قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات علي السودان

حجم الخط
0

قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات علي السودان

د. يوسف نور عوضقرار مجلس الأمن بفرض عقوبات علي السوداناخيرا نجحت الولايات المتحدة في تمرير قرارها بفرض عقوبات علي اربعة من السودانيين تتهمهم واشنطن بارتكاب جرائم في إقليم دارفور، والمسألة من وجهة نظري لا تتعلق باربعة اشخاص او مئة، بل هي تتعلق بالنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة في السودان وفي المؤسسة الدولية بصفة عامة، وهو نهج لا تريد واشنطن تغييره علي الرغم من ثبوت أنه لا يحقق اهدافها التي تتعارض في معظم الاوقات مع المصالح الوطنية للشعوب.وإذا نظرنا إلي قصة القرار الاخير سنجد أن الولايات المتحدة ظلت تلح علي ضرورة أخذ مشروع قرارها إلي مجلس الامن من اجل تنفيذ العقوبات علي السودان وكان في الظاهر مندوبا الصين وروسيا يعارضان فرض العقوبات، وهي معارضة كان الجميع يعلمون أنها شكلية لعلمهم أن الدولتين سترضخان لرغبة الولايات المتحدة أو سيجدان صيغة لتمرير القرار تكون مقبولة لهما. وفي هذه المرة كان الإتفاق علي تمرير قرار آخر تقدمت به تنزانيا من اجل دعم مباحثات أبوجا وهو قرار غير ملزم وعدم إلزامه يعطي الولايات المتحدة الحق في عدم تنفيذه ما يعني ان الولايات المتحدة غير مهتمة اساسا بحل مشاكل السودان وهي تطبق استراتيجية خاصة بها سنتعرض لها بعد حين.ولا يقتصر القرار فقط علي تنفيذ عقوبات علي عدد محدود من السودانيين بل هو مقدمة لأهداف اكبر من بينها إخضاع عدد آخر من المسؤولين السودانيين للعقوبات وسوق مجلس الامن لاتخاذ قرار آخر يتعلق بآلية إرسال قوات دولية إلي السودان وهو ما ترفضه حكومة الخرطوم.ولا شك ان التصريحات الأخيرة التي ادلي بها الشيخ اسامة بن لادن بشأن الوضع في دارفور تثير قلق المسؤولين في البلدان الغربية علي الرغم من تظاهرهم بعدم الإهتمام بها، ولكن المؤكد هو أن هناك الكثيرين في السودان وخارجه الذين هم علي استعداد لمواجهة الغربيين في إقليم دارفور خاصة أن الحكومة السودانية نفسها تتخذ موقفا معارضا من دخول القوات الأجنبية ويخطئ من يعتقد أن المعارضة ستكون من قبيل الخطابة لان الحقيقة هي أن القوات الأجنبية ستجد مقاومة عسكرية شديدة بكون معظم السودانيين لا يثقون في صداقة الولايات المتحدة ولا يعتقدون انها قادمة إلي بلادهم من أجل حل المشكلات. والسؤال الذي يتبادر إلي الذهن هو لماذا تهتم الولايات المتحدة في هذه المرحلة بالسودان وقضية دارفور علي نحو الخصوص؟الإجابة يفسرها موقف واشنطن من قضية جنوب السودان، فقد استخدمت هذه الدولة اسلوب الجزرة والعصا مع الحكومة السودانية للتوصل إلي اتفاق هو في حقيقة أمره وصفة أكيدة لإنفصال السودان، ولكن الحكومة السودانية تجاهلت أغراض الولايات المتحدة ظنا منها أن التوصل إلي اتفاق بدفع من الولايات المتحدة سوف يقرب البلدين إلي بعضهما بعضا ويذهب بروح العداوة لتبدأ مرحلة اخري من التعاون، ولكن خاب رجاء الحكومة السودانية التي تكاثرت عليها وعود المانحين الدوليين من أجل إعادة إعمار الجنوب وهي وعود تبخرت لتجد الحكومة السودانية نفسها امام مشكلة جديدة أكثر ضغطا وإلحاحا مما كانت عليه مشكلة جنوب السودان وهي مشكلة دارفور التي تقف منها حكومة الولايات المتحدة موقف المعارض لسياسة الحكومة السودانية والتي تتكشف من خلالها النوايا الحقيقية للسياسة الامريكية وهي نوايا لا تختلف عن الاستراتيجية الامريكية الشاملة في منطقة الشرق الأوسط.وإذا اردنا ان نعرف هذه الاستراتيجية التي يقف خلفها اليمين المتطرف تبينت لنا معالمها بالمقارنة لسياسات الولايات المتحدة في افغانستان وإيران وسورية وغيرها من البلاد الإسلامية، وهي في مجملها تخدم غرضا واحدا هو مصالح اسرائيل التي تأتي في نظر اليمين المتطرف الحاكم في الولايات المتحدة قبل مصالح واشنطن ذاتها، بل ذهب الأمر إلي حد أن اسرائيل اصبحت من الدول التي تملك حق الفيتو في مجلس الامن علي الرغم من انها ليست من الأعضاء الدائمين، وسبب ذلك هو الخضوع الكامل من جانب الولايات المتحدة لإرادة اسرئيل، وبالطبع فإن اختلاف البلدان في منطقة الشرق لا يؤثر علي وحدة منطلقات السياسة الامريكية ذلك أنه حين تعترض واشنطن علي امتلاك إيران او اي من الدول العربية سلاحا نوويا فإن الهدف بكل تأكيد تأمين الحماية لاسرائيل، وحين توجد لسورية مأزقا مثل قضية مقتل رفيق الحريري فإن الهدف أيضا تأزيم السياسة السورية من أجل مصالح اسرائيل وحين تتآمر علي ضرب السياحة المصرية فإن ذلك لمصلحة اسرائيل، ولكن المشروع الأمريكي في السودان يعتبر من أكبر مشروعات السياسة الامريكية لصالح هذه الدولة، لان السودان واحد من أكبر الاقطار العربية واغناها وفيه كثير من المتناقضات الإثنية والدينية والهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو إذكاء هذه النعرات من أجل الوصول إلي مرحلة التقسيم، ذلك ان القضية الاساسية التي تدور حولها الخلافات في السودان هي مسألة تقسيم الثروة والسلطة، ولكن أهل السودان يدركون أن ثروة السودان ليست متجمعة في يد حكومة الخرطوم كما أن السلطة منذ عهد الإنكليز في يد السلطات اللامركزية، ولكن إثارة الموضوع بالصورة التي يسير بها في الوقت الحاضر لا هدف له سوي تمهيد الأرض من اجل تقسيم بلد عوامل التقسيم فيه أقوي من عوامل التجمع، ليس فقط بسبب الإختلافات العرقية والدينية بل أيضا بسبب حالة الفقر التي يعيش فيها الناس، ذلك أن أهل السودان في مختلف الأقاليم يجدون أنفسهم مندفعين تجاه أي فكرة انفصالية إذا رفعت لهم شعارات السلطة والثروة لأنهم حينئذ يفكرون انهم بإزاء وضع جديد سيخرجهم من دائرة الفقر، وهذا ما لم يتنبه له النظام الحاكم في السودان الذي جاء بشعار الشريعة الإسلامية كموحد لشعب السودان، ولكن اتضح أن هذا الشعار وحده لا يكفي لان اهل السودان ليسوا كلهم مسلمين كما أن الشعار وحده لن يحل المشكلات الإقتصادية التي يحسها الناس في حياتهم ولا تنفع فيها الشعارات الكبري خاصة إذا تولدت اقتناعات عند الناس أن النخبة الحاكمة هي التي تتمتع بالمزايا الإقتصادية وترفع شعارات لا تؤمن بها بل إن هذه الشعارات يستهدف بها فقط لجم المعارضة علي اعتبار أن التعرض لشعارات السلطة هو في النهاية التعرض للمبادئ الدينية المتفق عليها.ولا شك أن الولايات المتحدة تدرك هذه الحقيقة تماما وبالتالي هي لا تسعي لتقديم اي مساعدة تخرج الحكومة السودانية من ورطاتها فهي ترفض تقديم المساعدات المالية وترفض المساعدة في حل المشكلات عن طريق التفاوض ولو كان هذا ديدنها في قضية جنوب السودان فلأنها كانت تعتقد أن الحل المتفاوض عليه يحقق للجنوب ما لا يستطيع أن يحققه الجنوب عن طريق الحرب، والهدف في النهاية التوصل إلي انفصال الجنوب وخلق مشكلة في مياه النيل هدفها النهائي هو مصر بكون اضعاف مصر اقتصاديا يجعلها تحت رحمة اسرائيل والولايات المتحدة ويصب ذلك في خانة المصالح الصهيونية واليمين المتطرف في الولايات المتحدة، وللاسف فإن جامعة الدول العربية لا تتحرك في أي اتجاه بل هي مستسلمة غاية الاستسلام لان معظم أنظمة الحكم العربية أنظمة غير شرعية وهي فرطت في المصالح العربية المباشرة وبالتالي لا يتوقع منها أحد أن تتخذ مواقف ايجابية في قضايا غامضة مثل قضايا السودان، وهنا تقع المسؤولية الاساسية علي حكومة السودان التي يجب ان تتوقف لتدرك أن الوضع في هذا البلد لا يحتمل غير تعددية سياسية وبالتالي فإن الاستمرار من أجل الدفاع عن نظام فقد أغراضه واثبت فشله لن يؤدي في نهاية الأمر إلي شيء سوي تفكيك وحدة السودان، ولكن كل الدلائل تؤكد أن الذين استهوتهم السلطة ومكاسبها في الخرطوم ليسوا علي استعداد لأن يدركوا هذه الحقيقة الاولية وعليهم في ظل هذا الوضع أن يتأهبوا إلي مزيد من المؤامرات التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية والانتصار في نهاية الامر للاقوي ولكن بعد تدمير الحرث والنسل.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية