من أغصانها الخضراء ناجي العلي وأبو عرب
الناصرة-“القدس العربي”:كما هو الحال بالنسبة لمدن وبلدات فلسطينية كثيرة، فإن أيار/مايو هو أقسى الشهور بالنسبة لقرية السجرة بين الناصرة وطبرية. وفي منتصف هذا الشهر يعود بعض أبنائها المهجّرين الباقين في وطنهم لزيارتها والتعلل بذكرياتها تحت شجرة بلوط عملاقة بجوار عينها التاريخية. الشيخ أبو ناصر السجراوي المهجّر في بلدة كفركنا المجاورة اصطحب معه كما في كل عام بمثل هذا الوقت المشحون والموجع بعض أبنائه وأحفاده في زيارة مسقط رأسه ليسرد عليهم ذكرياتها في محاولة واعية لتوريثهم الرواية الفلسطينية. أبو ناصر الذي خرج طفلا من قريته يوضح لـ “القدس العربي” أن أفضل طريقة لنقل الرواية التاريخية للأجيال القادمة هي مرافقتهم لزيارة المكان وتعريفهم على ملامحه وتسميات مواقعه، مشددا على حيويته بالنسبة للذاكرة الجماعية وللهوية الوطنية خاصة أنهم يواجهون سياسات التجهيل القومي في مدارسهم.
آثار تاريخية
السجرة قرية صغيرة فيها آثار تاريخية تعتاش على الزراعة وبجوارها بنيت مستوطنة “إيلانية” عام 1902 وسكنها لاحقا رئيس حكومة إسرائيل الأول دافيد بن غوريون. في كتابه “شباب من السجرة” قال الكاتب الإسرائيلي زلمان تبليتسكي: “في تلك السنوات الأولى خطا بن غوريون خطواته الأولى في البلاد واشتغل كعامل في السجرة منذ 1907”. لم يتجاوز عدد سكان السجرة قبيل نكبتها عام 48 نحو 1000 نسمة، لكنها كبيرة بشهامة وثقافة أهلها وبإنجابها إثنين من كبار الفنانين الفلسطينيين ممن نذروا مواهبهم من أجل شعب فلسطين وقضيتها العادلة: رسام الكاريكاتير ناجي العلي، وحادي المخيمات والثورة إبراهيم محمد صالح أبو عرب. يضاف لهم شاعر القرية الشيخ علي الأحمد الذي امتاز بقريحته الشاعرية. في ربيع 2012 حقّق الفنان الفلسطيني الشيخ أبو عرب حلما راوده منذ 64 عاما بزيارة قريته المهجّرة داخل أراضي 48 فتجّول بين بقايا كرومها وخرائبها مثقلا بوزر الذكريات ومشاعر أمل وألم كبيرين وهو يشدد على حتمية العودة. وقتها رافقنا أبو عرب وهو في الثانية والثمانين من عمره في زيارته النادرة لمسقط رأسه. رغم شيخوخته واعتلال صحته تجوّل أبو عرب مشيا على الأقدام في ديرته التي عاهدها بكثير من قصائده المغناة بعدم النسيان مهما طال الزمان، مستهلا إياها بعين البلدة الجوفية التي ما زال يذكر عدد درجاتها الحجرية البالغ 45 درجة. مستذكرا أن الأهالي حازوا على مياههم يوميا منها بواسطة دولاب خشبي اعتاد على تشغيله رجل أعمى ورجح مازحا أن تعيين كفيف البصر جاء “كي لا ينظر للملايات من النساء”. شاعر الثورة الفلسطينية المعاصرة الذي غنى لها، للفدائي والبندقية، للشهيد والأسير، والثورة والحرية، وللأوطان وتغزل بأشجارها بنباتها من المرار حتى العكوب لم يجد في السجرة “توتة الدار”.
توتة الدار
أين توتة الدار؟ سألناه فغالبته الدمعة وهو يقول إن توتة الدار لم تعد تحتمل جور الزمان. وقد شعر أبو عرب أنه تأخر عليها أو خذلها، فهو عندما خرج من فلسطين لم يتوقع أن يبقى خارجها كل هذه المدة. وتابع بلهجة المتوجع اللاذع “توتة الدار مثل العديد من معالم هذا الوطن التي ما زالت مرسومة في مخيلة اللاجئين طُمست وتبدلت كما تبدلنا نحن عندما ابتعدنا عن الثورة”. وتوقف عند موقع شجرة التوت التي غنى لها في قصيدته الشعبية: “توتة الدار صبرك على الزمان إن جار لابد نعود مهما طوّل المشوار”.
واستظل بأفياء شجرة زيتون تاريخية كان يتحسّسها بأنامله برفق ويستنشقها كأنه أم تشمشم ثياب ابنها الغائب، وبعدها سار مشيرا ببنانه: هنا دار يوسف الحسن وهناك دار الهوين. وهذا كرم زيتون رومي لدار سليم الحسن والد ناجي العلي، وذاك كرم عائلة حسن الحجة وعائلة السراحين الخ. وهناك كانت بير العرجا، قيشرون، وادي الطحين، خربة قسطة والصوانية وغيرها من مواقع أراضي القرية.
أشجار الزيتون
عدت للسجرة في نيسان بعد 64 عاما، فهل سمعت ما قالت أشجار الزيتون والتوت والتين للطير العائد؟ سألنا الشاعر الذي ورث الشعر عن جده الشاعر المقفى الشيخ علي الأحمد ومن وعمه محمود، شاعر حداء، فأجاب بالغناء مرتجلا:
“أوف…. أوف ما بنسى العين والتينة مع الدار زماني برم من يمي ومع الدار لونهم قارنوا ترابي مع الدّر لعوف الدر وبوس التراب أوف”.
وما لبث أن توقف وبيده غصن من شجرة تين ونبات الشومر قبالة خرائب بيت صديقه وزميله الراحل ناجي العلي بجوار واحدة من معاصر القرية. ماذا كنت ستقول لناجي العلي بعدما عدت ولو لساعة وهو لم يعد؟ سألنا الشاعر الذي أسّس للأغنية الفلسطينية التراثية الملتزمة فأنشد بصوت حزن شجي مرتجلا:
“أوف…. أوف أيام الدهر يا ناجي لو إنك لو إنك حزين وسمع هالوادي لو إنك… لو إنك قبل ما تغادر كحلت عيونك بشوف التراب”. وردا على سؤال آخر تابع “حينما كنا نسافر سوية ونبيت في غرفة واحدة كنا نقضي الليل باستحضار ذكريات الصبا، كيف كنا نلف الجبال والسهول ونتجول بين الكروم، المقاثي والحقول لالتقاط ثمار الذرة وتناولها بعد طهيها على الحطب ونستعيد سيمفونية الأجراس الرنانة المثبتة في أعناق الماعز وهي عائدة عند المساء من الرعي، فيما كان الرعاة بدورهم يملأون الفضاء بألحان الناي (الشبّابة) أما صدى صياح الديوك في الصباح فكان يصدح مدوّيا في الوديان. هي ذكريات جميلة وأليمة بنفس الوقت”.
أبو عرب، شاعر المخيمات ومنشد الثورة الفلسطينية الذي وظف فنه في خدمتها، ألّف ولحّن وغنى عشرات القصائد الوطنية وأغاني العتابا والمواويل، ودّع بلدته عند مغادرتها وهو يناجي عين الماء فيها بلهجة وداع تقطر حنينا وحزنا: “يا عين الميّ كان الشجر جاري… لكن الزمن بالظلم جاري… بعد نبعك يا عين المي جاري… بعد ما تغربوا شمول الحباب”.
ولم يغادر أبو عرب قبل أن يصطحب معه حفنة تراب وبعضا من حجارة السجرة تذكارا وهدية لأحفاده الموزعين بين مدينته حمص في سوريا وبين دول الخليج، حيث يقيم بعض أبنائه مغتربين كبقية أبناء عائلته التي استشهد في معارك فلسطين عدد كبير منهم.
والد وابن شهيد
وقبيل زيارة السجرة التي احتلت وتم تحريرها عدة مرات إلى أن سقطت في تموز/يوليو 48 (واستشهد في آخر معاركها الشاعر الكبير المثقف الوطني عبد الرحيم محمود الذي قدم من الناصرة للمشاركة في محاولة إنقاذها) كان أبو عرب قد استهل جولته في أراضي 48 بزيارة ضريح والده الشهيد محمد صالح في بلدة كفركنا التي لجأت لها عائلته لعدة شهور قبيل تهجيرها إلى لبنان في 1948.
ناجي العلي
بالطبع، تقترن السجرة باسم الفنان الراحل ناجي العلي المولود فيها عام 1936 وهو الذي قال: “ولدت حيث ولد المسيح بين طبريا والناصرة. أخرجوني من السجرة بعد عشر سنوات إلى مخيم عين الحلوة في لبنان. أذكر هذه السنوات العشر أكثر مما أذكر من بقية عمري. أعرف العشب والحجر والظل والنور، لا تزال ثابتة في محجر العين كأنها حفرت حفرا. لم يخرجها كل ما رأيته بعد ذلك”. هذا الرسام العملاق المعروف عالميا بدأ مسيرته مبكرا. فقبل رحيله روى الحاج هاني ذيابات أبو نعمان (80) المقيم في قرية طرعان إنه والراحل ناجي العلي الذي كان يكبره بعام واحد درسا في مدرسة القرية الابتدائية. ويشير أن المدرسة كانت صغيرة وضمت نحو 60 طالبا درسوا في غرفتين وفي إحدى غرف المسجد المجاور. ويستذكر أن مديرها حسين الدسوقي من قرية برقا قضاء جنين. كما يشير أنه وناجي العلي درسا حتى الصف السادس الابتدائي في السجرة وتتلمذا في الدين والزراعة، على يد المدير الدسوقي، فيما علمهما محمد عز الدين من صفد اللغة العربية ومحمود الريناوي من قرية الرينة علمهما الرياضيات ومحمد أسعد من صفد التاريخ والجغرافيا. لافتا إلى أن تلاميذ السجرة استكملوا تعليمهم في طبريا والناصرة. وردا على سؤال يشير ذيابات أن معلما من بيسان يدعى حريص، قد علمهما الرياضة، والأناشيد الوطنية والقومية والرسم وقد تنبه مبكرا لموهبة ناجي العلي. ويتابع “منذ طفولته كان ناجي العلي رسام المدرسة والحي، فعندما كنا نلهو في لعبة الحيزة المعروفة بلعبة الطوف أيضا، كان ناجي يتولى مهمة رسم المربعات على الأرض والتي كان كل منا يسعى لإدخال الحجارة فيها وهو يقف على قدم واحدة”. ويشير إلى أن الراحل كان يكثر من رسم الحيوانات كقطعان الماعز والجمال والطيور بسرعة ودقة فائقتين وأضاف “كان بمقدور ناجي العلي أن يرسم حيوانا أو طيرا بثوان بعدما يمر من أمامه بلمح البصر”. ويوضح أن ناجي العلي نزح مع عائلته إلى قرية العزير المجاورة ومنها إلى لبنان نتيجة اعتداءات العصابات الصهيونية على السجرة لافتا أن العلاقات بينهما انقطعت منذ النكبة عام 48.
كل نار تصبح رماد
أما جارته الحاجة نجية هياجنة أم عادل بنت السجرة المقيمة في كفركنا، فقد قدمت هي الأخرى بعض ذكرياتها: “كنا جيال وكان يلعب مع ابن شقيقته فهمي ويرسم على الحيطان وقد كان مغرما بالرسم على حيطان المدرسة والجدران وسريع البداهة”.
نجية هياجنة أم عادل (85) سيدة عصامية مناضلة ظل حنينها للسجرة أخضرا وقد خرجت مع أسرتها حافية تحت جنح الليل عام 1948. وطالما كانت أم عادل تسعى لإطفاء هذا الحنين للسجرة وحياتها الريفية الوادعة والهانئة بزيارتها دوما بحثا عن طفولتها الجميلة يوم كانت تلهو بالكروم والبساتين وحقول الذرة سوية مع صديقاتها ريمة وفاطمة وشريفة. لم تكن أم عادل حالة استثنائية، فقد قالت الحاجة سمية بكارنة أم عفيف في شهادتها إنها تعلمت وبعض بنات السجرة في المدرسة معززة قول أبو عرب حول قلة عدد الأمييّن في القرية وقالت بالعامية “وفي مرات كانوا يحطوني مناوبة واللي يتيّس أسجل اسمه”.
وتلتفت هي الأخرى لعلاقة الجيرة الحسنة مع اليهود في “إيلانية المجاورة”: “كنا نعزم اليهود عالأعراس عنا. والعلاقة مليحة حتى يوم الحرب كنا مناح مع بعض”. وهذا ما أكدته نجية هياجنة منوهة أن النساء الفلسطينيات واليهوديات كن يتبادلن الخميرة عند العجين بحال احتاجت واحدة من الجارات. كما أشار أبو نعمان لذلك وقال “كانوا يشاركوننا الأفراح. للعرس نعزمهن وييجو وكانت تعاليل العريس تظل مرات شهر وأكثر. واللي منهن بعرف يدبك يظل يدبك لنص الليل، وكنت أشوفهن يسهروا ببيوتنا ويمزحوا ويتبادلوا النكت”. يشار إلى أن باحثا إسرائيليا يدعى د. مناحم كلاين قد تطرق قبل سنوات لذلك في كتابه “مترابطون”. ويؤكد كلاين أن الصهيونية هي التي أفسدت علاقات العرب واليهود في البلاد. كما يرمز بعنوان كتابه يقول كلاين إن حياة اليهود والعرب اليومية كانت مترابطة بالتجارة، والتعليم، والمناسبات على أنواعها.