لندن ـ «القدس العربي»: تشهد سوريا غدا انتخابات «غريبة» في بلد يشهد حربا أهلية، وعلى غرار الإنتخابات المصرية الفائز فيها معروف والمنافسون مجهولون ويعترفون أنفسهم بأنه منافسهم الرئيس هو الفائز. وحظي أحد المنافسين وهو حسان النوري (54 عاما) بعدد من المقابلات الصحافية. فقد التقته هالة جابر مراسلة صحيفة «صنداي تايمز» وقالت إنه يعرف أن لديه فرصا قليلة للنجاح في انتخابات يوم غد الثلاثاء.
وعلى احتمال فاز النوري بالإنتخابات فقد وعد بأن يبقي على الأسد وزيرا للقوات المسلحة السورية حتى ينهي الحرب الأهلية. ونقلت عنه قوله «أنزل للإنتخابات ضد الأسد، ولا أوافق بشكل كامل على الطريقة التي يقود فيها البلاد، ولكنني لست ضده في محاربة الإرهاب». وتعلق جابر أن الإنتخابات على الورق تعتبر «رائدة» فهي الأولى منذ 50 عاما والأولى في تاريخ الإنتخابات الرئاسية التي يتنافس فيها أكثر من مرشح.
ففي محاولة تتحرر من تقاليد الماضي ظهرت ملصقات النوري والمرشح الآخر ماهر حجار (43 عاما) من مدينة حلب إلى جنب الملصقات الحاضرة للرئيس الأسد.
لكن صورة الرئيس في تجلياته المتعددة- بالزي العسكري، وبالملابس العادية، وبالبدلة الرسمية، مع اليتامى، وهو يلوح للجماهير التي تتسيد شوارع العاصمة.
وينظر المقاتلون السوريون والمعارضة والدول الغربية إلى الإنتخابات السورية باعتباره«اتنخابات دم» ا. فيما ملأ ناشطو المعارضة وسائل التواصل الإجتماعي خاصة التويتر بسيل من الرسائل والصور وأفلام الفيديو والملصقات التي وضعوها تحت «هاشتاج انتخابات الدم».
وتضيف جابر إن الإجراءات اللوجيستية لعقد الإنتخابات حتى في حالة وافق الطرفين عليها عملية صعبة، مشيرة إلى تشرد أكثر من 6.6 مليون شخص من 23 مليون نسمة هم عدد سكان سوريا.
وهناك أكثر من 160.000 شخص قتلوا أثناء الحرب التي دخلت عامها الرابع. ووصفت الصحيفة مشهد الحملات والتجمعات الإنتخابية المؤيدة للأسد والتي تمت على وقع أصوات الطائرات وأزيز المدافع التي أطلقت المقذوفات ضد مناطق المعارضة.
شعار سوا
ولاحظت نوعا من التحدي في جانب الأسد حيث يريد هو ونظامه تقديم الإنتخابات على أنها الحل للحرب الأهلية في البلاد التي يعتقد أن ميزانها بدأ يتجه لصالحه. وصل الأسد للسلطة في عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد وعلى ورقة حزب البعث العربي الإشتراكي، ولكنه يخوض الإنتخابات تحت شعار « سوا» وتملأ شوارع العاصمة يافطات تحمل شعارات « سوا ضد الإرهاب»، « سوا نبني البلاد»، و» سوا سنكون أقوياء».
وتم عقد التظاهرات الإنتخابية اليومية في الجامعات وغيرها من الأماكن العامة حيث هتف المشاركون بشعارات مؤيدة للأسد، فيما يقوم «المتطوعون» الشباب بتوزيع الملصقات على السيارات والمارة.
وتعتقد جابر أن «الإنتخابات ترسل رسالة عالية لأعدائه في الغرب والعالم العربي هي أنه لا يزال في السلطة ولا يزال يلقى دعما من الشعب».
وفي الوقت نفسه يواصل نظامه عقد اتفاقيات هدنة ووقف إطلاق النار مع قادة الفصائل في مناطق مختلفة من البلاد بعد نجاحه في مدينة حمص التي كانت تعتبر معقل الثورة.
وهناك مفاوضات الآن في المناطق المضطربة حول دمشق بما فيها مخيم اللاجئين للفلسطينيين. وتعتقد الحكومة في دمشق التي تلقى دعما من روسيا وإيران والصين أنها تجاوزت الضغوط الدبلوماسية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعززت قوتها- أسلحةـ مقاتلين وتدريبات من حلفائها.
أريد الفوز
ويقول النوري إن الحكومة السورية تسيطر الآن على 70٪ من الأراضي السورية مع أن تقديرات أخرى تقول إنها تسيطر على ما يقارب النصف.
واعترف «بنزيف دم كثير وارتكاب أخطاء عدة من الحكومة، لكن الأخيرة لا تتحمل مسؤولية كل ما حدث». ويؤكد النوري «أريد الفوز في هذه الإنتخابات، وأعمل بجهد ليل نهار للفوز».
واعترف بدون أي شعور بالخيبة «لو لم أفز فهذا بسبب أن أحد المرشحين يتمتع بشعبية وشعبه يريده». درس النوري في الولايات المتحدة وعلى خلاف حجار النائب في مجلس الشعب والذي عمل وزيرا لمدة قصيرة في آخر أيام حافظ الأسد، يعمل النوري في مجال التجارة والأعمال مع أنه تولى منصب وزير التطوير الإداري.
وتعلق لوفدي موريس مراسلة «واشنطن بوست» «ليس هناك أدنى شك أن الأسد اختار منافسيه بعناية بعد التأكد من ملفيهما، وهي نتيجة متوقعة سلفا أن تؤدي الإنتخابات إلى فوزه بولاية ثالثة».
ومع ذلك تقول الصحيفة إن حديثا مع المرشح في واحد من فنادق الخمسة نجوم الذي اتخذه مركزا لحملته ليظهر إنه ليس متواضعا وراض بالنتيجة المتوقعة. وقال «أنت تتعاملين مع شخصية استنثائية» هكذا وصف خريج جامعة ويسكونسين التي حصل منها على شهادة ماجسير في ادارة الأعمال»ام بي إي».
وكان يتحدث في الوقت الذي كان مساعده يقوم بتجديد بروفايله على وسائل التواصل الإجتماعي «مختلف، مثقف ويعرف الثقافات الأخرى والعقليات المختلفة».
وتشير الصحيفة هنا لموقف المعارضة التي وصفت الإنتخابات بانها تعطي شرعية لحزورة الإنتخابات. و»في عالم السياسة السورية فليس هناك أدنى شك أن الحكومة وافقت على ترشحهما» اي النوري وحجار.
لست مرشح النظام
ويقول النوري إن جاذبيته كمرشح تثبت أن الإنتخابات ليست مدبرة. وتساءل قائلا «لماذا يريدون جلب «وحش» مثلي لهذه الإنتخابات» في إشارة لحكومة الأسد، «ولماذا يريدون جلب شخص يحظى بشعبية كبيرة في سوريا، انحدر من عائلة غنية جدا، عائلة كبيرة، ومعروفة بشكل واسع».
ويقول النوري الذي ينفق على حملته الإنتخابية إن مسؤولين طلبوا منه شرح الأسباب التي جعلته ينزل للإنتخابات «كان طلبا مؤدبا، ثقي به ولم يجبرني أحد»، مضيفا « لم يكن نقاشا، وسئلت «هل انت مستعد للترشح في هذه الإنتخابات؟» قلت «نعم» وقالوا «شكرا جزيلا لك». وعندما سئل إن كانت الحكومة قد عرضت عليه حوافز للمشاركة في الإنتخابات قال خريج كلية للإقتصاد وإدارة الأعمال « لا يستطيع 10 وزراء تحصيل ما أحصل عليه من راتب»، و»بالنسبة لي المنصب ليس حافزا».
وكمعظم الصحافيين لاحظت موريس التناقض بين الدعاية الإنتخابية وصورها وصوت المدفعية التي تدك معاقل المعارضة حول العاصمة. وفي ظل الحرب الأهلية يركز النوري على قضايا لا تثير الجدل مثل الإصلاح الإقتصادي ومحاربة الفساد وهي مجالات تختلف عن الحكومة.
ويدعو إلى اقتصاد السوق الحر وتدخل أقل من الدولة في مجال المال والأعمال، وقال إنه سيعمل على حل مشاكل وإحياء الطبقة المتوسطة والتي تأثرت بالحرب.
وعاش النوري وهو أب لخمسة اولاد في ويسكونسين عشرة أعوام وكان حذرا بالحديث عن نفسه كسوري درس في الولايات المتحدة ولكنه «ليس متأمرك» وانتقد الولايات المتحدة وقال إنها تدعم الطرف الخطأ في الحرب الأهلية.
لا يعتبر والحالة هذه نفسه معارضا بنفس مقاييس المعارضة التي تريد الإطاحة بالرئيس الأسد الذي يعتقد أنه «ذكي» لعدم التفاته لمحاولات الولايات المتحدة عرقلة الإنتخابات. ومع ذلك يختلف النوري مع الحكومة حول الطريقة التي تعاملت فيها مع الأزمة خاصة في بداية الأشهر الستة منها.
ويصف النوري نفسه بأنه ليس مع النظام « أقود حزبا ثالثا، هناك ملايين من السوريين من الغالبية الصامتةـ ولا يهمهم من هو الرئيس، وكل ما يريدونه طعام على الطاولة وسلام وأمن».
ويقترح حوارا ووقف إطلاق النار «والمناطق التي ترفض الدخول في الحوار فسنقرر ما نفعل بها» هذا رده حول توفير مطالب الغالبية الصامتة في ظل اشتعال الحرب الأهلية.
ويرى في ما حققته الحكومة في مدينة حمص الشهر الماضي مثالا عما يمكن تحقيقه من استقرار. ولكنه لم يستطع الجواب على سؤال يتعلق باستخدام نفس أساليب الحصار التي مارستها الحكومة قائلا إنه «سؤال صعب».
ويتركز حله على فتح حوار مع المعارضة لعمل ما تريد ولكن عليها تناسي المطالب حول تنحي الرئيس «لان المنتصر لا يتنحى» عن السلطة.
التصعيد
وتتزامن الإنتخابات السورية مع تصعيد أمريكي في المنطقة، حيث أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن خطة بكلفة 5 مليارات دولار لمحاربة الإرهاب، جاء هذا في خطابه الذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية في «ويست بوينت» وعلق دويل ماكمانوس الصحافي الأمريكي في مقال له بصحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن خطاب أوباما احتوى على كل الأشياء التي لا يريد فعلها، لا يريد الإنسحاب من العالم، ولا يريد خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط وتوريط أمريكا فيها لسنوات. ولكن هناك موضوع استثنائي لأوباما وهو الإرهاب.
فالرئيس مستعد لاستخدام القوة الأمريكية- مباشرة وبطريقة غير مباشرة ضد الإرهابيين الذين يهددون الولايات المتحدة.
ولهذا «السبب طلب الرئيس تصعيدا تدريجيا ومهما للفعل الأمريكي في ساحة من أعقد واخطر الساحات: سوريا»، ولهذا السبب يقول الكاتب إن أوباما أرسل مستشارين عسكريين لأفريقيا في الوقت الذي سحب القوات من العراق وأفغانستان، ولهذا السبب صعد من مشاركة أمريكا في سوريا.
وجاء القرار بعد عامين على رفض الرئيس خطة تقدمت بها هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية ومسؤولين كبار في طاقمه لتدريب المعارضة السورية المعتدلة، ورفض الخطة لأن المعارضة ليست منظمة وقد تنجر الولايات المتحدة إلى حرب وتدخل عسكري.
لكن أوباما اليوم اتخذ الخطوة التي رفض اتخاذها في الماضي وهي «تكثيف» تسليح وإمدادات الولايات المتحدة للمعارضة والتي بدأت العام الماضي.
وربما يريد الرئيس إرسال قوات أمريكية للأردن وغيرها من الدول لتدريب وحدات المعارضة السورية مفترضا موافقة الكونغرس على هذه الخطوة. ويتساءل الكاتب عما تغير؟ ليس فرص المعارضة للإنتصار على الأسد أو القاعدة، فبعد سلسلة من التراجعات اصبحت فصائلها في حالة من الضعف أكثر من أي وقت مضى.
الإرهاب
ما تغير حسب ماكمانوس هو تصاعد خطر الجماعات الجهادية في سوريا والمرتبط بعضها بتنظيم القاعدة، وهذا هو سبب قرار أوباما. ويشير هنا إلى العملية التي قادها انتحاري أمريكي من ولاية فلوريدا وتأكيد وجود 70 مقاتلا أمريكيا في سوريا وهو عدد مقارب للمتطوعين الكنديين بالإضافة لمئات من المقاتلين الأوروبيين.
ونقل عن مسؤول أمريكي قوله «ما يثير انتباهنا هو التهديد الذي يمثله المقاتلون الأجانب»، «وهذا يثير القلق وأننا نتعامل مع قضايا تتعلق بالأمن القومي».
ويرى الكاتب أن المأساة السورية التي ظلت كارثة إنسانية ولجوء ولا تهدد المصالح الأمريكية لا تعني أن أوباما سيقوم بإصدار أوامره لشن حملة جوية على المنظمات الإرهابية- ليس بعد، ولكن هذا الخيار يبدو»خيارا مشروعا قانونيا» حسب المسؤول. ويضيف الكاتب إن الولايات المتحدة في الوقت الحالي تركز على حرف ميزان القوة إن أمكن في الحرب الأهلية، وتحاول تقديم بديل عن القاعدة للجيل الشاب من السوريين الراغبين في القتال وأكثر من هذا تقديم مساعدين على الأرض للوكالات الأمنية الأمريكية. وليس على القائمة مساعدة المعارضة السورية على تحقيق انتصار عسكري»هذا ليس في منالنا» يقول المسؤول.
وكان الرئيس أوباما قد تحدث مع «الراديو الوطني» عن الصعوبات التي ستواجه الولايات المتحدة في تعزيز قوة المعارضة «ما لا نريده هو تقديم وعود لا نستطيع الوفاء بها».
ومن هنا يقول المسؤولون إن ما سيحاول الرئيس تجنبه هو عدم الإنزلاق نحو تدخل عسكري شامل نيابة عن المعارضة، فكلما وعد الأمريكيون الكثير كلما توقع المقاتلون منهم تقديم شحنات أسلحة.
ويقدم الكاتب هنا سؤالا أخلاقيا يتعلق بالتزام الولايات المتحدة، فعندما تقوم الإدارة بتدريب وتسليح «ثوارنا» هل على الولايات المتحدة التزاما بالدفاع عنهم حالة تعرضوا للذبح أم هزموا؟ ويجيب أن دروس التاريخ عن الدعم الأمريكي للمتمردين تشير إلى أن الولايات المتحدة كانت هناك من قبل، فسقوط سايغون عام 1975 كان هزيمة منكرة للجيش الأمريكي لكنها نسيت بعد عقود.
وفي أنغولا خسر يوناس سافيمبي المحبذ لرونالد ريغان ولا أحد يتذكره الآن. فالحرب الأهلية ستستمر لسنوات في سوريا حتى مع الدعم الأمريكي، وقد تنقسم البلاد بدون هذا الدعم.
ويختم بالقول كان على أوباما الإستماع لنصيحة كلينتون وديفيد بترايوس، مدير سي أي إيه قبل زيادة عدد الجهاديين ولكن أن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تعمل شيئا.
إبراهيم درويش