قريع: بدون وحدة الضفة والقطاع لا دولة فلسطينية… واحذر من الاستقواء ببعض المواقف العربية او بطلب الرضا الامريكي

حجم الخط
0

قال ان الحضور العربي المؤثر في القضية الفلسطينية انخفض الي درجة تقع فوق الصفر بقليل… وعالم اليوم يمتلك اكبر قدر من النفاق والخداع

رام الله ـ “القدس العربي” ـ من وليد عوض: حذر احمد قريع رئيس الوزراء الفلسطيني الاسبق مفوض عام حركة فتح عضو اللجنة المركزية للحركة من حالة الانقسام السائدة فلسطينيا بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ورافضا الاستقواء ببعض المواقف العربية، او بطلب الرضاء الامريكي.

وشدد قريع في حديث صحافي مطول علي مواجهة المتغيرات والتدخلات الخارجية علي الساحة الفلسطينية، ومطالبا بالتمسك اكثر من ذي قبل بالصيغة الحالية لمنظمة التحرير وتحسينها نوعياً، في ظل ظهور ملامح تشكيلات فصائلية ـ حزبية، قد تؤدي الي خلق مراكز قوي جديدة، ربما بدعم امريكي او غيره، كبديل عن منظمة التحرير وفتح وغيرها، علي نحو ما فاحت منه رائحة المقال الاخير لدنيس روس وما تقوم به بعض القوي والاطراف الامريكية والاسرائيلية بالفرز بين الاشخاص والقيادات في المنظمة، وفي فتح بعد ان طربت لعملية الانقسام والفرز بين الفصائل والقوي الفلسطينية.

وعلي خلفية الانقسام علي الساحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس كان هذا الحوار المطول مع احمد قريع احد مهندسي اتفاقية اوسلو وابرز القيادات الفلسطينية التي رافقت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات: بداية ما رأيك في الانقسام الحاصل علي الساحة الفلسطينية حاليا؟ وهل هو مختلف من حيث الشكل والسلوك والاداة عن الانقسامات والخلافات الفلسطينية السابقة التي حدثت في التاريخ الفلسطيني؟ يختلف الانقسام الذي تشهده الساحة الفلسطينية الآن، عن كل ما سبقه من انقسامات سابقة، سواء اكان ذلك من حيث الخلفية، او من حيث الدوافع، او حتي من حيث الشكل والسلوك والاداة المستخدمة.

من حيث الخلفية، حدثت خلافات سابقة علي ارضية رؤي واختيارات سياسية، بين برامج ووجهات نظر وتوجهات واجتهادات وطنية متفاوتة الاولويات، عند المرور علي مفترق طرق حادة، مثل الخلافات الحادة التي حدثت عام 1974 لدي تبني منظمة التحرير للبرنامج المرحلي النقاط العشر او لدي التوقيع علي اتفاق اوسلو عام 1993. اما هذه المرة فان الخلافات الحادة ادت الي حالة من الانقسام علي خلفية قوامها خليط من محاولات الانقلاب المتدرج علي طريق الالغاء والاستئثار من جهة والتعطش للسلطة والامساك بها من جهة اخري.

ومن حيث الدوافع، كانت الخلافات السابقة تقع تحت تأثير دوافع تتراوح بين السعي للدفاع عن وجهة نظر او موقف سياسي وطني، وبين السعي للحصول علي مركز افضل في دائرة صنع القرار السياسي الفلسطيني، دون الانحدار الي درك امتشاق السلاح لاملاء موقف او رؤية ملتبسة، علي نحو ما جاءت عليه دوافع الانقسام القائم.

ومن حيث الشكل والسلوك والاداة، فقد كانت الخلافات السابقة تتحاشي دائماً القطيعة السياسية من منظمة التحرير، وتترفع عن خطيئة الاقتتال والاغتيال والامر بالقتل، وتذهب الي الرأي العام لكسبه الي جانبها، وبالتالي تحصين خطها السياسي عبر نسج اوسع قاعدة ممكنة من التحالفات داخل البيت الفلسطيني، علي العكس تماماً من سائر المظاهر التي ميّزت الانقسام الحالي.

كذلك فان كل الخلافات السابقة لم تكن من صنع الخارج وان تأثرت به، ولم تعمل في حقل هذا النظام او ذاك، وان فرضت الجغرافيا السياسية منطقها، ولم تنضوِ في اطار تحالفات عابرة للحدود، وتجنبت دائماً شبهة الارتباط الخارجي تحت كل الظروف، علي خلاف ما بدا عليه الانقسام الراهن.

لعل المرة الوحيدة التي بدا فيه الانقسام الفلسطيني ذاهباً الي مداه الاخير، اي الي حد الاستئصال والالغاء، وجري فيه استخدام السلاح واراقة الدماء وانتهاك الخطوط الحمر، كانت عام 1983، حين تجاوز الخلاف تقاليد الخلافات الفلسطينية الداخلية المعتادة وخطط له ليشكل انقلابا. وهناك انقسام جغرافي ايضا؟ وقع الانقسام الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1948، واعاد الاحتلال الاسرائيلي، بحكم سياسة الامر الواقع بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967، توحيد الجزئين والمجتمعين المتباعدين، اللذين تبادلا لاول مرة بعد عقدين من الزمن الصلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتقاسما ظلم الاحتلال وجبروته، وقاوما الاحتلال معاً في اطار حركة فلسطينية وطنية تعددية واحدة للخلاص من ربقة الاحتلال.

ثم جاءت اتفاقية اوسلو لترسي علي نحو رسمي معترف به، ولاول مرة، وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة جغرافية وسياسية واحدة، وذلك علي نحو ما جسدته ادارة وحكومة وسلطات ومؤسسات واجهزة وميزانية السلطة الوطنية، ناهيك عن تجربتيّ الانتخابات الرئاسية والتشريعية، مما اوجد حزمة من الروابط القانونية والتشريعات الدستورية وغير ذلك من التعبيرات السياسية المحققة لوحدة الوطن بجناحيه.

وعليه، فان الانقلاب القائم احدث اول قطع عملي ملموس في وحدة الولاية الاقليمية للسلطة، وفتح طريقاً عريضاً امام تبلور مصير سياسي مختلف لقطاع غزة عنه في الضفة الغربية، واسس لانفصام اداري مالي جمركي تربوي وغيره، قد يؤدي مع مرور الوقت الي تكريس واقع الانفصال السياسي والجغرافي معاً، اذا لم يتم تدارك هذا الوضع الخطير الذي قد يبدو للبعض وكأنه انجاز يجب الحفاظ عليه والتمسك به والدفاع عنه، وقد يبدو للبعض الآخر وكأن غزة هم يجب الخلاص منه، لا سمح الله، وكأن الانقلاب الذي حدث يشكل فرصة حانت يجب استغلالها كما هي مخططات اسرائيل منذ زمن طويل، وجميع هذه التصورات الخطيرة يجب محاربتها والوقوف امامها بحزم فبدون وحدة الضفة والقطاع لا دولة فلسطينية علي الاطلاق. التطورات كان لها انعكاس ايضا علي الحالة الاقتصادية الاجتماعية؟ يعرف الاقتصاديون وقطاع رجال الاعمال اكثر مما يعرف السياسيون، مدي مخاطر الانقسام الراهن بين جناحيّ الوطن علي الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية الهشة للشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، ويدرك اولئك الاختصاصيون اكثر مما ندرك نحن طبقة المشتغلين بالهموم السياسية، شدة ضعف آليات تطوير الاقتصاد الفلسطيني، ومحدوديته الي جانب محدودية السوق الداخلي، وعمق تأثير الحواجز والاغلاق والحصار وسائر الاجراءات والقيود المفروضة علي الاقتصاد الوطني، فما بالكم اذا ادي الانقسام بين الضفة والقطاع الي الحاق ضعف اشد بمقومات هذا الاقتصاد الضعيف اصلاً، وادي ايضاً الي تضييق نطاق السوق اساساً واغلاق المعابر البرية والبحرية والجوية لقطاع غزة، واخضع القطاع الي حصار مديد سوف يؤدي الي تقويض مقومات اقتصاد متهالك، وتدمير القطاع الخاص بالكامل، اذا ما طال امد الحصار واشتدت مضاعفاته علي الحياة اليومية لنحو مليون ونصف المليون مواطن. لذلك، فان السلطة الوطنية، ومن منطلق وعيها الكامل واستشرافها لآثار الانقسام الراهن، تبذل ويجب ان تبذل كل ما في وسعها لتلافي تداعيات هذا الانقسام، ودرء مضاعفاته بعيدة المدي، وكبح آثاره المدمرة لكل مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القطاع المعزول عن العالم بأسره. كيف تقيم دور الفصائلية الحزبية.. قوي منظمة التحرير؟ بدت فصائل العمل الوطني المنضوية تحت راية منظمة التحرير، علي درجة كبيرة من القلق الذي يخالطه الجزع مما وقع في قطاع غزة، واظهرت هذه القوي حذراً عالياً بالمسؤولية ازاء حاضر ومستقبل اللحظة السياسية الفلسطينية الراهنة، علي نحو اشد وضوحاً مما كان عليه خطابها السياسي من قبل، حين كانت تكتفي بابداء الغضب وعدم الرضا فقط علي مجريات المفاوضات واللقاءات والاتفاقيات المعقودة سابقاً بين فتح وحماس، ولا يلهج لسانها سوي باللوم علي ما اسمته محاصصة، هي بالفعل ابعد ما تكون عن الشراكة السياسية الجامعة لمختلف الوان الطيف الفلسطيني.

ولعل الحيوية التي تبديها القوي والفصائل والاحزاب والفعاليات الوطنية، في مرحلة ما بعد الانقلاب وسقوط فلسفة المحاصصة السياسية، تعبر عن نفسها الآن من خلال عدة مظاهر، في مقدمتها السعي الحثيث لاستعادة الدور الفاعل لمنظمة التحرير ومؤسساتها، والاجماع علي ضرورة انهاء الانقلاب الحمساوي واعادة الاوضاع في غزة الي سابق عهدها، والتوافق علي العمل الدؤوب للحفاظ علي وحدة الوطن بجناحيه عبر كل الوسائل القانونية الممكنة، وما الي ذلك من مظاهر عافية وتوحد اخري افتقدها الصف الوطني طويلا.

من هنا تتجلي اهمية الدفع بشكل منهجي لعقد شراكة سياسية طويلة المدي بين سائر القوي الوطنية الفلسطينية وخاصة المنضوية تحت لواء منظمة التحرير، ليس علي قاعدة تحقيق مكاسب جزئية لهذا الطرف او ذاك، او مواجهة ازمة كبيرة كانت ام صغيرة قد تقع اليوم او غداً او بعد غد، وانما علي اساس عريض من الاهداف الوطنية والبرامج السياسية والادوات الكفاحية الملائمة لكل مرحلة بعينها. ولعل عقد المجلس الوطني الفلسطيني في وقت قريب، يكون تتويجاً لكل هذه الجهود والمساعي الرامية لتحقيق انطلاقة حقيقية وكبيرة لمثل هذه الشراكة السياسية وتفعيل م.

ت.

ف، واتاحة المجال لجميع القوي الراغبة بالانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية. ما هي رؤيتك لحاضر ومستقبل العلاقة بين فتح وحماس؟ يكاد يكون ماضي العلاقة بين فتح وحماس خالياً من اي مشتركات سياسية كفاحية فكرية، بين حركة اسست مع غيرها من فصائل العمل الوطني لمسيرة نضالية حافلة بالعطاء، وقادت منظمة التحرير، وفجرت الكفاح المسلح في الانطلاقة التاريخية الاولي عام 1965، واحدثت التحول الاكبر في المسار الفلسطيني عام 1993، وبنت اول سلطة وطنية علي اول ارض فلسطينية، وبين حركة اخري جاءت متاخرة نحو ربع قرن عن انطلاق الثورة الفلسطينية، وطرحت نفسها فيما بعد علي انها البديل لكل ما هو قائم في الحياة السياسية الفلسطينية.

لم يعرف الماضي بين فتح وحماس اي نوع من التحالفات الجبهوية، او صيغ العمل المشترك، او حتي التوافق خلال مرحلة الانتفاضة الاولي، حيث كانت حماس تحرص علي ان تحدد مواعيد الاضرابات مثلاً علي نحو مختلف عما تحدده قيادة الانتفاضة، كما رفضت الحركة الاسلامية الدخول في منظمة التحرير، الا بشروط لي الذراع، ورفضت ايضاً المشاركة في السلطة باعتبار ان هذه احدي مخرجات عملية اوسلو، وكانت طوال الوقت تؤقت عملياتها التفجيرية مع ظهور اي بادرة لتحقيق انفراج او تقدم في مسار العملية التفاوضية، وكانت تقوض كل جهد من شأنه ان يؤدي الي التهدئة او الهدنة المؤقتة، او غير ذلك من الوقائع التي لا حصر لها، خصوصاً منذ العام 1996. تصرفت فتح دائماً كام الولد الحقيقية، وظلت تمد يدها بالحوار والتفاهم تحت كل الظروف القاسية، حتي عندما كانت ردود الفعل الاسرائيلية الانتقامية تنصب علي فتح وعلي السلطة واجهزتها، لذلك فقد رحبت فتح وشجعت قبول حماس بالتهدئة من جانب واحد عام 2005، وابدت استعدادها لاعادة بناء منظمة التحرير علي نحو يتيح لحماس المشاركة السياسية الواسعة من داخل بيت الشرعية الفلسطينية الاعلي، واستقبلت فتح قبول اشتراك حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة بترحاب حقيقي، حيث رأت في ذلك خطوة كبري علي طريق تصليب عود الوحدة الوطنية.

ولا يتسع المجال لعرض الكثير من الوقائع والحقائق التي اكتنفت العلاقة الثنائية بين فتح وحماس طوال فترة ما قبل الانتخابات التشريعية الاخيرة، اذ تكفي نظرة سريعة علي هذه العلاقة عبر الثمانية عشر شهراً الماضية لاعادة تعريف هذه العلاقة، وفق ما رشحت به التطورات الاخيرة المتعاقبة. حيث تبدو العلاقة بين الحركتين في هذه الآونة علي انها علاقة:1 ـ تفتقر الي القواسم السياسية والوطنية المشتركة الجامعة.2 ـ علاقة يسودها التناحر الشديد، ليس فقط علي السلطة الوطنية ومقراتها مثلاً، وانما ايضاً علي قلب منظمة التحرير باعتبارها المرجعية العليا الفلسطينية، وبيت اتخاذ القرار المركزي الاعلي.3 ـ علاقة يشوبها الحس بالخديعة من حانب فتح التي سهلت اجراء الانتخابات التشريعية، وسلّمت السلطة بسلاسة، وشكلت غطاءً سياسياً لحكومة حماس في وجه حصار خانق، ووقعت العديد من الاتفاقيات والتفاهمات مع الحركة الاسلامية، وتلافت باصرار وقوع اي شكل من اشكال الحرب الاهلية، لتجد نفسها اخيراً عرضة للاغتيال والاستئصال والاجتثاث الفعلي وفق ما تنطق به الوقائع الجارية في قطاع غزة.4 ـ علاقة تنزلق نحو قطيعة تامة، اذا ما استمر الانقلاب علي حاله، وطال امد اختطاف قطاع غزة، وجرت وقائع اخري محتملة، قد تؤدي ليس فقط الي عداوة بين الحركتين فقط، وانما كذلك الي حدوث انقطاع تام بين جناحي الوطن، وبالتالي تقرير مصير القطاع علي نحو مغاير لمصير الضفة.

لذلك كله، فان جهداً مضنياً ينبغي بذله بشكل متواصل للحيلولة دون تكريس حقائق الامر الواقع، في مقدمتها تكثيف الضغوط الداخلية الفلسطينية، سواء من جانب قوي العمل الوطني او فاعليات المجتمع المدني الفلسطيني، لحمل حماس علي انهاء انقلابها الدموي وانهاء كل تداعياته واعادة كل الامور كما كانت قبل الانقلاب ولاعادة اللحمة بين جناحيّ الوطن، مع مواصلة السعي لتخفيف آثار الحصار الخانق علي شعبنا في القطاع المحاصر. ما هو تقييمك لواقع حركة فتح؟ 1 ـ حركة كبيرة قائدة، فقدت زعيمها التاريخي، تتعرض منذ فترة لحملة تشويهية منهجية قاسية، من داخلها، ومن الخارج المعادي.2 ـ حركة خسرت معركة الانتخابات التشريعية، ثم معركة الدفاع عن السلطة الوطنية في غزة، وهي تتجرع الآن مرارة الهزيمة القاسية وغير المفهومة.3 ـ حركة غير قادرة بعد علي تجديد الدماء في عروقها، تعاني من مثالب وعيوب واخفاقات السلطة التي اسستها هذه الحركة، من غير ان تظهر استجابة كافية لهذا التحدي المرفوع في وجهها منذ مدة.4 ـ حركة فشلت الي اليوم في تحقيق رهانها السياسي الاكبر، الذي بررت به التحول في المسار الفلسطيني، وانخرطت علي اساسه في العملية السلمية المتعثرة بشدة، وعقدت علي هذه العملية رهانها المذكور.5 ـ حركة تمسك بآخر معاقلها في رئاسة السلطة وفي قيادة منظمة التحرير، وتحاول استعادة زمام الموقف، وفتح آفاق سياسية واعدة، ودرء مخاطر ما حدث في غزة عن مجال وحياة الناس والسلطة في الضفة الغربية.6 ـ حركة تتمتع بعلاقات دولية مهمة، وفهم دولي واسع لواقعيتها وموضوعيتها وتجاربها النضالية العظيمة، ولقدرتها علي مقاومة الاحتلال ومنع اتساع نطاق ظاهرة التطرف، وكيفية حماية حركة النضال الوطني الفلسطيني.7 ـ حركة لديها سجل حافل بالقدرة علي معاودة النهوض، واجراء الحساب مع النفس، وتجديد الحضور الفاعل بعد كل انتكاسة تلحق بها، حتي وان استغرق الامر بعض الوقت.8 ـ حركة تُجمع عليها مختلف قوي الصف الوطني، وتري في عافية هذه الحركة دليلاً قاطعاً علي عافية الشعب الفلسطيني، ان لم نقل انها ضمانة نجاح المشروع الوطني الاستقلالي.9 ـ حركة ذات قاعدة شعبية عريضة، وطاقات داخلية لا حصر لها، تحتاج اليوم اكثر من ذي قبل الي اعادة اللحمة الي صفوفها، وانجاز عقد مؤتمرها العام السادس، القادر وحده علي تلبية سائر الاستحقاقات الداخلية للحركة.10 ـ حركة برغماتية ليبرالية منفتحة علي الغير، تؤمن حقاً بالديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير، وكل ما من شانه ان يطمّن المجتمع الفلسطيني علي خياراته المستقبلية، خاصة بعد تتابع علائم وضع معاكس في قطاع غزة. وماذا بشأن منظمة التحرير الفلسطينية؟ 1 ـ لا تزال منظمة التحرير الفلسطينية، رغم كل ما لحق بها من تهميش، تكتسب صفة الممثل الشرعي الوحيد والمرجعية السياسية الفلسطينية العليا، ذلك دون منازع.2 ـ منظمة التحرير هي اكثر الصيغ الجبهوية نجاحاً واستمراراً عبر العقود الماضية، وبين سائر الصيغ المماثلة لدي حركات التحرير الوطني في العالم.3 ـ في الوقت الذي نالت فيه منظمة التحرير جدارتها واهليتها التمثيلية الجامعة من خلال الشرعية الثورية، فان تجديد مثل هذه الاهلية تحتاج الي عملية دستورية ديمقراطية لا تتحقق الا عبر اجتماعات شاملة لمؤسساتها التشريعية والتنفيذية.4 ـ ان مفهوم تفعيل منظمة التحرير وزيادة حضورها وفعاليتها في الحياة السياسية الفلسطينية، هو مفهوم ملتبس، يعني به البعض نسف المنظمة واعادة بنائها وفق رؤية واجندة خاصة، ومن ثم الاستيلاء عليها باعتبارها المفتاح الذهبي لباب صنع القرار المرجعي الفلسطيني، مما ينبغي معه توضيح مفهوم التفعيل ومضامينه العملية، هذا قبل الشروع في اي حوار داخلي حول المنظمة الام التي لا يُفرّط بها ابدا. 5 ـ تستدعي الحاجة، ومتطلبات مواجهة المتغيرات والتدخلات الخارجية المغرضة، التمسك اكثر من ذي قبل بالصيغة الحالية لمنظمة التحرير وتحسينها نوعياً، خاصة مع ظهور ملامح تشكيلات فصائلية -حزبية، قد تؤدي الي خلق مراكز قوي جديدة، ربما بدعم امريكي او غيره، كبديل عن منظمة التحرير وفتح وغيرها، علي نحو ما فاحت منه رائحة المقال الاخير لدنيس روس وما تقوم به بعض القوي والاطراف الامريكية والاسرائيلية بالفرز بين الاشخاص والقيادات في المنظمة، وفي فتح بعد ان طربت لعملية الانقسام والفرز بين الفصائل والقوي الفلسطينية.6 ـ قد يكون عقد المجلس المركزي بانتظام، وعقد المجلس الوطني في وقت لاحق من هذا العام، اكثر الاجوبة الفلسطينية نجاعة علي الانقلاب في قطاع غزة، وقد تشكل استعادة حيوية المنظمة رافعة فلسطينية كبري للنهوض الفاعل علي المستوي الوطني الفلسطيني العام، بما في ذلك تجاوز آثار الانقلاب او محاصرتها في اضيق مساحة سياسية ممكنة. وماذا عن عملية السلام؟ وما هي اسباب جمودها وتعثرها؟ قد يكون من باب التسرع القول ان جمود عملية السلام وتعثرها الطويل، كانا بسبب عامل واحد او بفعل فاعل ذي هوية محددة ومعروفة. كما ان من التعسف القول ايضاً انه اذا كانت هناك عدة عوامل تقف وراء حالة الجمود والتعثر هذه، فان نصاب المسؤولية عن هذه الحالة تتقاسمه تلك العوامل بالتساوي.

وبحكم خبرتي الطويلة، ومعرفتي التفصيلية بشؤون عملية السلام وشجونها الكثيرة، استطيع ان اُقسّم الاسباب والمسببات كلها الي ثلاثة مجموعات فرعية: الاولي: تتمثل في الاسباب والعوامل الكامنة في تكوين وانبثاق عملية سلام هشة، اعتمد تنفيذها علي مدي رغبة الطرف الاقوي في المعادلة، بل وعلي فهمه احياناً، لفحوي هذه العملية، حيث ظل الجانب الاسرائيلي لا يري منها سوي الجانب الامني والاعتبارات الامنية.

ومع انه كان هناك جدول زمني يحدد آجال الانتهاء من تنفيذ الخطوات المتعاقبة للمرحلة الانتقالية الوسيطة، الا ان تضاؤل الرغبة الاسرائيلية في الالتزام، ان لم نقل تآكلها علي حجر رحي الاعتبارات الحزبية الائتلافية الحكومية في اسرائيل، قد طوّح بالجدول الزمني وبالعملية السلمية ذاتها.

الثانية: تتمثل في تغير معطيات البيئة الاقليمية والدولية المحيطة بعملية السلام هذه، تغيراً شديداً عما كان عليه حال هذه البيئة غداة بدء تطبيق هذه العملية، فعلي المستوي الاسرائيلي بات اعدي اعداء عملية السلام جالسون في سدة الحكم، وعلي المستوي الدولي وقع الحدث الزلزالي المتمثل في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، حيث انصرف العالم بقيادة امريكا الي خوض معركة كونية ضد الارهاب، اما علي المستوي العربي فقد انخفض الحضور المؤثر في القضية الفلسطينية الي درجة تقع فوق الصفر بقليل.

بكلام آخر فقد ادي تغيّر المناخ السياسي، الذي كان يشكل حاضنة ملائمة لعملية السلام، تغيراً بلغ درجة الانقلاب راساً علي عقب، الي الاستفراد بالفلسطينيين والي عزلهم في بعض الاوقات، وانكشافهم سياسياً امام اعاصير كل تلك التغيرات غير المواتية لاقلاع عملية السلام من شواطئها الضحلة الي اعالي البحار العميقة.

الثالثة: تتمثل في تضارب الرؤي واختلاط الاجندات، واشتداد حضور قوي الشد العكسي، وضعف الاداء الذاتي، وما الي ذلك من عوامل اقل شاناً ساهمت، مجتمعة، في تفتيت القدرة الفلسطينية، والحيلولة دون تعظيم الفرص، ومنع البناء علي ما تحقق، وهو ما لا يتسع المقام لشرحه او الاطالة فيه. وبهذا الصدد ما هي عوامل النجاح المأمول وبواطن الفشل المحتمل؟ لعل اعادة النظر في جملة العوامل التي ادت الي جمود عملية السلام وتعثرها طوال السنوات الطويلة السابقة، يؤدي الي استخلاص اسباب النجاح المامول فيه، او علي اقل تقدير تجنب بواطن الفشل المحتمل لاي عملية سلمية قد يتم اطلاقها في الخريف المقبل.

اذ تعلمنا التجربة الغنية، والخبرات الشخصية المتراكمة عبر سلسلة من المحطات التفاوضية السابقة، ان عوامل الفشل كانت تتقدم دائماً علي عوامل النجاح، وان القوي الكابحة، والشكوك المتبادلة، فضلاً عن الافتقار الي مرجعيات ومعايير موضوعية مستقلة، كانت جميعها هي العناصر المقررة طوال ذلك المسار الذي لم يشهد سوي عدد قليل من البدايات المبكرة الناجحة نسبيا. ذلك ان رؤية عامة، يقف صاحبها علي مسافة زمنية مناسبة من المجري الرئيس للعملية السلمية، تقوده بالضرورة الي اجراء تشخيص موضوعي لاهم تلك العوامل والاسباب والمكونات التي ادت الي ما آلت اليه العملية السلمية من جمود طويل وتعثر شديد خلال المرحلة السابقة، ومن اهم ذلك:

اولاً: الافتقار الي اي قدر من توازن القوي بل التحكم المطلق من قبل طرف وهو اسرائيل لاكبر درجات القوة المادية والبشرية والعسكرية المزودة بترسانة عسكرية تمتلك احدث الات الحرب والدمار واكثرها تطورا، مما يشكل مدعاة الصلف والغرور والعمل علي التحكم بنتائج الحل ومحاولات فرضه بمنطق القوة، صحيح ان الجانب الفلسطيني يمتلك قوة غير محدودة من قوة الارادة والايمان بالحق والعدالة، ولكن عالم اليوم مع الاسف الشديد هو عالم يمتلك اكبر قدر من النفاق والخداع وذاكرة قادرة علي النسيان.

ثانياً: الافتقار الشديد لدي جانبي النزاع الي ثقافة سلمية عميقة، ذات قدرة ذاتية كافية للصمود في مواجهة عواصف الشك المتبادل، ومقاومة مشاعر الكراهية المتقابلة، وتجاوز العقد التاريخية المستحكمة في العقل الجمعي لكلا الطرفين، خاصة لدي الطرف الاسرائيلي المصاب بعقدة خطر الابادة والمحرقة، وكل ما حفل به التاريخ اليهودي علي مر الحقب الماضية.

ثالثاً: ضعف المصالح المشتركة، وضآلة نقاط التبادل المباشر بين طرفين مختلفين في درجة تطورهما الاقتصادي والاجتماعي، ومتباعدين في خلفيتهما الثقافية، ومتناقضين علي مستوي الرؤية والتطلعات والاهتمامات والارتباطات والمآلات، الامر الذي دفع بخيار السلام بعيداً عن مقدمة الاجندة العامة للجانبين، سيما الجانب الاسرائيلي.

بل انه بدا لنا في كثير من المراحل والمواقف والمحطات، ان هناك مصالح اسرائيلية حقيقية ومباشرة، في عرقلة عملية السلام، او حتي تقويضها بالكامل، ليس فقط من اجل توسيع الاستيطان ونهب الارض، او من اجل الاستفراد بسوق فلسطينية تبلغ مستورداتها من اسرائيل نحو الفي مليون دولار سنوياً، وانما فوق ذلك بدا لنا في كثير من الاوقات ان هناك شبكة مصالح خاصة للقادة والضباط والمتقاعدين وغيرهم من القيادات الاسرائيلية وحتي من بعض المفاوضين الذين كانوا يستفيدون مباشرة من ادامة الاحتلال والاغلاقات والاحتكارات، وابطاء عملية التطبيق، وما الي ذلك من عوامل كانت تعود عليهم بعوائد مالية مباشرة.

رابعاً: عدم وجود طرف ثالث مؤهل وقادر علي مراقبة التطبيق وانفاد التعهدات والالتزامات المتقابلة، وهو امر حرصت عليه اسرائيل بشدة بالغة طوال الوقت تحت سلسلة من الذرائع والتبريرات الهادفة الي جعلها في وضع تقوم فيه مقام الخصم والحكم والجلاد معا.

وقد كان الحرص العنيد من جانب اسرائيل علي تغييب اي طرف ثالث يقوم بدور الشاهد او المحكّم، مما ادي الي فشل كل التدخلات والوساطات والمبادرات الدولية والعربية، بما في ذلك المبادرات الامريكية العديدة. الي اين وصلت الامور؟ بالنظر الي جلافة الحقائق القائمة علي الارض، وفظاظة الممارسات الاسرائيلية المتوغلة في وحشيتها ضد الانسان الفلسطيني وارضه، وعنجهية الخطاب الاسرائيلي وتعاليه عن تحسس آلام وآمال الشعب الفلسطيني الذي ينوء تحت نير الاحتلال والاستيطان وجدار العزل والحواجز والمعابر وكل ما يقع في نطاق الرؤية المباشرة، فان السؤال المطروح ـ الي اين وصلت الامور؟ يبدو سؤالاً مفرطاً في ترفه، ان لم نقل في سذاجته السياسية، طالما ان الاحتلال هو الاحتلال، تماماً كما ان الماء هو الماء.

ولعل من بين اهم المكونات القائمة علي الجانب الآخر من المشهد القائم، المبررة لطرح السؤال حول ـ الي اين وصلت الامور؟ والقادرة علي تقديم اضاءات قوية قد تسعف في الاجابة الموضوعية علي هذا السؤال المترف لاول وهلة، هي العناصر الايجابية، التي يجدر استحضارها ليس فقط من اجل انعاش الذاكرة الوطنية، وانما كذلك من اجل الوقوف علي المشهد بكل مكوناته الشاملة، ومن اهمها:

الاولي: ان اتفاقية اوسلو المؤسسة لعملية السلام التاريخية، والتي تبدو اليوم مثل رغيف الشعير الماكول المذموم، اتفاقية قانونية لم يتجرا اعدي اعداء عملية السلام علي اسقاطها او الغائها، او التنصل رسمياً من التزاماتها، رغم كل ما جري من محاولات لوادها او طرحها جانبا. وفوق ذلك فان هذه الاتفاقية هي حجر الاساس الاكبر، لكل هذه البنية السياسية الفلسطينية القائمة، وهي الحاضنة الكبري لكل التطورات والمكتسبات التي قادت الي اقامة السلطة، واجراء الانتخابات التشريعية، وبناء الاجهزة والمقرات، ورفع العلم الفلسطيني بحرية، وادامة الاشتباك المتواصل، من فوق رافعة هي اعلي بكثير من تلك الرافعة التي كانت متاحة لنا، ومن مسافة بعيدة عن فلسطين، في زمن ما قبل اوسلو الذي ضاقت فيه السبل وكادت تنعدم فيه الخيارات، خاصة بعد حرب الخليج الاولي 1991. الثانية: ان لدينا الآن مرجعيات ارحب، ومعايير اوضح، واوراقاً اوزن، ومكاسب علي الارض لا يمكن انتزاعها، وذلك علي نحو لم يكن عليه حالنا حين بدات الخطوات الاولي لهذه العملية، التي انطلقت وايدينا خاوية، وخياراتنا الاستكشافية حائرة، وثقتنا من صحة وسلامة دربنا لم تكن علي هذه الدرجة من اليقين التي هي عليها اليوم.

فعلي مستوي المرجعيات لدينا اليوم، ما هو اكثر من اتفاقية اوسلو التاسيسية، سواء اكان ذلك علي صعيد قرارات مجلس الامن الدولي، او علي صعيد الاتفاقيات المرحلية غير المنفذة، او كان في نطاق ما يعرف باسم خارطة الطريق ورؤية الرئيس بوش او علي اساس مبادرة السلام العربية، الامر الذي يجيب جزئياً علي السؤال المطروح: الي اين وصلت الامور حالياً؟.

بكلام آخر، لدينا اليوم مكتسبات قائمة، وحقائق موضوعية مستقرة في الوعي الدولي، وتراث كبير من الوثائق والسجلات التفاوضية المتراكمة عبر محطات امتدت من اوسلو الي طابا، مروراً باستكهولم وكامب ديفيد وغيرها الكثير، اي اننا الآن لا نراوح فوق نقطة الصفر التي بدأت عندها مراوحاتنا لدي بدء هذه العملية الطويلة، فهل يقبل الجانب الاسرائيلي ذلك ام انه يريد ان يبدا من جديد بشي جديد. الثالثة: ان الارادة الفلسطينية، والاصرار الوطني علي التمسك باهداف الحرية والاستقلال، لم تنل منها الحملة الاسرائيلية المنهجية الطويلة لكسر هذه الارادة، او ثنيها عن مواصلة التمسك بهدف قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين علي اساس قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 194، وذلك رغم كل ما اعتور الاداء الذاتي من مواطن خلل عديدة، وكل ما لحق بادواتنا الكفاحية من ضعف كبير، في مقدمتها اوضاعنا الداخلية وخاصة بعد الانقلاب في غزة مؤخرا.

ولعل التحرك الدبلوماسي الدولي الاخير، والاحتضان العربي الواسع للشرعية الفلسطينية بعد الانقلاب عليها، والحراك الداخلي الذي ينم عن ارتفاع درجة الوعي بمتطلبات هذه المرحلة، بما في ذلك استرداد منظمة التحرير من مكانها الهامشي في الحياة الوطنية الفلسطينية، هو الدليل بعينه علي امكانية التفهم الدولي لنا بالاستجابة لتطلعاتنا المشروعة، وفوق ذلك اشارة علي اننا قطعنا شوطاً مهماً علي الطريق، اذا ما تساءل سائل: اين وصلت الامور في هذه الآونة؟.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية