القاهرة ـ «القدس العربي»: تتفرد قرية تونس أن أهلها الذين عاشوا بها جيلاً بعد جيل لم يكونوا لا هم ولا أباؤهم سبب الاسم الذي اشتهرت به خلال النصف قرن الماضي، ليس فقط بين عموم المصريين والعرب بل كذلك بين عشاق السياحة الريفية في العديد من بلدان العالم. تونس قرية صغيرة جنوب العاصمة المصرية ويرجع الأصل في تسميتها لسيدة سويسرية تهوى الفن التشكيلي وبالتحديد الخزف، إذ زارت القرية بصحبة زوجها الشاعر الراحل سيد حجاب، قبل أن تنفصل عنه بسبب ولعها بالقرية ورفضها مغادرتها للعاصمة التي تضج بالزحام والطقس غير الصحي، واختارت إيفلين التي سرعان ما ربطتها بأهل المنطقة علاقة وطيدة إسم تونس للقرية، وسبب اختيارها للإسم ما تحتويه من قدر نادر من الخضرة فضلاً عن لوحات الطبيعة المدهشة.
على بعد 55 كيلومترا أقصى غرب مدينة الفيوم، تقع قرية تونس التي تتبع مركز يوسف الصديق إداريا، وهي نموذج فريد للسياحة الريفية القليلة الانتشار في مصر بل والعالم العربي، إذ لا تكاد تعد على أصابع اليدين عدد القرى المتخصصة في السياحة. وتتميز تونس بموقعها المتفرد بين محور سياحي بيئي أثري يضم معبد قصر قارون ومنطقة شلالات وادي الريان والبحيرة المسحورة ووادي الحيتان، بالإضافة إلى شاطئ بحيرة قارون والفنادق والموتيلات السياحية الواقعة فيها. وخلال فترة وجيزة تحولت تونس لمقصد يرتاده الكثير من السياح والمواطنين من بلدان شتى وأصبحت قبلة السياحة الريفية في العالم ومن أهم المقاصد التي تجذب عددا كبيرا من راغبي هذا النوع من السياحة لحفاظها على هويتها البصرية ونمط حياة يحافظ على الخصوصية للسائح. وحرص المشرفون على التطور العمراني في محافظة الفيوم أن تكون القرية نموذجاً للحياة الريفية غير المفتعلة بل تحاكي الواقع المعاش للقرويين بمعظم تفاصيله سواء بالنسبة للمشاهد المألوفة للطبيعة أو لأصناف الطعام الريفي، فضلاً عن سياحة ركوب الخيل وممارسة أنشطة رياضية وترفيهية وفنية مختلفة مثل محاكاة صناعة الحرف اليدوية وفي مقدمتها صناعة الخزف التي تزدهر في القرية، فهناك تنتشر الورش المختلفة لصنع منتجات فنية يعد الخزف مادته الأساسية والذي أصبح مكونا أساسيا للقرية التي تشتهر بمهرجان «تونس للخزف» الذي يعتبر عنصر جذب لمحافظة الفيوم، إذ يتدفق على المحافظة التي تقع القرية في نطاقها السياحي، هواة صناعة الخزف لحضور المهرجان السنوي وتبلغ نسبة الإشغال 100 في المئة في فنادق تونس وبحيرة قارون ومعظم قرى المحافظة. وتشهد القرية كذلك العديد من الفعاليات التي تقام على هامش المهرجان من معارض للحرف اليدوية وأيضاً مهرجانات وأنشطة ثقافية وأدبية متعددة مما يكون له أكبر الأثر على رواج الفيوم سياحياً وفنياً خلال تلك الفترة.
مقصد الفنانين
من أبرز ما تتميز به تونس وجود أول متحف للكاريكاتير في العالم العربي أسسه الفنان محمد عبلة، ليتحول في غضون أعوام قلائل قبلة للفنانين من العديد من البلدان، إذ يضم المتحف مجموعة نادرة من الرسوم الكاريكاتيرية لمشاهير ذلك الفن ومن بينهم صلاح جاهين ورخا وصاروخان وحجازي وغيرهم من الأجيال المتعاقبة الذين برعوا في ذلك الفن الذي يعد أحد أبرز قنوات النقد السياسي والاجتماعي. وبسبب طبيعة تونس الخلابة يقيم في القرية عدد من الفنانين المصريين والأوروبيين، ومن مصر نبيل تاج رسام الكاريكاتير وعدد من أساتذة الجامعة الأمريكية والفنان خافيير بوجاماتي وعدد من الأجانب الذين يعشقون الريف المصري وقد فضلوا الإقامة في المكان بعيدا عن الازدحام.
وشهدت القرية العديد من الاحتفالات إذ يفضل كثير من عشاق الهدوء والصفاء الذهني التردد عليها وكان من بين المترددين عليها عدد من الأدباء والشعراء ومن بينهم الراحل سيد حجاب التي وقعت زوجته السابقة إيفلين أسيرة حب الريف المصري الخلاب بسبب المشاهد المتفردة التي تزخر بها وقررت الانفصال عن زوجها المولع بالقاهرة وكتب القدر نهاية مغايرة لكليهما إذا ماتت طليقة شاعر العامية الأشهر سيد حجاب إيفلين التي ولدت في سويسرا والتي هبطت على القرية مطلع السبعينات من القرن المنصرم، وما لبثت أن قررت الاستقرار بها حتى وافتها المنية حزيران/يونيو عام 2021 وظلت تعترف لطليقها بأنه سبب معرفتها بكنوز الريف المصري، إذ ظل حريصاً على ان يصطحبها معه لحضور الأمسية الشعرية في العديد من المناسبات وعندها قررت أن تبقى في تونس بمفردها، ثم مالبثت ان تزوجت من الفرنسي ميشيل باستوري وأنجبت ولديها أنغلو وماريه وانخرطت في علاقات اجتماعية مع أهالي القرية الذين عاملوها بحفاوة بالغة وأطلقوا عليها «أم أنغلو» واصطحبت معها فيما بعد عددا من أصدقائها وبدأت تمارس هوايتها المفضلة في صناعة الخزف ونقلت خبراتها التي تعلمتها خلال دراستها في كلية الفنون التطبيقية بسويسرا وبدأت التجربة بفن الخزف ودشنت ورشة مالبثت ان تحولت لجمعية لتعليم أولاد الريف الفن، ولم يمر كثير من الوقت حتى ذاع انتشار العديد من الورش بالقرية إذ يتعلم الأطفال أسس هذا الفن التراثي الذي تعد مصر الوكيلة الحصرية لبعض فروعه. وسرعان ما اكتسبت القرية شهرة كبيرة وباتت تقوم بتنظيم معارض عالمية في فرنسا وسويسرا والقاهرة وتحظى بإقبال كبير من هواة فن الخزف. وقبيل وفاتها أعربت إيفلين عن سعادتها لكون القرية تحولت إلى عاصمة للفنون والجمال، إذ باتت تجمع كل عناصر الجمال فهناك الخضرة منتشرة في ربوعها والبحيرات المائية ومن أفضل تلك العناصر البسطاء من الناس وهذا ما جعل فناني أوروبا يأتون إليها خصيصا ويقيمون بها فترة كل عام من أجل تدفق إبداعهم، ومن أبرز هؤلاء الأديب العالمي دينيس جونسون مترجم روايات أديب نوبل نجيب محفوظ. وعلى الرغم من أن موسم الخريف يعد بالنسبة للكثيرين موسم الكساد إلا أن الوضع في تونس على النقيض تماما، إذ تستقبل القرية الكثير من السياح فضلاً عما يمثله الخريف من موسم لتصدير الفنانين إنتاجهم من الخزف لبلدان العالم خاصة القارة الأوروبية.
كرم الضيافة
السحر الذي تتمتع به قرية «باريس» كما يسمونها أحيانا، بشهادة كل من زارها لا يتكرر، حيث الهدوء والمشاهد الخلابة لا مثيل لهما في كثير من بلدان العالم العربي، أما الأهالي فهم نموذج من البشر البسطاء وكأنهم لم يخرجوا من القرية منذ أن ولدوا فيها، يتفننون في خدمة الضيوف بحيث لا يمر كثير من الوقت إلا ويشعر السائح انه في بلده وبين أهله. يستيقظون منذ الصباح الباكر ويذهبون لأعمالهم في الحقول ثم يعودون وقت الظهيرة ثم يذهبون للحقول مرة أخرى بعد العصر ثم يعودون في المساء. الحياة تسير في غاية النظام والدقة ومؤخراً قامت الأجهزة المختصة بتفعيل الإجراءات والضوابط الهادفة لاستثمار كافة الأراضي بالقرية في تنمية مواردها وزيادة الرقعة الترفيهية والفندقية بها خاصة المنطقة المتاخمة لضفاف بحيرة قارون، على مساحة 27 فدانًا، بواجهة تصل لمسافة كيلومتر واحد، بهدف الحفاظ على هوية القرية البصرية وميزاتها الطبيعية وطرازها المعماري المتفرد. وبالإضافة لسرعة وضع الرؤية الفنية والهندسية لاستغلال أراضي أملاك الدولة بالقرية، طالب محافظ الفيوم استغلال كافة ما تتفرد به القرية من خصائص في إطار الحفاظ على هويتها البصرية، بالتنسيق بين الأجهزة المتخصصة للمشروعات والتنمية الحضرية، ومدير عام التخطيط العمراني بديوان عام بالمحافظة ورئيس مركز ومدينة يوسف الصديق، من خلال الخرائط التوضيحية لجميع أراضي أملاك الدولة بالقرية، والعمل على الاستفادة منها عند وضع الاشتراطات البنائية الجديدة لقرية تونس التي تتفرد بموقعها الفريد على ربوة عالية على ضفاف بحيرة قارون، وتنتشر بها المساحات الخضراء وتزدان بالأشجار والزهور بألوانها المتميزة والمتعددة، بينما تمثل الصحراء الواسعة بوقارها وهيبتها خلفية فريدة لها فضلًا عن قربها من منطقة وادي الريان، تلك المميزات المتنوعة جعلتها قبلة العشرات طوال العام خصوصا في فصلي الخريف والشتاء.
يعشقون الحياة
كغيرهم من عموم المصريين خاصة سكان الريف يعشق أهالي تونس نمط الحياة العفوية القائمة على البساطة، فغالبيتهم يعملون في الزراعة ورعي الأغنام والصيد، وفتحت السياحة الريفية أمامهم أبوابا أخرى لكسب المال خاصة وأن القرية فيها عدد غير قليل من الفنادق ذات المستويات المختلفة. واعترافاً بجهودها قررت السلطات اطلاق اسم إيفلين بوريه على الشارع الرئيسي في القرية اعترافا بفضلها وما قدمته للمجتمع المحلي في تونس. يهوى المولوعون بسياحة الريف قرية تونس لطبيعتها الجغرافية، فرغم وجودها على ربوة صخرية عالية إلا أنها تأخذ في الانحدار على نحو لافت حتى تصل إلى شاطئ بحيرة قارون، فلا يعزلها عن المياه سوى مساحات من الخضرة والأشجار، لهذا تعد واحدة من أندر المناطق الريفية في مصر والعالم جمالا. وبمجرد أن تصل القرية ستنتابك الدهشة بسبب تعدد جنسيات المقيمين فيها لذا تتعدد اللافتات المكتوبة باللغة الإنكليزية وكل لافتة تشير إلى فيلا يستأجرها مواطن سويسري أو إيطالي فضلاً عن عدد من المنازل الخاصة بكتاب وفنانين. وساهمت الطبيعة الساحرة للقرية في جعلها مركزا لتجمع الفنانين والموسيقيين والأدباء والرسامين من جنسيات مختلفة وبعضهم حرص على بناء بيوتهم على الطراز الذي أبدعه رائد عمارة الفقراء الدكتور حسن فتحي، تلك البيوت التي لم تخل كذلك من جمال يبوح بأسراره لكل من هبط على القرية ناشداً الراحة والهدوء، غير انه جنبا إلى جنب مع تلك العمارة التي تمثل السواد الأعظم لبيوت الأهالي، هناك منازل أخرى بناها أصحابها وكثير من الوافدين على الطراز الإيطالي والسويسري، حيث نقلوا إلى القرية جانبا كبيرا من معالم الريف الأوروبي، والأجانب في القرية لا يتملكون البيوت والفيلات التي يسكنون بها وإنما تظل الأرض تابعة لسكان القرية من الناحية الرسمية. لكن مستوى الثراء الهائل الذي تتسم به الفيلات والبيوت الرائعة لم يعرف طريقه للبسطاء من سكان القرية الأصليين الذين آثروا التقوقع في الجانب الجنوبي للقرية تاركين بقية المكان للأجانب والمشاهير والأدباء من النازحين إليها. ويبلغ تعداد سكان القرية نحو 4 آلاف نسمة وغالبيتهم يعملون بالزراعة والصيد والخدمات المعاونة في المجال السياحي، وبعضهم احترف فن الخزف بعد أن التحق بمدرسة متخصصة أو على يد فنان محترف، ومن ثم افتتح الكثيرون ورشا صغيرة بجوار منازلهم. وتضم القرية المئات من الفيلات الفخمة والتي يقيم فيها أثرياء تركوا موطنهم بحثاً عن التفرد الذي تتميز به تونس.
ملاذ إيفلين
أهالي القرية يعترفون بالتطوير الكبير الذي حدث فيها على يد الراحلة إيفلين بوريه فنانة الخزف السويسرية وإليها ينسب الفضل الأكبر فيما وصلت إليه القرية الآن من تحضر ورقي في الخدمات وجودة في نمط الحياة. حيث قامت بإنشاء مدرسة لتدريب أطفال القرية على فنون صناعة الخزف والفخار وأطلقت على المدرسة اسم جمعية «بتاح» والتي اكتسبت شهرة عالمية مع الوقت نتيجة كثرة المعارض التي تم تنظيمها في العديد من دول العالم وخاصة أوروبا. وتجربة إيفلين أقر لها بالسبق والريادة الاتحاد الأوروبي الذي أوفد لجنة لدراسة أوجه الجمال والتفرد في تونس مما كان له عظيم الدور في الترويج السياحي للقرية من خلال المعارض الكثيرة التي قامت بتنظيمها في دول أوروبا، وأسفر ذلك عن أن عددا غير قليل من عشاق الهدوء قرروا تخصيص إجازاتهم السنوية للإقامة في القرية بل انتهى الأمر ببعضهم للإقامة بشكل دائم في تونس. طبيعة ساحرة حبا الله بها تونس بمحافظة الفيوم، جعلت تلك المنطقة الريفية الصغيرة تنال شهرة عالمية واسعة لتستقبل آلاف الأشخاص من مختلف الجنسيات، خصوصًا مع انطلاق فصل الخريف بفعل عشرات الرحلات المتدفقة إليها يوميًا للاستمتاع بالأكل الريفي، ورحلات السفاري، والطبيعة الخلابة التي تشبه اللوحة الفنية بجمعها بين الصحراء والخضرة والمياه في آن واحد.
وتستضيف القرية مركز الفيوم للفنون الذي يضم عددا من المراكز الفنية فضلًا عن عدد من الفيلات والشاليهات المشيدة من الطوب على الطراز الإسلامي، إضافة إلى العديد من المطاعم التي تقدم الوجبات الريفية الشهية.