علي الجازوقرب مشفى المواساة السائلون عن عملٍ، المياومون، بثيابٍ كأوراق شجيرات مهملة، في صباحات قاسية، تحت ضياء الشمس. ينتظرون وينتظرون وينتظرون، هاربين من ضلوع أمهات مسنّات، من قرى بعيدة، يعبرهم طلاب المدينة الجامعية، تعبرهم أضواء الخواتم، والأطفال والمرضى والساعات. ينظرون وينتظرون.
أربعة يدخنون من سيجارة واحدة رافعين نظراتهم جهة الغروب! ساحة الأموييننهداي جميلان يا ساحة الأموييننهداي أجمل من طيات النور على شفتيك الكبيرتين.
وخصري أصدق من سيفك- يشنق الهواء.
أقرأ اسم جواهر لال نهرو على لوحة حجرية بيضاء، أقرأ الحديد الأسود على سور مكتبة مختنقة بآلاف الكتب المزيفة.
يا طيور السنونو، أي بلاد حزينة هذه البلاد! في حديقة السبكيالأثر الهادئ لقبلة صغيرة اختفت بظلالأشجار متعانقة مثل أحلام عراكٍ طويل!! والمبنى العريض ذو الطوابق الأربعة، هادئ بشرفاته الفارغة ونوافذه الزجاجية؛ امتصت عن النهار دفأه العاري.
زوار الحديقة صامتون، فوقهم قويةً ترمي السماءُ شباك لوعتها النظيفة.
شاب ذو نظارة سوداء عريضة وصديقته الملحاحةما يزالان في الزاوية اليمنى منذ نصف ساعة، وبائع الجرائد يدخل من البوابة الغربيةحيث السفارة البولندية الخاوية!
لا شيء يحدث هنا.
صوت القطرات يحمل صمت آذان ساهية، والعين وحدها، عين رجل غريب، مشغولة بالسكون الضاري لنهار خريفي! مقهى الروضةبطيئاً يتنفس الجالسون على كراسي المقهى.
يتأملون دخان سجائرهمالملتفة كأنفاس أشخاص آخرين فوق رؤوسهم!
في هذا العدم النائم يلتقي الضيوف، وفراغ الهواء، مثل أنفاسهم، بين صفوفالطاولات الكثيفة، لا يشرك صمته فيجسم كلماتهم اليتيمة.
كان عليهم أن يغادروا واحداً تلو الآخربخطوات عرجاء، ملتفتين دونما سبب، على أقرانهم المغروسين بشحوب في جرائد هرمة.
كان عليهم أن يألفوا الخسارة وعبث الأمكنة!
جامدة آثار أصابعهم قرب المنافض اللامعة، وخشب الكراسي جامد، حوض الماء يحتفظ لا مبالياً بخفة غيابهم!
كان عليهم أن ينتظروا صمتاً آخر، ليتذكروا جذع الشجرة.
كان عليهم أن يصمتوا أكثرليروا السقف القذر، وأيادي الخدموهي تضع الأقداح بلا اكتراث، ليسمعوا صوت رذاذ خفيض، ولا جدوى كلماتهم عن كل شيء:
من الحرب المستمرة كالساعات، وأنباء القتلى والمعتقلين الجدد! حلب- شارع الزهور هنا يتقلب كلُّ شيء، مثلما في البحر عيون الأسماك وحيدة فارغة! أوراق الأشجار المنعكسة في بهاء الشمس، تدّخرُ أمنياتٍ سرية، شأنَ الليل، شأن النهار!! ها المساء ينعطف مثل امرأة؛ لفَّتِ الهواء بثديها، نظرت إلى يدها كما لو أن قلبها تجمّع فجأة في رؤوس أصابعها! الحديقة المنحدرة قرب الأشرفية، امتلأت بصبيان المدرسة. على هذه الشوارع سارت شابة جميلة. تركتْ وعداً مثلما تُترك رسالة في صندوق بريد، لن يفتحه أحدٌ سوى أشباح العزلة. ابتتسمتْ كجسم أيلول، عابرةً بابَ الكنيسة.