ازمة بين عمان ودمشق وارتفاع هواجس الخوف من خلايا بشار النائمة بعد لجوء طيار سوري الى الاردنعمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من بسام البدارين: دخلت العلاقات الأردنية السورية في ‘متاهة’ سياسية وأمنية بمجرد اتخاذ مجلس الوزراء الأردني لقرار سريع بقبول طلب اللجوء السياسي وليس الانساني الذي تقدم به الطيار السوري المنشق حسن مرعي.
وخمس ساعات فقط فصلت أمس بين هبوط الطائرة المقاتلة السورية على نحو مباغت في الاراضي الاردنية، وبين اجتماع خاص وطارىء عقده مجلس الوزراء الذي لا يجتمع يوم الخميس بالعادة لبحث أزمة الطائرة السورية المقاتلة قبل اتخاذ قرار رسمي بمنح اللجوء السياسي للطيار المنشق.
معنى ذلك دبلوماسيا وسياسيا واضح، فعمان تجاهلت مذكرة سورية سريعة تطالب بتسليم الطيار المنشق واعتمدت معايير اتفاقية جنيف في مسألة الطيار بحيث يستحيل تسليمه إطلاقا للحكومة السورية التي طالبت من جانبها بتفعيل اتفاقية ثنائية بين البلدين تسمح بتبادل المطلوبين.
والسرعة كانت واضحة وفائقة في قرار مجلس الوزراء الأردني استجابة لضغوط وصفها أحد الوزراء بأنها عاصفة من السفارات الغربية التي طالبت بالتحفظ على الطيار المنشق وحمايته لما لذلك من أهمية على صعيد تشجيع المزيد من ضباط الجيش السوري على الانشقاق.
والهدف من السرعة الأردنية كان خلق أمر واقع سريع ودفع السوريين للتفاوض خلف الكواليس على الطائرة وطي صفحة الطيار. ومصير الطائرة وفقا للعرف العسكري والبروتوكول الدبلوماسي لم يتحدد بعد، وإن أظهر الجانب الاردني إهتمامه بأن لا تتسبب الحادثة بانهيار القانون المسكوت عنه منذ انطلقت الثورة السورية وهو القانون الذي حكم علاقات متوترة جدا ومفتوحة على كل الاحتمالات بين البلدين. واليوم بعد حادثة الطائرة التي حطت في قاعدة الملك حسين الجوية في مدينة المفرق شمالي الأردن وقرب الحدود مع سورية تغيرت معطيات هذا القانون، وأغلب التقدير ان العلاقة مع سورية أصبحت مفتوحة فورا على احتمالات أخرى أقرب الى الغموض والمتاهة كما يرى محللون خبراء.
وليس سرا في العاصمة الأردنية أن السلطات كانت تستطيع تجاهل نداء وطلب الطيار السوري المنشق خصوصا وأن المنطقة الفاصلة ما بين حدود بلاده والقاعدة الأردنية التي حط بها لا تزيد عن 7 كم حسب الخبراء. وليس سرا بالمقابل أن رسالة سريعة أرسلت الى عمان من الرئيس السوري بشار الأسد وعبر سفيره الجنرال بهجت سليمان تقول ضمنيا: حسنا.. أظهروا حسن نواياكم وأعيدوا الطائرة والطيار فورا.
الرد الأردني كان أيضا مباشرا عبر الإسراع في اتخاذ قرار شرعي من مجلس الوزراء يمنح الطيار المنشق صفة اللاجىء السياسي بمعنى استحالة تسليمه مع ترك ملف الطائرة نفسها الى مستوى التطورات في الساعات القليلة المقبلة.
ومع حادثة الطائرة المقاتلة كان طبيعيا أن يتقافز الى ذهن مؤسسات القرار الأردنية هاجس قديم طالما تحدث عنه بعض المسؤولين في الغرف المغلقة وأمام ‘القدس العربي’ وهو الهاجس المتمثل بما تسميها الدوائر الأمنية الأردنية بـ’خلايا المخابرات السورية النائمة’. هذه التسمية يتردد صداها منذ أشهر في جميع جلسات السياسيين والأمنيين الأردنيين كلما تضاعف التوتر وتزايدت حركة الناس من سورية بإاجاه الاردن، وهو الوضع الذي دفع السلطات الأردنية منذ اسبوعين للتدقيق أكثر وإغلاق المطارات وأحيانا الحدود أمام السوريين، فوسط بؤرة الاشتباك السياسي الإقليمي عموما تؤكد بعض المستويات التنفيذية الأردنية عدم وجود ما يمنع النظام السوري من إرسال موفدين مخربين وعملاء له للعبث في الداخل الأردني بهدف الضغط سياسيا على عمان، أو بهدف موازاة الضغط المقابل وتحديدا من السعودية وقطر والكويت على الأردنيين لدفعهم لسياسات أكثر خصومة مع نظام بشار الأسد، لذلك انطلقت أجراس الإنذار وهي تحذر عدة مرات من خلايا نائمة في الأردن تتبع النظام السوري أو تنتظر توجيهاته في اللحظة المناسبة.
ويبدو أن ارتفاع مستوى الهواجس بعد انشقاق الطيار وهبوط الطائرة يسمح بالكشف عن تفاصيل محددة في هذا الاتجاه، فسبق لأوساط أردنية أن تحدثت عن القبض على سوري دخل البلاد بصفة لاجىء وحاول تسميم خزانات المياه الرئيسية في منطقة شمال الأردن، وعن شبكة دعارة ألقي القبض عليها فعلا موجهة من جهة ما في دمشق، وكذلك عن أدوية وبضائع فاسدة ضبطتها الاستخبارات الأردنية وكانت موجهة للاجئين السوريين بطريقة مضللة.
وهذه المعطيات كانت بحد ذاتها مقلقة للجانب الأردني الذي أدار طوال حالة الاضطراب علاقته مع سورية وفقا لقواعد اشتباك غير حاسمة لا تغضب النظام السوري، ولا تغضب بنفس الوقت خصومه الاشداء سواء في الجزيرة العربية او في العالم الغربي.
وعليه أبقت عمان على اتصالات خاصة مع بشار الأسد ونصحته عدة مرات، وأعلنت رفضها للخيار العسكري ضده، وأوفدت له مبعوثين، ومنعت التنظيمات الجهادية من تهريب السلاح عبر محافظة درعا وأبقت بنفس الوقت على العلاقات الدبلوماسية والحدودية والتجارية ,وسمحت لسفير دمشق فيها برعاية تشكيل جبهة عريضة من مثقفين ونقابين أردنيين يناصرون بشار الأسد.
ووفقا للقواعد المشار اليها سالفا أظهرت عمان قدرا من الحرص على عدم القطع مع نظام بشار، بالمقابل فتحت حدودها لأكثر من 130 الف لاجىء سوري، ولم تسلم أي عسكري منشق حتى وصل عدد المنشقين في الأردن لنحو 600 عسكري، كما حرصت عمان على البقاء لأقرب مسافة ممكنة من المنظومة الخليجية والدولية التي تناصر الشعب السوري ضد النظام، وفوق كل ذلك استضافت مناورات الأسد المتأهب وشاركت في اجتماعات استشارية أمنية واستخباراتية في بعض العواصم العربية وفي تركيا.
لكن ثمة في الواقع السياسي اليوم ما يشير إلى أن المعطيات تغيرت خصوصا بعد حادثة الطائرة والطيار أمس حيث أصبح من الصعب على عمان الاحتفاظ بملامح علاقتها القديمة بسورية وفقا لنفس قواعد اللعبة التي تغيرت الآن فدخل الطرفان في متاهة.