قرغيزستان تستنجد بموسكو لحمايتها من بكين

دخلت قرغيزستان في منعطف خطير، بعد الفوضى السياسية، عقب الانتخابات البرلمانية في 4 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتم على إثرها إلغاء نتائج تلك الانتخابات، واستقال رئيس الجمهورية، سورونباي جينبيكوف، و تسلم صادر جباروف القومي الشعبوي، منصب رئيس الوزراء، والقائم بأعمال رئاسة الدولة.

أزمة اقتصادية

تواجه قرغيزستان أزمة اقتصادية جديدة بعد الأزمة السياسية الأخيرة، حيث رفضت الصين منح بيشكيك أي تأجيل في سداد ديونها الضخمة متجاهلة الوضع السياسي والاقتصادي الذي تمر به البلاد، وعلى وجه الخصوص بعد أزمة وباء فيروس كورونا الذي أوقف عجلة الاقتصاد العالمي.
أصبحت الصين أكبر دائن لقرغيزستان، وفقا لوزارة المالية في الجمهورية السوفييتية السابقة، حيث تبلغ نسبة ديونها ما يقارب 45 في المئة من الديون الخارجية، كما يقدر الاقتصاديون بلوغ الدين الخارجي للبلاد نهاية العام الجاري 5 مليارات دولار، منها 1.8 مليار دولار لبنك التصدير والاستيراد الصيني.
في ظل الوضع المتوتر اقتصاديا بين بيشكيك وبكين، تستعد وزارة المالية لفتح حساب خاص في بنك حكومي، بالتزامن مع إطلاق مبادرات عدة، قامت بها منظمات قرغيزية لتحفيز المواطنين من أجل المساهمة والمساعدة في سداد الدين الخارجي للبلاد، لاسيما أن الديون الصينية سوف تكون قابلة لاستحقاق بداية العام المقبل، وهو ما أثار استياء عام لدى القرغيز بسبب الوضع المعيشي المتردي، ناهيك عن انخفاض التحويلات المالية للعمالة الوافدة في الخارج، وعلى وجه الخصوص في روسيا، التي تمثل حوالي ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
يرى مراقبون، أن الصين عازمة على استرداد أموالها القابلة للاستحقاق، بالرغم من الوضع الاقتصادي المتراجع، وترفض التأخير أو التساهل في شطب جزء من الديون، مما يصعب مهمة الحكومة الجديدة في حل هذا المأزق، ويعود إصرار بكين في استرجاع أموالها، إلى غضب القيادة الصينية من عدم تنفيذ مشاريعها، بالإضافة إلى عدم حماية الحكومة القرغيزية للاستثمارات الصينية بسبب معارضة السكان لنشاطهم هناك.

سياسات وتحالفات

الجدير بالذكر، إتباع القيادة الصينية على مدى السنوات الماضية طرقا مختلفة «عن باقي اللاعبين الدوليين» في التعامل مع دول آسيا الوسطى، تارة بتقديم المساعدات الضخمة، وتارة في عقد الاتفاقيات الاقتصادية التي تصب في تنشيط التجارة الداخلية للبلدان، وزيادة رؤوس الأموال للاستثمار، من دون التطرق إلى سياستهم الداخلية أو الخارجية، كما لم تفرض عليهم أي ضغوط بشأن التحالفات الدولية، وهو ما دفع حكام آسيا الوسطى إلى تفضيل التعامل مع الصين، على الحليف الروسي أو اللاعب الأمريكي الغريب، اللذين يضغطان باستمرار لاتخاذ سياسات وتحالفات معينة تصب في مصالحهما، متجاهلين في الوقت ذاته مصالح هذه البلدان.
ويبدو أن سياسة النفس الطويل التي تتبعها بكين لإغراق الدول بالديون، كانت ناجحة إلى حد ما، فالدول التي لم تستطع دفع ديونها، كانت الصين تسترد ديونها عبر أخذ الأراضي او السيطرة على الثروات الطبيعية للبلاد كما جرى في طاجيكستان.
في السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء القرغيزي الجديد، صادر جباروف، خلال لقائه السفير الروسي في بيشكيك، على «أن بلاده تولي أهمية كبيرة لتعزيز وبناء الشراكة الاستراتيجية وعلاقات التحالف مع موسكو، كما في السابق».
وأشار في الوقت ذاته، «إن الوضع السياسي الداخلي في قرغيزستان قد استقر، وعادت أنشطة جميع فروع الحكومة وأجهزة الدولة» وأضاف جاباروف: «إن اللغة الروسية ستبقى هي اللغة الرسمية في البلاد ولا أحد ينوي تغيير وضعها».
تدرك الحكومة الجديدة في قرغيزستان أهمية عدم الابتعاد عن موسكو، وتحاول إعادة الثقة مع حليفها التقليدي، والحصول على قروض ميسرة لإعادة جزء من الديون المستحقة والخروج من المصيدة الصينية، كما تسعى قرغيزستان إلى استمرار تدفق المساعدات الروسية التي علقت بسبب التحولات السياسية الأخيرة.
المؤكد أن روسيا لن تفوت فرصة كهذه، برغبة نابعة من الحكومة القرغيزية الجديدة تكشف فيها، حاجتها لمظلة حليفها التقليدي، وتجديد الولاء لموسكو الروسية، ولن تتردد روسيا في تقديم الدعم اللازم لإعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، وقطع الطريق على أي محاولة لخلق بؤرة توتر جديدة في جوارها القريب.
منذ حصول دول آسيا الوسطى على استقلالها مع انهيار الاتحاد السوفييتي قبل قرابة ثلاثين عاما، سعت موسكو بكل قوة إلى الحفاظ على نفوذها في هذه المنطقة، باعتبارها جزءا من هويتها، ولحماية حدودها الخلفية، واستمر الكرملين بدعم دول المنطقة في العديد من المشاريع المتعلقة في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية، ناهيك عن القروض الميسرة والتي غالبا ما تشطب جزءا منها، بغية ربط هذه الدول بموسكو، والسيطرة عليها اقتصاديا إلى جانب السيطرة السياسية.

باحث في الشؤون الدولية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية