الناقل
الشيوعي الاخير في الأراغوي كان داهيةً في كتابة الشعارات السياسية على الجدران باسلوب رشيق ‘ على مدخل إلى حي العمال ‘ أهلاً بالطبقى الوسطى ‘ وعلى زاوية إحدى الجامعات ‘ يعيش الله ‘ وتحتها بخط مختلف :
– ‘بسبب معجزة’ .
تقول عاهرةٌ لزميلتها بالقرب من شاطئ مونتيفيدو : البحارة يضاجعون بشكل جيد لأنهم يحكون الحكايات أثناء عملنا، وثمة نصائح كثيرة في قسم العلوم الاقتصادية ‘المخدرات تؤدي إلى فقدان الذاكرة وأمور أخرى لا أستطيع تذكرها ‘ .
إدواردو غاليانو منذ صباح هذا اليوم وهو يطوف ويدوّن كل ما يرى ويسمع في الصفحة الرابعة من كتابهِ ‘المعناقات ‘.
ملاحظة : القارئ الذي سيقرأ ثلاث قصص قصيرة جداً في كتاب غاليانو بدأ يتعامل مع ما هو مكتوب في الصفحة الرابعة على أنه قصة قصيرة جداً.
رواة غرف التحقيق
يكتسب الداخل إلى غرف تحقيق انظمة أمريكا اللاتينية مهارة رواية القصص بحبكات مختلفة وشيّقة، الفضل يعود إلى ادوات التعذيب بالطبع :
‘ ألما دي اوغستو إمراة من مونتيفيدو’، في 1982 اعترفت بجريمة القتل وروتها للمحققين، الملفت في روايات ألما انها أتت بشكل مختلف في كل مرة وباسلوب شيق وتفاصيل دقيقة لا يمكن تكذيبها؛ لون ملابس الضحية، تتابع الاحداث، طول السكين بالمليميتر، وأوصاف الضحية وهي تحتضر وحتى كمية الدماء التي نزفتها الضحية وكيف أصبح لون الدم المتخثر بعد ثلاث ساعات من الجريمة، لكن الملفت بحق هو ما قدمه الطبيب الشرعي المشرف على سلامة تنفيذ حكم الاعدام بالمرأة النحيلة ‘بالإضافة إلى جسدها النحيل فقد كانت عمياء منذ الولادة ‘.
المؤرخون
يدخل إدواردو غاليانو صباح كل يوم ثلاثاء إلى المكتبة الوطنية في الأراغاوي ليتحرش بالمؤرخين على طريقتهِ، بعدما كان في الماضي ‘ طالب تاريخ بائس، وكان حضور دروس التاريخ آنذاك بالنسبة له يشبه الذهاب إلى معرض التماثيل الشمعية أو إلى إقليم الموتى’ فقد كان الماضي في الكتب يبدو ميّتاً، اجوف واخرس’، يفتح غاليانو ارشيف الصحف :
– ‘ زنجية نصف مهجنة، من سلالة كابيندا، تعرف مبادئ الخياطة وكي الثياب ‘.
– ‘زنجية عمرها ثلاثة عشر أو أربعة عشر تعرف مبادئ الخياطة’.
– خلاسية صغيرة في الحادية عشر، تعرف مبادئ الخياطة ‘.
– ‘مرضعة دون نسل ولديها حليب كثير وجيد ‘.
– ‘ خادمة ، متحررة من الرذائل والمرض، من سلالة الكونغا، تقريباً في الثامنة عشرة، كذلك بيانو وقطع أثاث أخرى’
كانت هذه اعلانات البيع في صحف الأراغاوي الصادرة 1840 بعد سبعة وعشرين عام من إلغاء العبودية ، أما المفارقات الأكثر عجباً فقد وجدها غاليانو في تاريخ السياسيين :
– ‘ نابليون بونابارت الأكثر فرنسيةً بين الفرنسيين ، لم يكن فرنسياً، وجوزيف ستالين الأكثر روسيةً بين الروس، لم يكن روسياً، وأودليف هتلر الأكثر ألمانيةً بين الألمانيين ولد في النمسا، مارغاريتا سارافاتي، المرأة التي أحبها موسيليني، المعادي للسامية، أكثر من غيرها كانت يهودية، كارلوس مارياتيغوي الأكثر ماركسية بين الماركسيين في أمريكا اللاتينية كان يؤمن بالله بحماسة، أعلن الجيش الأرجنتيني أن تشي غيفارا غير ملائم بشكل كامل للحياة العسكرية ‘
أما المفارقة الأخيرة فهي أن هذه المفارقات ظهرت في الصفحة الرابعة على انها قصة قصيرة .
مغزى قصة الصفحة الرابعة
‘ في اليوم الاول من الدروس، أحضر الأستاذ دورقاً ضخماً.
قال لميغيل بيرن وبقية الطلاب : إنه مليء بالعطر، أريد ان أعرف مدى إدراك كل منكم . ارفعوا ايديكم حالما تشمون العطر .
ازال السدادة. بعد لحظات ارتفعت يدان في الجو وحالاً خمس وعشر وثلاثون رفعت جميع الأيدي . طلبت شابة دائخة من العطر القوي : هل يمكن أن أفتح النافذة يا أستاذ ؟ رددت عدة أصوات طلبها .
الجو الكثيف برائحة العطر ، أصبحَ بسرعة لا يُطاق بالنسبة للجميع .
ثم طلب الاستاذ من الطلاب أن يفحصوا الدورق واحداً بعد آخر . كان مليئاً بالماء ‘
وإليك عزيزي القارئ ما ظهر في الصفحة الرابعة في بعض المجموعات القصصية :
1- أعطوني أسرع حصان ، لقد قلتُ الحقيقة للملك ‘
2- يحكى عن الزعيم الروسي ‘ خروتشوف’ هذه الحادثة التي رواها بنفسه :
‘ اخترق شخص روسي بسيارته مبنى الكرملين في موسكو، وأخذ يصيح داخل الساحة : خروتشوف أحمق، خروتشوف أحمق
فقبض عليه الحرس وقدم للمحاكمة وحكم عليه بما يلي :
– السجن شهرا لاختراقه مبنى الكرملين
– السجن عشرة أعوام لإفشائه سر من أسرار الدولة
3- شاعرٌ وصديقهُ الحانوتيّ المتأمل ذهبا في رحلةِ تخييمٍ إلى جبلٍ قريب، أوقدا ناراً وتناولا العشاء ونبيذاً وبعد حديث قصير ناما
بحلول منتصف الليلِ أفاق الشاعرُ ونظر للسماء فبهتَ ، وأيقظ صديقهُ :
– ما الذي يعنيهِ لك كل هذا العدد الهائل من النجوم ؟
– حسناً ، هذا يعني أن الجو صافٍ، وأن وراء هذا الصنيع صانعٌ هو بلا شكٍ ليس هاوياً في الصنعِ ، ووراء هذا الصانعِ بشرٌ ينظرون الصنعةَ ودقة صنعتها، وهذا جيدٌ لأن من دون شاهدين على الصنعةِ كيفَ ليتأكد الصانع ، لكن الأهم من ذلك يا صديقي، أن خيمتنا قد سرقت .
قاص وكاتب عربي
غاليانو ناقل المشافهات من ‘ سحرة الجنوب اللاتينيّ ‘
[email protected]
بطاقة تعريف بالكاتب
الاسم : إدواردو غاليانو
الوظيفة : ناقل المشافهات من حيّز الضجر إلى حيّز التسلية
المصدر : كتب التاريخ ، الهنود الحمر ، وارشيف الصحف في أمريكا اللاتينية ، وشعارات الشيوعيين على جدران مونتفيديو
وملاحظة أخيرة : ‘ مؤسفٌ أنني لم أعرف كيف أجعل نفسي مفهوماُ ‘
إن كان كل منا لا يستطيع اختيار في لحظات معينة ما الذي سيكونهُ ، فالأجدر بنا أيضاً أن نسلّم القدر المفاتيح ليختار لنا الغرفة التي يريدها هو ، نحن لا نختار إنما يُختار لنا .
السياسيون ‘ الشيوعيون ‘
العشاق
الجدات
البحارة
البغايا
إدواردو غاليانو
ذاكرة النار 1
مشافهات الهنود الحمر
،
كتاب المعانقات
القصة القصيرة جداً :
1- قول القول بشكل موارب لـــ
احترام عقل القارئ
متعة الاستنتاج
تحفيز عقل القارئ
مصادر القص القصير جداً
1- احاديث العامة ( الجدران تتحدث ) ص 41+47+75+99+95 واعلانات الصحف العادية التي لا تثير حفيظة المثقف ص(38)
( يمكن عمل مقارنة بين احترام عقل القارئ الذي عمد إليه غاليانو بوضعهِ واختياره عبارات الجدران ، وعدم احترام عقل القارئ الذي عمد إليه ماركيز في مقال بيجي أعطني قبلة ، اذ أن ماركيز عمد إلى شرح وتأويل وتفسير واسقاط العبارة بينما غاليانو اختارها ووضعها كما هي وجعل القارئ يشارك )
لا وجوه صارمة في القص القصير جداً عند غاليانو .
أنتَ تبحث عن القصّ ، أنتَ ما زلتَ تدور ، تدورُ ، تدور ، أرايتهُ ؟
– الجدران تتكلم ؟
الجدران تتحدث ، من واحد إلى ثلاثة :
– ‘ إن المخدرات تؤدي إلى فقدان الذاكرة ، وأشياء أخرى لم أعد أتذكرها ‘
بهذه العبارة المخطوطة في كوريدورات إحدى كليات الإقتصاد لإحدى الجامعات في كولومبيا ، أمسك بها إدواردو غاليانو ، ودون ثرثرة قدمها على أنها قصة ،
نعود للشمال : ‘ليس على المبدع أن يعبر عن اللامعبر عنهُ ، بيد أن العكس هو الصحيح ، إن وظيفة المبدع هي تحويل الكلام العادي إلى آخر ‘ .
القص الذي يعمل فيه إدواردو غالينو ، هو قصّ الهامشيين، الكلام العادي أو الأكثر عاديةً في والذي يدور في ‘ أفواه ‘ الناس ، الشعارات السياسية ، التي يمكن أن تكون قصةً قصيرةً دون أن ينتبه إليها معنى في العبارات المستخدمة هو الهاجس ، خلف ذاك المعنى تختبأ أكثر الأشكال نضوجاً في القصّ ، وبالتحديد القصّ القصير جداً ، لندخل في المثال العملي مباشرةً :
– ثمة قصة قصيرة جداً للقصاص الأرجنتيني ماركو دينبي ‘ أعطوني أسرع حصان لقد قلتُ الحقيقة للملك ‘ هذه قصة مكونة من شقين ، الشق الأول ‘ طلبٌ من مجهول ‘ الشق الثاني ‘ خبرُ ‘ ولو قمنا بتبديل العبارتين لتصبحا على هذه الشاكلة ‘ لقد قلتُ الحقيقة للملك ، عطوني أسرع حصان ‘ لما تبدّل شيئ ، وهو التبديل الوحيد الذي يمكننا أن نجريه على هذه القصة ، ليس السؤال على أية حال هنا ‘ السؤال هو ‘ ثمة عبارة مخفية في هذه القصة ، يمكن أن تكون :
– تملكني الجبن ، أو ‘ الملوك لا يحتملون أن تقول لهم الحقيقة ‘ لكن دينبي لم يقل ذلك ، وهذا ما منح هذه القصة قيمتها ؛ إذ أنها احترمت عقل القارئ وجعلته يستنتج ووحدهُ النتيجة
في قصة ( إذ اعتبرناها قصة ) هي أيضاً أخفت عبارةً لتحترم عقل المتلقي ؛ هنا يمكن أن نضع العبارات التالية إ ما أردنا أن نضع القصة في حيز التقريرية؛ وعلى هذا النحو :
– من تجربتي الشخصية ‘ لا تقربوا المخدرات ؛ إذ أنني لم أعد انا نفسي أتذكر بسبب الاقتراب منها ، لم يقل كاتب العبارة أنه مر بتجربة أفقدتهُ بعض ما يمكن تذكره إذ أن الخفاء هنا قاد المتلقي لأن يستنتج وبالتالي تحصيل القيمة ،
ـــــــــــــــــــــــــــ
نعود لغدوارد غالينو : غاليانو يحترم عقل المتلقي هنا في قصصه التي نثرها في كتبه ، إذ أنه يقول القول بقولٍ مخاتل ، لنحتل إذاً على القارئ ، نكسبه ثقةً في كسب الرهان في الاكتشاف ، ونأخذ منهُ كلمات الشكر الجزيلة في محطة القطار الأخيرة .
– تفضل
– ها أنا ذا ألعب معكم اللعبة .
لنقترض من التاريخ إذاً ، لنقدم حدثاً جرى قبل قرون من الزمن ، ولنحرص أن يكون لهذا الحدث شبهُ قريبٌ من سلالتهُ يجري الآن ، لندع القارئ يكتشف هذه المرة بالمقارنة ‘ بين الماضي الحاضر ‘ وليقل :
– ها أنا ذا أكتشف ، وليضحكنَّ الكاتب في سرّهِ ‘ أنا على يقينٍ من عقلكَ الذي يكتشف ‘ لذا احتلتً
ذي أول الحيل في القصة القصيرة جداً ، لكن من أينَ نجلبها :
– التاريخ ، النكات الأكثر مجوناً التي يتلفظ بها بحارة الميناء ، العاهرات الجميلات ، عمال مناجم الفحم . والثرثرات المجانية على سواحل سكرٍ خفيفٍ بعد كأس بيرة .
من أفواه الكهول ، إذ أن الكهوله صاقلةُ المشافهات على ياقوتِ جارحٌ لكنهُ يضيء من وقتٍ لآخر ، من شعارات الشيوعيين ( ففي حين أن التاريخ قد تجاوزهم ، ولمنتهي الصلاحيةِ دورٌ آخرُ في مكان آخر غير ما يريده له صاحبهُ ) ، من الأغانِ الشعبيةِ للسلف .
بيروت 20-8 2013