القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني: في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1869، كان الخديوي اسماعيل يعد لاستقبال ملوك أوروبا ورؤسائها الذين وجهت اليهم الدعوة لحضور افتتاح دار الأوبرا الخديوية وكان بين هؤلاء بالطبع الامبراطورة أوجيني زوجة الامبراطور نابليون الثالث، وكذلك ولي عهد روسيا، والامبراطور فرانسوا جوزيف عاهل النمسا، كان ذلك في شهر تشرين الثاني/نوفمبر قبل ما يناهز قرنا ونصف القرن، عندما كان تطلع الخديوي اسماعيل كبيرا نحو الانتقال بمصر من وضعيتها المنكمشة تحت ظلال ثقيلة للامبراطورية العثمانية علي مكان تتوسط فيه عقد العالم، ليس بموقعها الجغرافي فحسب، ولكن بطموحها نحو المستقبل، لذلك كان هذا الولع وراء تفكير الخديوي في تشييد دار الأوبرا الخديوية عام 1869، حيث كلف المهندسان الايطاليان أفوسكاني و روسي بوضع تصميم للأوبرا، وانشائها في مكان يتوسط اثنين من أهم أحياء القاهرة في ذلك الحين هما في الأزبكية وفي الاسماعيلية.
وقد روعي في بنائها أحدث النظريات الصوتية والبصرية آنذاك، وبنيت بايد مصرية في ستة أشهر وارتبط ذلك بافتتاح قناة السويس، حيث أنشأت بأسرع ما يمكن لتلحق باحتفالات الأول من تشرين الثاني (نوفمبر). وقد بنيت الأوبرا من خشب الأرز المستورد من لبنان، كما استخدم الكرتون والجبس المفرغ في صنع الزخارف التي كان أغلبها يمثل نقوشا وتماثيل للملائكة، وقد أحيطت بالروعة والفن في كل أرجائها مما يأخذ باللب، وقد شارك عدد كبير من المصورين والمثالين لتزيين الدار وتجميلها برسومات وصور لكبار الفنانين من الموسيقيين والشعراء ليشع الفن في أرجــائها حتي أصبحت في أجمل صورة.
وكان الخديوي اسماعيل يأمل أن تقدم أوبرا عايدة في حفل الافتتاح والتي كلف فيردي بتأليفها حيث نال علي عمله مائة وخمسون ألف فرنك من الذهب دفعها لتصبح هذه الأوبرا العظيمة ملكا للدار المصرية، وقد كتب قصتها عالم الآثار الفرنسي الشهير مارييت، الا أن الظروف شاءت أن تتأخر عامين حيث لم يكن قد تم الحصول علي بعض الديكورات والملابس التي صنعت بمدينة باريس نظرا للحصار الذي ضربته القوات الروسية علي العاصمة الفرنسية مما اضطر الخديوي الي تقديم أوبرا ريجوليتو في حفل الافتتاح بدلا من أوبرا عايدة التي قدمت في 24 كانون الاول (ديسمبر) عام 1871 ومن الجدير بالذكر أن أوبرا ريجوليتو أيضا من وضع الموسيقار فيردي.
وقد كان المسرح يتسع لـ850 شخصا، وخصص قاعة للتدخين لأول مرة في مصر.
وقد أقيم خلف المسرح بناء من ثلاثة طوابق: الأول يوجد به مقاصير لتغيير الملابس والطابق الثاني المواجه للمسرح لتخزين المناظر في مخزن فسيح بشكل يتيح خروج الديكور ودخوله وتصنيفه، أما الطابق الثالث فقد قسم الي حجرات وأبهاء أعدت لحفظ الملابس والأثاث وفي هذا الطابق وحده ثروة فنية تضاهي ما يوجد بالمتاحف المصرية، فقد كان يضم الملابس التاريخية التي صنعها أمهر الصناع، حيث وشيت بالزخارف ونفذت من خلال دراسة الوثائق والتاريخ وكذلك الحلي المتقنة العالية التقنية، وأيضا الأثاث الدقيق الصنع الذي يتماشي مع تطور الفنون والعصور المختلفة، وأخيرا الدروع والخوذات والسيوف التي نفذت بأيدي أمهر الفنانين.
وقد اشتملت الدار علي ورشة للنجارة لصنع الجديد واصلاح ما يتطلب اصلاحه وورشة للحياكة لاعداد ملابس الروايات الجديدة.
وقد انتعشت الفنون بمصر وشاع الاهتمام بالفنون وخاصة الموسيقي والأوبرا، فأنشئت المعاهد، مثل معهد الموسيقي العربية، وأقيمت المسارح مثل مسرح الكورسال وكان من أعلام الفن الذين أثروا مواسم الأوبرا بروائع المسرح الدرامي العملاقة جورج أبيض وسلامة حجازي ومنيرة المهدية، وقد نقلوا الأوبرات العالمية للغة العربية، بل وضعوا لها الألحان المصرية أيضا.
وقد توالت الأحداث والعروض الناجحة علي الدار عاما بعد عام، في البداية للرواد الأوروبيين ثم للفنانين المصريين، حتي احتلت الأوبرا ركنا مهما بارزا في العالم كله، وظهرت الكثير من المواهب في شتي المجالات من عزف وغناء وتأليف موسيقي، فظهرت روائع الأوركسترا السيمفوني، وفرقة أوبرا القاهرة، وفرقة باليه أوبرا القاهرة، وكان تأثير الأوبرا علي الفن المصري تأثيرا شاملا في جميع نواحيه فظهرت الفنون المسرحية كالمسرح القومي والكوميدي والحكيم وكان الفنان سلامة حجازي أول من فكر في نقل قصص الأوبرا الايطالية للغة العربية كما ظهرت فرقة الفنون الشعبية لتسجل انعكاسات الشعب المصري من تقاليد وعادات وكانت أولها فرقة رضا ثم تلتها الفرقة القومية ووصل التطور الي أرقي درجاته حين تكونت فرقة الباليه والأوبرا والكورال والفرقة الموسيقية مثل أوركسترا القاهرة السيمفوني وفرقة الموسيقي العربية، قد استلزم هذا التطور الفني الكبير في مصر انشاء معاهد متخصصة للفنون كمعهد الباليه ومعهد السينما والكونسرفتوار. وقد شهدت دار الأوبرا عصور التطور في الابداع وارتقائه مما جعل من عروضـــها سجلا بارز المعالم في تاريخ فن الأوبرا والتـراث الموسيقي والمسرحي.
وفي قمة هذا النجاح وبالتحديد يوم 28 تشرين الاول (أكتوبر) عام 1971 احترقت دار الأوبرا وسط ذهول وحزن المصريين، وكان الحريق ناتج عن ماس كهربي مما أدي لاشتعال الدار بشكل سريع ولم تستطع مراكز الاطفاء انقاذها من براثن الحريق.
كان أول مدير لدار الأوبرا الملكية هو اليوناني دارنيت بك وتولاها في 18 آذار/مارس 1861 خلال حكم الخديوي اسماعيل ثم تلاه بسشكوالي كلمنته من 1886 حتي 1910، ثم جنارو فورنايو من 1911 حتي 1931، ثم فورتانوتو كانتوني من 1933 حتي 1938، ثم الفنان سليمان نجيب من عام 1938 حتي عام 1953، ثم الشاعر عبدالرحمن صدقي من 1954 حتي 1956، ثم محمود النحاس من عام 1956 حتي 1962، ثم الفنان التشكيلي صلاح طاهر من عام 1962 حتي 1966، وأخيرا صالح عبدون من عام 1966 حتي 1971، أي حتي تاريخ احتراقها.
غير أنه بعد احتراق الأوبرا تطلعت مصر لانشاء أوبرا جديدة وكان لها ذلك بعد المنحة اليابانية التي قدمتها الحكومة اليابانية لانشاء الأوبرا الجديدة بمنطقة أرض الجزيرة بين فرعي النيل وسط القاهرة، وقد قامت علي التنفيذ شركة جايكا اليابانية وبدأت أعمالها بالفعل في آب/أغسطس عام 1983 بالالتقاء مع مسؤولي وزارة الثقافة وتم تكوين مجموعة عمل مصرية قامت باجراء بعض التعديلات علي التصميم وشكل المبني لتتناغم مع الأبنية الثقافية الموجودة بحرم الأوبرا ولتوسع رقعة القاعة الكبري التي يبلغ عدد مقاعدها 1300 مقعد والقاعة الصغري 500 مقعد والمسرح المكشوف 800 مقعد وقاعة المعارض الخاصة بالفنون التشكيلية والمتحف وملاحق الخدمة كغرف التدريبات وغرف الفنانين والمطعم والكافيتريا وقد خصص ما يقرب من ستة بلايين ونصف ين ياباني لهذا الحدث، ويجاور مبني الأوبرا متحف الفن الحديث ومبني القبة السماوية ومبني قصر الفنون والمجلس الأعلي للثقافة ومركز الهناجر للفنون وقطاع شـــؤون الانتاج الثقافي ومركز الابداع.
وقد استغرق بناء المركز الثقافي القومي دار الأوبرا المصرية ثلاثة أعوام وكلفت شركة كاجيما اليابانية بأعمال التشييد وانتهي العمل في 31 آذار/مارس عام 1988 وتم افتتاحها رسميا في العاشر من تشرين الاول/أكتوبر من العام نفسه.
وقد شهدت مسارح دار الأوبرا الجديدة العديد من العروض الواسعة في مختلف الفنون، فمنذ أن قدم علي مسرحها الكبير في حفل الافتتاح عرض الكابوكي الياباني تقدمت الدار بخطوات ثابتة علي مدي ستة عشر عاما لتكون لها فرقتها الخاصة حيث أصبح لها أوركسترا القاهرة السيمفوني وأوركسترا أوبرا القاهرة، وفرقة الموسيقي العربية والفرقة القومية العربية للموسيقي وفرقة باليه أوبرا القاهرة، وفرقة كورال أوبرا القاهرة وفرقة الرقص المسرحي الحديث المصري وفرقة كورال الأطفال وفرقة الموسيقي العربية للتراث.
وقد شمل النشاط استضافة الفرقة العالمية مثل باليه بيمار لوزان، الكوميدية الفرنسية مونشانز السويسري، باليه مت الأمريكي، باليه شتو تغارت الألماني، باليه البولشوي الروسي، والباليه الفرنسي، والشوبوت الأمريكي.
وفي مجال الأوبرات تمت استضافة أوبرا بكين وشنغهاي وتعاون فرقة أوبرا القاهرة مع مسرح مترو بوليتان بنيويورك في أوبرا كارمن وتوراندوث وسانتين بفرنسا لانتاج أوبرا عايدة وتاييس، وفي مجال الموسيقي الأوركسترالية قدمت الأوبرا أوركسترا بودابست السيمفوني المجر، أوركسترا فيينا، أوركسترا ماركو بولس اليونان، ومجموعة باريس الأوركسترالية بفرنسا، وقد أضيف لتبعية دار الأوبرا كل من مسرح الجمهورية ومعهد الموسيقي العربية الذي يحتوي علي متحفين أحدهما لمقتنيات محمد عبدالوهاب، والآخر للآلات الموسيقية النادرة، بالاضافة للمسرح الروماني والتحفة المعمارية الرائعة وهي مسرح سيد درويش دار أوبرا الاسكندرية كما افتتحت المكتبة الموسيقية التي تحتوي علي قاعة سمعية بصرية والعديد من الأوعية المعلوماتية لما قدم علي المسارح المختلفة.
كما افتتحت العديد من قاعات العرض الخاصة بالفن التشكيلي مثل قاعة المكتبة الموسيقية وقاعة المترو التي تعد الأولي من نوعها في الشرق الأوسط وقاعة مسرح الجمهورية وكذلك القاعة المفتوحة.
يتبقي الاشارة الي ذلك الوضع النخبوي الذي يحيط دار الأوبرا المصرية بنشاطها الواسع، والذي سيكون الأعمق تأثيرا اذا ما انتبهت الادارة الي ضرورة تحقيق امتدادات عميقة لأنشطتها في أقاليم مصر، ولا يجب أن يقتصر الأمر علي بعض الحفلات الموسمية المرتبطة بالاحتفالات الوطنية، فواقع الأقاليم في أمس الحاجة الي من يأخذ بيده، وطالما ناقش المحبون للفنون والموهوبون من أبناء الريف والمحافظات النائية الي من ينتبه الي مثل احتياجهم الانساني.