قصائد الرامي التي رددت أسئلة الوجود!

حجم الخط
0

فيصل عبد الحسن

تتسامى موهبة الشاعر حين يكتب عن موضوعات كبيرة، لها علاقة بالروح الإنسانية، والحب، والبحث عن الفريد المتألق في علاقات البشر، وتكتظ روحه بأسئلة الوجود المحيرة: كيف ومتى ومن وأين؟ وقد جاء في ديوان ‘قمر وشقائق أحزان’ الكثير من هذه الأسئلة، فهي مرة تأتي بالتضمين، ومرة تأتي بشكلها الصريح، فتحيطك بقدرتها، وتشل عقلك عن إيجاد الإجابة الصحيحة، وكل ذلك يحدث من دون أن ينسى الشاعر أدوات الشعر ونقل رقة مشاعر الشاعر، وبحثه الدائم عن العبارة المؤدية، والصورة الشعرية النابضة بالحياة، والموسيقى الشعرية الحالمة، التي سرعان ما ترسم ألوانها وظلالها وأنغامها في مخيلة المتلقي، وتستقر في ذاكرته طويلا.

المعاني الصوفيةيقول في بداية الديوان مخاطبا أحمد، وهو الاسم الذي سيتردد في الديوان، ويعطي انطباعا لمن يقرأه، كأنما يكتب الشاعر ‘عبد الوهاب الرامي’ لولي، أو لرجل مبارك، قصيدة طويلة، مقطعة إلى موتيفات (من الفن الموسيقي) وتذكرك أيضا بمقاطع الشعراء الصوفيين من القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، ونسمعه من خلالها يهمس لأحمد، المعاني التي استخدمها في توطئته للديوان:’يا أحمد… جاءني طيفك في عشية من عشيات ‘إموزار’ الجميلة. والتقيتك مرة ثانية بـ’عين فيتال’و’عين الله’ ثم صادفتك بأصيلا. وقضينا زمنا بين طنجة وتطوان و’باب سبتة’*وامتد السفر. كنت أجهل أنك معي، ولم أفطن إلى أنك كنت رفيقي إلا بعد ان ألم بي الشعر….. واستجمع مزق الرسائل ورحل’. مستويات المعرفةتدهشنا هنا قدرة الشاعر الرامي من خلال نفس شعري رقيق، يعود بنا إلى هواجس الشعراء الصوفيين في القرون الماضية، ويذكرنا بقدرتهم المتميزة في بناء لغتهم الشعرية، وعلى عدة مستويات من الفهم، والمعرفة، مما يجعل قراءات شعرهم مختلفة في أوساط الناس، كما تتعدد تفسيراتهم حول مراد الشاعر في كل قصيدة، فنقرأ من مقطع ‘من مقاطع الديوان بعنوان ‘هنا مر القمر’:’ يا أحمد… اختبأت في ثلج موقود وشربت مدام الشمس في دن موعود والإسفلت يشق طرقي، يشق الدفلى من هنا مر القمر، من هنا مر أيوب، من هنا مر الأصيل، من هنا مر الصهيل، من هنا مرت العيون، من هنا مر المرمر، من هنا مر الوجود.’الصوفيون والشعر ولنا في شعر إبن الفارض خير مثال (توفي في مصر عام 1234م) وكذلك في شعر شمس الدين التبريزي الذي اغتيل في قونية عام 1248م ولم يعرف قاتله، وتقول روايات أخرى انه قتل من قبل حاسدي تلميذه الشاعر جلال الدين الرومي، لأنه فضل مصاحبته عليهم جميعا، ويقال أيضا في رواية مقتله واختفائه: ان التبريزي سمع طرقا على الباب بعد منتصف الليل، فخرج ليستطلع من القادم، ولكنه لم يعد منذ ذلك الحين، وهذه المصائر الصوفية نجدها في صور كثيرة من الديوان. أما صاحبه الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي (توفي في قونية عام 1273م) وقام إبنه وأتباعه، بتأسيس جماعة الطريقة المولوية الصوفية، المعروفة وقد اشتهروا بزياراتهم للمدن والقصبات الصغيرة والقرى، وتقديم دراويشها رقصاتهم الروحية، هناك والتي تتم بالدوران، وتسمى (المولوية) ودليلنا في منحى الرامي الصوفي مقاطع كثيرة في ديوانه، تشي بهذا التوجه: في قصيدة ‘تنويعاتٌ على مَقام الوَسَن’ نقرأ: يا أحمدُ.. هكذا أنا/ تجلِدُني الضّفائر/ واحمرارُ الورد على خدٍّ فاترْ/ وأحنُّ إلى السّبايا / غافياتٍ/ على سطور الدّفاترْ/ أنا اخترتُ المنْفى/ وهذي المرأةُ / لا أعرفها/ لا تعرفُني/ والشوق المرفرفُ بيننا/ سُنونو مسافرْ/ وأنا الرّاهبُ/ من الدّيْر إلى الديْر/ من المبْكى إلى المبْكى/ من المنْفى إلى المنْفى/ رمادَ سجائر/ لفيفا من حزن عاطرْ/ أنا الهاربُ/ لأركبَ/ قوارب النساءِ/ والشّبَقِ الغادر/ وأرحلَ بعيداً/ كما يرحل الطائرْ.’ وأنظر أيضا إلى ما يقوله في ختام’ وشْوشاتٌ ليْليةٌ لآخِر النّجْمات’: واتركْني أكتبُ اللوعة على باطن الأنين/ بقطرات هي الأعوام/ ولوعة هي الأيام/ اسكُبْني شرابا/ وارْوِ عطش الزهورْ/ انزع من بطون القبيلة فتيل الديْجورِ/ وابحث عن امرأة أخرى/ أنت بها أدرى/ تلاعبُك شهراَ/ وتقدحُك عمراَ/ وانتظر زمن الجدْب ثانيهْ/ مكتوبٌ عليك يا صاحبي/ أن تتسلّق كل مرّة مَراقِيَ الحُور/ لترقُب من علٍ مساقط النور/ مكتوب عليك يا صاحبي عطشُ الزهور الحانيهْ/ مكتوب عليك/ فانتظر/ زمن الجدْب/ ثانيهْ.’قصائد رقيقة ويتحول أحمد، في الكثير من مقاطع قصائد الديوان إلى مستمع، وسارد، وضمير أيضا للشاعر يذكر القارئ بما عاشه وما لم يعشه، وبأسئلة الوجود كلها، نقرأ في قصيدة،’ تلك غيْماتٌ وهذا رأسُ الوطنِ المجْنون: يا أحمدُ… لسْنا آسفين/ إن عوّضوا النّصل بالإسفينْ/ قد جرّبوا القيْد والسّوْط والسّكّينَ/ والخنقَ / والشّنق/ والتدجينْ/ لم نمتْ/ ولم نطأْ / أرض اليقينْ.” قمر وشقائق أحزان’ لعبد الوهاب الرامي قصائد رقيقة الحاشية بل من أرق النصوص التي قرأتها عن علاقة الشاعر بما يقع تحت حواسه، ومحاولته نقل إحساساته الجمالية بالأشياء عبر اللغة، وتركيب صوره، وتحميلها موسيقاه الشعرية، بما يذكرك بالشعر الأجنبي المترجم عن الفارسية والتركية والهندية، مستنبطا تقنياته، وابتكار تجربته الشعرية الخاصة به، فهو متميز بمفردته ولونه الشعري الخاص به، وسيتذكر القارئ ‘قمر وشقائق أحزان’ الرامي، قصائد رددت أسئلة الوجود، وقد استطاع أن ينقل من خلالها أعمق المشاعر وأكثرها حميمية لقارئه من دون أن يقع أسير المدارس، والأسماء الشعرية العربية المعروفة، والتي هيمنت على أجيال من شعرائنا وجعلتهم يقلدونها ويضيفون لما هو مكتوب مستنسخا جديدا.* إموزار، عين فيتال، عين الله، طنجة، تطوان، باب سبتة.. كلها أسماء مدن وقرى ومناطق في المغرب.** ديوان قمر وشقائق أحزان صدر عن دار نعمان للثقافة/ جونية-لبنان-2006 ‘ كاتب وناقد عراقي يقيم في المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية