القاهرة-القدس العربي”:قبل أيام من انطلاق مباراة القرن التي يعلق عليها المستشار مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك أمله الأخير في النجاة من مستقبل محفوف بالمخاطر، عادت للواجهة قرية محلة بشر، التي تعرف بكونها عاصمة السحر الأسود في مصر. وقد سبق واتهم مرتضى النادي الأهلي غريمه التاريخي وخصمه اللدود بأنه يستعين بسحرة ودجالين من القرية للفوز على الزمالك، فيما وثق أحد شباب القرية من قبل فيديو للاعبين من نادي الزمالك وهم يتواجدون فيها على أمل الحصول على دعم من أحد سحرة القرية، وان كانت صور اللاعبين لاتبدو واضحة.
الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. هي عاصمة السحر الأسود بلامنازع، يسكنها الجن ليلاً ويلوذ بها كثير من الإنس طيلة النهار ويقصدها الغرباء كل يوم جمعة حيث يعقد أغرب سوق من نوعه، زبائنه من المخدوعين والمغفلين وبعضهم من العشاق الذين أعياهم الحب وقضى عليهم طول الأمل، والبعض الآخر من أصحاب الأمراض المزمنة الذين قادهم جهلهم لزيارة القرية على أمل ان تنتهي مأساته على يد ساحر لا يعرف أنه نصاب ومزيف، وكذلك المريض الذي يبحث عن الخلاص من مأساته على يد من يظنه من أهل الخبرة لكنه سيهدر عمره على الأرجح بدون أن يتيقن انه وقع بين يدي نصاب إلا عقب ان يفقد كل أمواله على يد حفنة من السحرة الذين اتقنوا أداء دور المنقذ. اللافت ان ذات القرية ذاع صيتها في زمن المخلوع حسني مبارك حيث كان يتردد عليها مرشحوا البرلمان ووزراء على أمل تجاوز العقبات التي تواجههم وأن يحققوا طموحاتهم السياسية بالصعود، وبرز عدد من رجال الأعمال التابعين للحزب الوطني المنحل في مجال الاستعانة بأعمال المشعوذين من أجل الانتصار على خصومهم. كما قدم سحرة القرية الذين بات معظمهم الآن تحت التراب، خدماتهم لفنانات عاندهن القدر وسحب من تحت أقدامهن بساط النجومية وخاضت أكثر من فنانة صراعاً مريراً لإعادة النجومية لها خاصة مع تعاقب الأيام، غير أن تلك المحاولات لم تكن لتنجح أمام سنن الحياة التي لا تبقي على حال، وبدون أن يقصد تسبب الشيخ عبد الحميد كشك في منح القرية مزيدا من النجومية والذيوع والشهرة حينما تحدث عنها منتقداً ومندداً بلجوء البعض لسحرتها.
كلمة السر أبو عيشة
باتت قرية محلة بشر التي يتضرر الصالحون من أهلها بسبب أنشطة الكهنة والمشعوذين الذين يعيثون في الأرض فساداً، هدفاً وملاذاً للعديد من المؤمنين بالخرافة الباحثين عن “قشة” للنجاة من المشاكل التي تواجههم والتي تعد في الغالب مجرد ابتلاء منصوص عليه في آيات الذكر الحكيم. يكاد يجمع كبار أهل محلة بشر من الطاعنين في السن أن أول ظهور للسحرة في القرية التي تجاوز تعدادها31 ألف مواطن، كان قبل ستة عقود وبالتحديد منتصف ستينيات القرن الماضي على يد ساحر يلقب بـ”أبوعيشة” الذي ترك عقب رحيله الدنيا، البلدة وبها عدد من السحرة والمشعوذين وعلى أيديهم تحول هذا العمل لمهنة وإن كان يعد من يزاولها “كافرا” فقد ذهب كثير من أهل العلم ومنهم المالكية، والحنابلة إلى تكفير الساحر مطلقا وأنه يقتل، واستدلوا على ذلك بآيات وأحاديث.
وذاع اسم أبوعيشة على نطاق واسع والذي ينسب له أساس ازدهار تلك الآفة التي يحرم الشرع كذلك ليس فقط مقترفها بل ومن لجأ إلى السحرة عملاً بنص الحديث النبوي الصحيح “من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد”. وقد أخذ العديد من الأشخاس أصول السحر على يد أبوعيشة الذي مات في في شبراخيت، التي تعد أهم مدن محافظة البحيرة، ومن بعده امتهن تلك الوظيفة طلابه ومريدوه، في قرية محلة بشر، ورغم القبض عليه أكثر من مرة في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، لكن نجح في الإفلات من عقوبة السجن وعاود العمل من جديد حتى مات.
سمسارة ابليس
بملامح متشابهة يكسوها الزيف، وعيون يسكنها الطمع وتصيب من ينظر إليها بالقلق، ينتشر على جسر القرية عدد ممن يعرفون بسمسارة السحرة، حيث يلاحقون الغرباء القادمين إليها ويعد يوم الجمعة هو السوق الذي تزدهر فيه أعمال المشعوذين وفي السابق كان يقدم على القرية الزبائن من داخل مصر وخارجها، ويرفض الأتقياء من أهل القرية ان ينعتوا السحرة بالمشايخ، ويصف مشهد الدجل في القرية بأن مساعدي السحرة والدجالين حفنة من السماسرة يعملون لحساب الدجالين يتخذون من كوبرى بالقرب من القرية، موطئاً لأصطياد الغرباء المقبلين للقرية حيث يستدرجون الزبائن للساحر الذي يعملون لحسابه. أما الجديد الذي كان في السابق مجرد حالات نادرة فيتمثل في شيوع ظاهرة تقديم خدمة الساحر “ديليفري” ومثل هؤلاء يستعينون بتكاتك أو دراجات بخارية يترددون بها على الزبائن وفي زمن الكساد يجوبون المنازل والقرى، زاعمين علاج المواطنين من الأمراض النفسية وما يعرف بالمس الشيطاني. ويطيب لدعاة المساجد بمحلة بشر أن يطلقوا على السحرة بـ”شيوخ الضلال الذين ينشرون الفتنة بين المواطنين وما يجعل الظاهرة مرشحة للاستمرار شيوع العصبية القبلية والعائلية التي تسيطر على الأوضاع”. ومن قبيل المفارقة ان معظم أهالي القرية ليس لديهم قناعة بهؤلاء السحرة، بل يصفونهم بالدجالين، ولكن السحرة بمرور الزمن أصبحوا ينتمون لعائلات كبيرة ذات نفوذ خاصة مع ارتباط بعضهم بعلاقات مع عدد من المسؤولين في زمن الرئيس الراحل حسني مبارك، كما أنهم باتوا يمتلكون المال ويفتتحون مشروعات أهمها تسمين الماشية ويتيحون لفقراء القرية فرص العمل بمشاريعهم، ما جعل كلمتهم مسموعة ومحاولة طردهم خارج القرية مهمة شبه مستحيلة. وبمرور الوقت وعلى مدار العقود الأربعة الماضية أصبح هؤلاء السحرة أصحاب كلمة مسموعة وعند وفاتهم كان بعضهم قد ورث مهنته لأبنائه فيما قرر أبناء بعضهم الاستماع لرأي الشرع وعلماء الدين وهجرة ذلك النشاط الآثم والذي يعد من السبع الموبقات بنص الحديث النبوي الشريف.
بيت العفاريت
محلة بشر هي قرية في مركز شبراخيت، محافظة البحيرة، مصر. وتبعد عن المركز حوالي 2 كم على طريق شبراخيت-الرحمانية. وتعد من القرى القديمة، حيث وردت باسم “محلة بشر” في أعمال البحيرة ضمن قرى الروك الصلاحي التي أحصاها المؤرخ ابن مماتي في كتاب “قوانين الدواوين” كما وردت باسم “محلة بشر” في أعمال البحيرة ضمن قرى الروك الناصري التي أحصاها المؤرخ ابن الجيعان في كتاب “التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية”. وفي العصر العثماني وردت باسم محلة بشر، في التربيع العثماني الذي أجراه الوالي العثماني سليمان باشا الخادم في عصر السلطان العثماني سليمان القانوني ضمن قرى ولاية البحيرة، وفي تاريخ 1228هـ/1813م الذي عدّ قرى مصر بعد المسح الذي قام به محمد علي باشا باسم محلة بشر، ضمن قرى مديرية البحيرة.
اشتهرت القرية في الفترة الأخيرة باسم قرية الأربعين دجالا، حيث لا يوجد منزل فيها إلا ويوجد فيه دجال أو مصاب من الدجالين، لاعتقاد الأهالي أن الأرواح الشريرة “الجن” تسكن القرية ولا يوجد سوى المشعوذين، ليخلصونهم من هذه الأرواح.
وقال عدد من أهالي القرية، إن الجهلة لا يقدمون على الزواج إلا بموافقة كهنة القرية من المشعوذين الذين يلجؤون للجن ليحقق لهم ما يريدون. واعترف عدد من المواطنين بأنهم يضطرون لدفع مبالغ مالية مقابل ضمان عدم تعرضهم للأذى من قبل اولئك المشعوذين خاصة قبل الزواج، حيث يخشون من ألا يحالفهم التوفيق لذا يحرصون على زيارة بعض السحرة قبل إتمام زفافهم. ويحذر رجال الدين العامة من ان يترددوا على المشعوذين كي لا يشاركونهم في الوزر، إذ من المفروض أن هؤلاء السحرة يستعينون بالجن الذين يأمرونهم بفعل الموبقات والكبائر. واعترف عدد من المواطنين بأنهم رأوا بأعينهم السحرة وهم يتوضؤون باللبن، ويمزقون المصاحف تقرباً من الجان ليستطيعوا تحقيق مآربهم. وبسبب الشهرة الكبيرة للقرية داخل مصر وخارجها، قام عدد من السحرة بتحديد تسعيرة للراغبين في الحصول على خدماتهم وتتراوح ما بين خمسمئة وألفي جنيه مقابل إتمام المهمة، غير ان كثيرا من السحرة يحددون السعر بحسب حال طالب الخدمة ومدى الحاجة في طلب العون، وقد اعترف كثير من النسوة من طبقة الأثرياء بأنهن أنفقن ثروات طائلة للسحرة من أجل الحفاظ على أزواجهن أو من أجل الإيقاع برجال في عش الزوجية أو اللواتي حرمن من الإنجاب. وبسبب الإقبال الكبير للعديد من الراغبين في قضاء حاجاتهم على محلة بشر قاصدين بيوت المشعوذين والدجالين، ارتفع أجر السحرة وتنافس عدد من المشاهير بينهم في رفع أسعارهم من أجل خداع الأثرياء ويعتمد هؤلاء على سماسرة ينتشرون في مدخل القرية من أجل الإيقاع بالضحايا، أما حال رغبة الزبون في انتقال الساحر إليه فإنه يرسل له سيارة لكي تحضره من القريه لمقر إقامته مقابل أجر مضاعف إذ هناك تسعيرة خاصة مقابل خروج الساحر من منزله.
علاج وهمي
روت أمة الله، قصتها مع البلدة التي يطلق عليها البعض قرية العفاريت، حيث تعرضت منذ فترة لآلام مبرحة لم تعرف أسبابها ومن ثم عرفت الطريق للدجالين الذين استنفدوا أموالها، وفي البدابة شعرت ببعض التحسن ولكن سرعان ما انتكست وتردت حالتها وانتهى بها الأمر للتوقف عن التعامل مع الكهنة والتماس العلاج العلمي وبالفعل تحسنت حالتها، وتنصح كل من تسول له نفسه بأن يجرب طريق “الطعنة” لتحقيق هدف ما ان يعلم بأن نهايته ستكون الندم والفقر. وتروي فتاة أخرى تجربتها مع الصداع المزمن الذي حل بها بدون سبب، واعترفت بأن والدها اصطحبها إلى بيت هذا الدجال، وأخبرها بأن هناك جناً بداخلها أي تعاني بما يعرف بالمس الشيطاني. أضافت أن الساحر طلب من أسرتها مبلغا من المال ومجموعة من الأعشاب والبخور وطالبهم بالعودة لاحقاً وفي المرة التالية قرأ عليها كلاما لم تفهمه ثم أعطاها ورقة وطالبها ان تلتزم بما ورد فيها من أوامر وتعود إليه بعد عدة أسابيع لكن لم يطرأ عليها تحسن يذكر. لكن هل يجوز للمتضررين أو المرضى أن يذهبوا إلى السحرة؟ هناك اتفاق بين علماء أهل السنة بحرمة ذلك الأمر وبحسب فتوى للشيخ الراحل مفتي المملكة العربية السعودية ابن باز، فإن هذا كله لا يجوز؛ لأن السحرة أو الكهنة يستخدمون الشياطين حتى في عهد الجاهلية، والكاهن له صاحب من الجن يأتيه ويخبره أن في المكان الفلاني كذا، وفي المكان الفلاني حصل كذا، وفي الشام مات فلان إلى غير ذلك. فهكذا تتناقل الشياطين الأخبار فيظن الجاهل أن هذا الكاهن أو الرمال يعلم الغيب، وإنما هي الشياطين تنقل له بعض الأخبار فيتظاهر للناس أن عنده معلومات عن الغيب، وقد يستخدم بعض الشياطين الآخرين الذين لهم قوة من ملوك الشياطين ورؤسائهم، فيأتون بهذا الشيطان الذي تلبس في المريض أو في المجنون، فإذا أرضاهم هذا الإنسي بعبادتهم من دون الله أو نذر لهم وذبح لهم من دون الله إذا أرضاهم بذلك، قد يحضرون الشيطان الذي تحت إمرتهم فيقولون: إما أن تفعل كذا وكذا وإلا قتلناك، وإلا سجناك، وإلا فعلنا بك كذا وكذا، فيدع عمله القبيح من أجل طاعته لسادته من الشياطين والرؤساء فيحصل نفع للإنسان بهذه الطرق الخبيثة الشركية الضارة. وليس هذا بعذر، ولا يجوز إتيان هؤلاء الكهنة والعرافين أبدا، ولا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
قرية محلة بشر، التي لا يفصلها عن مركز شبراخيت سوى طريق ضيق يكفي بالكاد لعبور سيارة واحدة، على كوبرى تشارك فيه الماشية بأنواعها البشر، تظهر هادئة، بيوت فقيرة تطلع بينها بنايات أنيقة ضخمة يشير بعض أهالي القرية أن تلك المنازل الحديثة عدد منها يمتلكه السحرة الذين يجنون مكاسب خرافية، من وراء بضاعتهم المحرمة. واللافت ان محلة بشر على الرغم من كونها اشتهرت بأنها قرية السحرة والمشعوذين لكن تخرج منها الشيخ سليم البشري المالكي، وهو من فقهاء المالكية، المولود عام 1248 هجري، وتقلد منصب شيخ الأزهر في القرن التاسع عشر، وهو شيخ الأزهر السابع والعشرين، لافتاً إلى أن ذلك كله يمحى من الذاكرة بسبب انتشار تلك السمعة التي ارتبطت بالقرية.
تجار الوهم
عبد الرحمن، فلاح من القرية يمتلك قراريط يزرعها بالخضروات ويجلس أمامها حيث تطل أرضه على الطريق الرئيسي الذي يعبر منه الغرباء الباحثين عن السحرة. وقد آل على نفسه إلا أن يتوجه بالنصح لأولئك الباحيثين عن الوهم والخداع على حد رأيه لعلهم يعودون لبيوتهم سالمين قبل ان يغضبوا ربهم. لكن هيهات هيات لمثل من حاز بداخله يقيناً تجاه هؤلاء السحرة الذين لا يملكون من أدوات سوى الغش والخداع وينجحون بالفعل في الإيقاع بمزيد من الزبائن الذين ينفقون أموالهم في ما لا طائل منه بحسب عبد الرحمن الذي اعترف بأنهم جنوا الكثير من الأموال وبنوا بيوتا تشبه القصور من غير ان يكلفوا أنفسهم العناء. من جانبه يشعر عمدة القرية بكثير من الثقة في القضاء على تلك الآفة “السحر” التي شوهت القرية وناسها، ومما يجعله واثقاً في امكانية بلوغ هدفه ان عدد اولئك المشعوذين لا يتجاوز خمسة أفراد بعد ان كان يناهز أربعين ساحراً. وفي القرية يبدو اسم المستشار مرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك، قبيل مباراة النهائي على بطولة كأس الأمم الأفريقية الذي ربط من قبل بين خسائر فريقه والسحر والشعوذة التي يقوم بها أعداؤه من الفرق الأخرى، وخاصة فريق الأهلي الذي اتهمه بممارسة أعمال السحر لحصد البطولات. ويتساءل أكثر من كائهن من أهل القرية هل سيفعلها مرتضى ويتردد على قريتهم طالباً منهم تحقيق أمنيته الغالية المتمثلة في إحراز النصر واقتناص اللقب الغالي؟ وسبق لمرتضى في العديد من المرات إتهام النادي الأهلي وعددا من النوادي باللجوء للسحرة في ذات القرية، واتهم عصام الحضري حارس مرمى الأهلي السابق باللجوء للسحر مؤكداً انه يرسل معه حراس مرمى من العفاريت يقومون بصد أي هجوم يتعرض له داخل الملعب.