة الإقليم بعقد اتفاقيات استثمار النفط مع شركات أجنبية دون العودة إلى الحكومة المركزية في بغداد.
ويرى المراقبون ان أسباب تأخير اصدار قانون النفط والغاز منذ 18 عاما وحتى الآن، هو وجود مصلحة خاصة للعديد من الأحزاب والفصائل في بغداد والإقليم، في بقاء الفوضى وعدم تنظيم إنتاج وتصدير النفط والغاز لكي تتمكن تلك القوى من تهريب كميات كبيرة منها إلى الخارج لبيعها والاحتفاظ لنفسها بالعائدات الضخمة بعيدا عن خزينة الدولة الاتحادية.