قصائد لبو لوسترليند بالسويدية والعربية

حجم الخط
0

أحمد محمّد أمين مساء 23 نيسان / أبريل 2012 يكتظّ بجمهور عربي وسويدي، ففي صالة القراءة بمكتبة ييرفللا أقيمت ندوة ٌ شعرية للشاعر السويدي بو لوسترليند 1923- 1991، شارك في تقديمها عصفوران جميلان امتعا الحضور قراءة ً واداءً، هما السيدة اليزابيث وزوجها الأب الشاعر يوسف متي اسحاق المقيم في السويد. هي تقرأ باللغة السويدية وهو يقرأ بالعربية، عربية دالة ومُشوّقة كما لو كانت الكلمات نابعة من القلب. حتما البداية هي نبذة ٌ عن لوسترليند وسرد موجز عن حياته واسرته، ثم شاعريته وشعره في مراحله العمرية، وامتلاء شعره بنبرة دينية مسيحية. ولعلّ هذا الاستشراق والاستشراف الروحانيين هما اللذان جذبا الزوجين الأديبين لإختيار هذا الشاعر.. القراءة السويدية أمتعت الحضور السويدي عبر القاء رصين مُعبّر شديد الحسّاسية، فاليزابيث استاذة وكاتبة فذة تعرف كيف تغوي انتباه قارئها. وما أنْ تنتهي من فقرة حتى ينبري زوجُها لاعادة ما قرأتْ بالعربية، بلغة صافية واداء باذخ يوصل مأربه الى النسغ والجوهر لدى الحضور العربي. اذن، كان لا بدّ لهما من سرد سيرة الشاعر وطبيعة شاعريته كي يستطيع السامعُ من التجاوب مع القصائد التي ستُتلى علينا. بعد تلك المقدمة المقتضبة التي أغرتنا بالاستماع اليهما من دون ملالة وكلالة وسآمة، كما أعلمتنا اليزابيث أنّ القراءة الشعرية تنطوي على تسع قصائد اختيرت من أحد دواوينه وكانت كالتالي / البحرُ والجبلُ، الحدثُ الكبير، النورسُ الدومنيكي، الورقة البيضاء، كلماتُ حبّ، فردوسُ القبلة، لقاء، جوار القناة في ليلة صيف، المنسي / كان بودّي لو أحظى بالقصائد واختار منها فقرات من أجل تعزيز هذا الانطباع عن الندوة. لكني خرجتُ ببضع ملاحظات عن القصائد المقروءة:- ايقاعها هادىء بلا ضجيج أو جلجلة نُصغي اليها كما لو نسمع قطعة موسيقية مخملية المذاق، بخلاف بعض قصائدنا العربية وهي تزحمُ بالصخب والضجيج والترهلات اللامجدية. فالمطرُ عند لوسترليند مبعثُ فرح يغشى الطبيعة وكائناتها من انسان وحيوان ونبات، انه خيرٌ يخفّ نحونا ونخفّ نحوه ممتلئين بالسعد والبشارة. وليس كما يقول السيّابُ / أتعلمين أيّ حزن يجلبُ المطر / وكيف تنشجُ المزاريب اذا انهمر / ففي العراق همٌّ وقرفٌ وخوفٌ من مجهول، والإنسانُ فيه بلا ضمان يُحققُ له العيش الرغيد. قصيدةُ السيّاب سوداوية تراجيدية قاتمة بكلّ معنى الكلمة على الرغم من ايقاعها النغمي المتماوج صعوداً ونزولاً. وقصيدةُ شاعرنا هنا رخيّة هادئة فيها ثقة ٌ بالحياة وبالمستقبل. وشتان ما بين شعرنا العربي والشعر الأوربي الذي يبشّرُ بالأمل ويلامسُ واعية مُستهلكه بالمعرفة وحبّ الحياة.- فيها ذاتية ٌ مطلقة وكونيّة مثلها مشحونة بطاقة جدلية تُمعن في مدّ الإنسان بما يُحبّبُ اليه الحياة وصداقة الناس والإسهام في بنائه وفق مقاييس الزمن والعصر.- القصيدة ُ لا تتفضفضُ ولا تتشظى وتفقد توازنها، انها لقطات ايماضية سريعة برقية لا تُنهك قارئها ولا تَضيّعها في متاهات بلاغية متماهية في الغموض. انها سلسة ٌ مثل ماء النبع تجيء مسرعة مثل اللهاث، ثمّ تهدأ وتستقر. . – تنأى بنفسها عن الإطالة والتهويل مهتدية ً بمقولة مَنْ يقولُ: خير الكلام ما قلّ ودلّ. تتوخى الإيجازوالكثافة والاقتصاد اللغوي. – الشعر لدى شاعرنا يتسمّ بالقدسية التي تلمس روع القاريء بشفافية واريحية وسلاسة، فلا تبهضَ كاهله بمدكّات بلاغية، وتقعّرٍ يُخرج المعنى خارج سياقاته الجدلية. .- شعره يلاحق تفصيلات الحياة اليومية، مُكرّسة ٌ لها، وما يشجرُ فيها من مشاعر في الحبّ والحلم واليقظة والانتصار والانكسار وتناقضات الحياة على جميع الأصعدة. – بعضُ القصائد لقطات ٌ واقعية ٌ أو حُلمية سينمية سريعة مُستغرقة ٌ في الذاتية، وبعضُها قصصية قصيرة جداً، تلتزم السرد الحكائي، قصيدة النورس الدومنيكي على سبيل المثال.- قصائدُه روحية ٌ خالصة تنسجم مع قناعات الأب يوسف وزوجته المُبدعين، الا أنّها لا تتجرّدُ عن النفّس الحداثي الذي هيمن على الشعر الأوروبي المُعاصر.- القصيدة ُ لدى لوسترليند مخزنُ أسرار عن الماء والشجر والفرح والحُلم والفكر والمشاعر. هي ساحة ُ الحياة مُكتظة بما يخطر بالبال وما لا يخطر. ففيها تقلباتٌ رومانسية تعرو كلّ أحد ٍ منا: الورقة البيضاء مثالاً، وفردوس القبلة / وايمانية: البحزُ والجبلُ / وذهنية معلوماتية تلاحقُ كلّ صغيرة وكبيرة. فالشعرُ الأصيلُ رديفُ الزمن سلباً وايجاباً.

كان بودّي لو اتمعن واتعمّق أكثر في الحديث عن هذه الاُمسية الجميلة التي حملتنا الى فضاء بعيد خال من همومنا اليومية وانشغالاتنا البسيطة والمُعقدة. لكني اعتمدتُ على ذاكرتي في صياغة هذا الانطباع.

هذه الندوة، أيضاً، تميّزت بخصوصية التأكيد على التآلف والتلاحم بين أطياف الناس ونبذ الفرقة وتجاوز الخلافات مهما كان مصدرُها.

وفي مُكنتي أن أضع لها عنواناً. وربّتما اُسمّيه: عصفوران مُغرّدان، كان الأب يوسف واليزابيث طائرين حقاً، حلقا بنا الى ذراري المتعة والدهشة، وضمّخا أسماعنا بالنغم الأصيل تخطّى الى الدم والنخاع والواعية. عصفوران منحانا كلّ ما في خزائنهما من الفرح والأمل….. المأخذُ الوحيد على الندوة أن مبدعيهما أنهياها من دون فتح باب للمناقشة وابداء الرأي. وكان لديّ، وربّما شاركني في ذلك آخرون، بعض الملاحظات والسؤالات رُمتُ الاستفسارعنها، بيدَ أن الاستاذ يوسف اغلق هذا الباب مُنهياً ندوتهما من دون مناقشات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية