هذا ما كان يردده عبد الستار ـ شخصية’كوميدية”ظريفة في المسلسل التلفزيوني التونسي ‘الخطاب على الباب’ ـ كلما أفزعه أدنى شيء أو ضاق ذرعا بكلمات عابرة’ظنها’عاتية أو مواقف هزلية بدت له مؤذية، لينتهي به المطاف إلى الإضرار بجيرانه وأقاربه وأصدقائه والانفصال عن زوجته بهيجة لأسباب واهية. ويبدو أن وضعنا الراهن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل والتمر بالجمر لا يختلف كثيرا عن ذلك، خاصة إذا ما علمنا أن فئات من مجتمعات الربيع العربي، وفي مقدمتها النخبة السياسية، تعودت على مواجهة الغير بتهديدات من قبيل:’سأحملك مسؤولية تصريحاتك أمام القضاء سأتصل بالسيد حاكم التحقيق لتسليمه وثيقة عنك لماذا لم يتحرك النائب العام من تلقاء نفسه لإلقاء القبض عليه ومقاضاته – هلموا غدا أمام المحكمة لمساندتي قبل التحقيق وبعده، اجمعوا القرائن وحرروا العرائض لمقاضاة هذا السياسي ـ وغير”ذلك من الكلام الذي لم يعهده العامة في السابق. وقد رأينا وزارات بطم طميمها وعظمة شأنها تصدر بيانات تندد فيها بأفراد من المجتمع وتتوعدهم بالمثول أمام القضاء لتصريحات ما، وشاهدنا أفرادا وجماعات ونقابات’يهرعون لمقاضاة وزراء ورؤساء أحزاب وجمعيات ومؤسسات إعلامية وغيرها، ولم يسلم منهم نواب الشعب ولا رموز الحكم. وأصبح لنا’أناس يمتهنون الخصام السياسي والحزبي، ويتفننون في تجهيز’الملفات’ويشتغلون باستمرار تحت راية ‘قضية عن كل كلمة وجلسة عن كل حركة’. وباتت المقولة الشعبية التونسية ‘سيدي حاضر يا شكاية’ متنفسا لكل من يروم تلميع صورته، والتعريف الإعلامي والحزبي بنفسه باسم الدفاع الدائم عن الحقوق، أو كما جاء في ‘كتب العدل’ من جمهورية افلاطون: ‘يربح اسم العدل وشهرته ويتمكن من ترقيع ما تمزق من سياسته بواسطة البلاغة في خطابه فيقنع الناس بعدالته’. ومثل هذا الأمر يبدو للوهلة الأولى مثقلا لكاهل الجهاز القضائي لما تشوب مسالكه من مبالغات ومغالطات بتعلة البحث عن الحقيقة، وينم في ذات الوقت عن سوء تقدير لمفاهيم الحرية والكرامة والعدالة التي بشرت بها’ثورات الربيع العربي’وهتفت لها سائر الشعوب.’ولا مناص إذا من وضع حد للانعكاسات السلبية’لمثل هذه المواقف والتصرفات’بوضع مدونة سلوك يحتـــــكم إليها الجميع ويعتمـــــد فيها’بالأساس على تحليل الشكاوى وتمحيصها في مرحلـــة ما قبل التقاضي ضمن هيئة قانونية’متخصصة’علها ‘تجــــد طريق التوافق والتراضي وتريحنا بذلك من القضــــايا المبنية على الهواجس والتخمينات.