الجزائر ـ «القدس العربي»: في كل بيت وركن وزقاق من حاضرة القصبة العريقة في العاصمة الجزائرية، يسكن جزء من تاريخ البلاد ضد المستعمر الفرنسي، فالمدينة رغم عوامل الزمن، لا تزال تحتفظ داخل أسوارها بتفاصيل وأسرار مذهلة، تداعب أخيلة الباحثين عن استنطاق المكان ليروي لهم شيئا من سيرة هؤلاء الأبطال الذين سكنوا هذه الأرض ولم يرتاحوا حتى رأوها شامخة محررة.
ليست القصبة مجرد مدينة عتيقة، فهي معرض مفتوح على التاريخ بكل حقباته التي مرت على العاصمة الجزائر أو «دزاير» كما ينطقها ساكنوها بهذه الرنة الموسيقية المحببة. فالمدينة التي بنيت على ربوة مرتفعة تنحدر إلى خليج العاصمة، يختلف المؤرخون إلى اليوم في تاريخ تشييدها، لكنهم يؤكدون أنها كانت دائما مركزا مهما في المتوسط، منها يتحصن السكان من الغزاة ويحتمون من الرياح وظواهر الطبيعة، وعبرها يخططون لتسيد البحر وفرض حمايتهم على السفن التي تمر عبره.
وأكثر الروايات رجاحة، أن القصبة بشكلها الحديث تأسست في القرن العاشر من قبل سلالة الزيريين وهم من القبائل الأمازيغ في الجزائر، وازدهرت بقدوم الأندلسيين الذين وجدوا فيها ملجأ بعد سقوط ممالكهم، لكنها في غمرة التكالب الصليبي على البلاد، احتمت بالعثمانيين من غزو إسباني وشيك في القرن السادس عشر ميلادي، فبدأ حكم إيالة الجزائر الذي عرفت فيه القصبة أزهى عصورها، حيث شيدت قصور فخمة لا تزال في كامل رونقها إلى اليوم وأقيمت منازل تسمى «الدويرات» بهندسة تراعي الطابع الإسلامي المحافظ، وعاش بين ظهراني المسلمين فيها حتى اليهود الذين كانت لهم بيوتهم الخاصة.
ويوجد في أسفل القصبة اليوم عدة قصور أهمها قصر «الداي» الذي يعرف أيضا بدار السلطان، وقصور «الرياس» و«خداوج العمية» و«دار عزيزة» وكل منها يروى حوله أساطير وروايات. وتمتاز هذه القصور، بأبوابها الحديدية العالية التي يوجد بها مقبضان للطرق، واحد في وسط الباب والآخر في الأعلى. ويقول المرشدون إن المقبض العلوي، كان يستعمله الأمراء والوجهاء عند عودتهم لبيوتهم، لأنهم كانوا يحرصون على عدم النزول من أحصنتهم عند دق الباب، حتى تبقى هيبتهم كبيرة بين الناس. وقصور القصبة وديارها، عبارة عن منازل مربعة مكونة من عدة طوابق يتوسطها فناء كبير مكشوف، تحيط به الغرف من كل مكان. ويخصص الطابق السفلي في العادة للخدم كما يوجد به حمام بخار وأماكن للوضوء تبرز تقديس المسلمين للنظافة.
كما تمتلئ المدينة بعدة مساجد، أبرزها جامع كتشاوة الذي أعيد ترميمه قبل سنوات بالتعاون مع السلطات التركية وهو من أجمل مساجد العاصمة ويحظى برمزية كبيرة فقد حوله الاستعمار الفرنسي إلى كنيسة سنوات الاستعمار وعاد لوظيفته الأولى عقب الاستقلال، ناهيك عن جوامع أخرى بينها الجامع الكبير الذي كان يؤدي الرؤساء فيه صلوات الأعياد قبل أن يبنى جامع الجزائر الأعظم. وتنتشر في أزقة القصبة جوامع صغيرة مخفية، تسهيلا على السكان لأداء صلاة الجماعة والالتقاء في المسجد الذي كان يقوم بأدوار اجتماعية وسياسية وتعليمية أساسية في إدارة المدينة في الحقب السابقة.
القصبة الثائرة في وجه فرنسا
وبعد الغزو الفرنسي على الجزائر سنة 1830 وسقوط حكم العثمانيين، بدأ تاريخ جديد للقصبة، فقد تحولت لمركز للجزائريين المسلمين في المدينة الباحثين عن الاحتفاظ بهويتهم وعدم الاختلاط مع المعمرين الذين شيدوا مساكن حديثة محاذية للقصبة وشوارع بعمران أوروبي مختلف تماما. وتغير بفعل حركة البناء الجديدة، جزء من واجهة القصبة السفلية، كما طمست بعض المعالم كما لو أن الاستعمار حاول إخفاء القصبة وجعلها في ظهر العاصمة الجزائرية بعد أن كانت على مدار قرون في الواجهة، لكنه لم يكن يعلم، وفق ما سارت إليه حركة التاريخ بعد ذلك، أن هذه المدينة التي لا تموت ستكون بعد قرن و20 سنة من احتلال البلاد، القلب النابض في معركة تحرير الجزائر وأنها ستدفع في سبيل ذلك من كل بيت شهيدا أو شهيدين.
وبالفعل، بدأ الوعي الوطني بالتحرر من المستعمر، باكرا في القصبة مع ظهور الحركة الوطنية التي ناضلت في البداية سلميا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي وساهمت في بروز الشخصية الجزائرية بأبعادها ومقوماتها التي لا يمكنها الذوبان في الوعاء الفرنسي. ولما حان وقت الكفاح المسلح، كانت القصبة في الطليعة، وتحولت بسرعة فائقة إلى مركز عمليات، فقد احتضنت قيادة «معركة الجزائر» وهي سلسلة العمليات الفدائية التي عاشتها العاصمة الجزائرية من نهاية سنة 1956 إلى غاية أيلول/سبتمبر 1957 والتي أشرف عليها كبار قادة الثورة، في صورة العربي بن مهيدي وبن يوسف بن خدة وعبان رمضان وياسف سعدي وغيرهم، وبرزت فيها جميلات الثورة من الفدائيات وأشهرهن جميلة بوحيرد. وسمحت معركة الجزائر، التي تخللها إضراب الثمانية أيام من 28 كانون الثاني/يماير إلى 4 شباط/فبراير 1957 بنقل الثورة من الجبال والقرى، إلى قلب المدينة، على مرأى ومسمع من الصحافة العالمية، وهو ما سرّع من مسار عرض القضية الجزائرية أمام هيئة الأمم المتحدة.
وفي مقابل الوهج الثوري للقصبة، قابل الاستعمار الفرنسي سكانها بحملة قمع منقطعة النظير، مسلطا عليها عتاة الجنرالات المعروفين بدمويتهم يقودهم السفاح بيجار. فقد انتبهت السلطات الاستعمارية مبكرا إلى الخطورة التي تشكلها المدينة عليها، وعمدت لتقطيع أوصالها في البداية ووضع مراكز تعذيب للفدائيين داخلها، ولم تتورع عن تفجير منازل بأكملها بمن فيها من سكان، من أجل إخماد صوت الثورة، كما حدث في العملية الشهيرة التي استشهد فيها أبطال معركة الجزائر، علي لابوانت، حسيبة بن بوعلي، عمر الصغير ومحمود بوحاميدي، يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر 1957 وهو المكان الذي أعيد ترميمه ووضعت فيه السلطات نصبا مخلدا لذكراهم التي يتم إحياؤها كل سنة.
وعي حديث بمعالم
القصبة الثورية
وفي الفترة الأخيرة، برز وعي بإعادة توثيق الأحداث الثورية الكبرى بالقصبة والتعريف بأماكنها التي ساهمت بقوة في نصرة الثورة الجزائرية ونقلها للأجيال الجديدة عبر مواقع التواصل. يقود هذه الحركة عدد من أبناء القصبة المولوعين بالتاريخ، ومن أبرزهم المتحدث في تاريخ المدينة عثمان بوراس، الذي يصور باستمرار معالم القصبة ورجالاتها وينظم قعدات في الدويرات الشهيرة مع مجاهدين كبار ما زالوا على قيد الحياة.
وفي واحد من أكثر الفيديوهات انتشارا، يظهر مجموعة من سكان القصبة برفقة المجاهدة زهرة ضريف بيطاط الشهيرة بوضع قنبلة في حانة ميلك بار بالعاصمة، عند عتبة منزل عائلة بلحفاف التي قدمت 7 شهداء وكان منزلها يحتضن لقاءات قادة معركة الجزائر. كانت المجاهدة ضريف تروي رهبتها عند دخول المنزل أول مرة بعد أن طُلب منها الاحتماء داخله وكيف استقبلتها سيدة البيت التي كان يهابها الجميع. ثم عقّب عثمان بوراس، معرفا بالبيت الذي قال إنه احتضن أول اجتماع للشهيد العربي بن مهيدي، وتحدث عن المجاهد عبد الرزاق بلحفاف الذي بقي حيا من بين إخوته، مشيرا إلى أنه لم يتكلم منذ الاستقلال بحرف واحد ورفض أن تكون له بطاقة مجاهد رسمية التي يتقاضى حاملوها راتبا شهريا مجزيا في الجزائر.
ويرى مهدي براشد الكاتب المهتم بتاريخ القصبة وعمرانها، أنه كان طبيعيا أن يشكل حي القصبة معقلا من معاقل الثورة الجزائرية، ليس فقط بما اصطلح على تسميته «معركة الجزائر» بل منذ اندلاع الثورة التحريرية وحتى قبلها. وقد شكلت حسبه في بداية الثورة التحريرية ملجأ لكثير من المسؤولين في الثورة، وهناك من عاش فيها وتزوج أمثال كريم بلقاسم ومحمد بوضياف، كما شكلت ملجأ لكثير من الثوار الذين لجأوا إليها من مناطق أخرى قبل أن يلتحقوا بالجبل.
ويذكر براشد في حديثه مع «القدس العربي» عدة أسباب لذلك منها أن القصبة كانت تشكل أكبر تجمع سكاني للجزائريين في العاصمة، بكثافة سكانية عالية، وتضم عائلات من شتى مناطق البلاد، خاصة موجات الهجرة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
أما الأمر الآخر حسبه، فهو الطبيعة العمرانية للقصبة التي تشكل أزقة ملتوية ضيقة تتلاصق فيها الدويرات، بشكل دوامة يصعب الدخول والخروج والتجول فيها بسهولة على الغريب، إضافة إلى أسطحها الملتصقة والتي تشكل هي الأخرى درجات علوية تمكن من عبور القصبة دون أن يراك أحد، ووجود دويرات كثيرة لها مدخلان مختلفان، ناهيك عن قرب هذا التجمع السكاني للجزائريين من المدينة الأوروبية، ومن فحص الجزائر (الريف العاصمي).
وما يبرز متاهة القصبة للغرباء، وفق براشد، أن المخرج الفرنسي جوليان دو فيفييه حين أنجز فيلمه «بي بي لو موكو» بطولة جان غابان في سنة 1937 جاء للمدينة، لأن فكرة الفيلم كانت قائمة على هروب مجرم فرنسي من فرنسا إلى الجزائر والاختباء فيها حتى لا يطاله البوليس لصعوبة دخول هذه المدينة.
ويذكر المتحدث لقطة من الفيلم، وقف فيها المفتش مونييه أمام محافظ الشرطة لمدينة الجزائر ومساعديه، شارحا صعوبة القبض على بي بي الموكو وهو داخل القصبة، فيصفها قائلا: «مشهد من فوق يبين حي الجزائر الذي نسميه القصبة، عميق كما الغابة، يغلي كجحر النمل، ودرجات طويلة فوقها أسطح، كل سطح درج يفضي إلى البحر. وبين درجاتها أزقة ملتوية مظلمة، أزقة على شكل مصيدة، وأخرى تتقاطع، وأزقة فوق أخرى، وأزقة تتعانق بشكل فوضوي مشكلة متاهة متشعبة. أزقة بعضها ضيق وبعضها مسقف كأنها أقبية. وفي كل جنب وفي كل جهة درجات، وعقبات كأنها سلالم، ومنحدرات تفضي إلى هوات مظلمة بروائح كريهة، وأروقة أرهقتها الرطوبة، مظلمة، شوارع خالية يسكنها الصمت، شوارع بأسماء غريبة شارع العجز، شارع مدينة السمسم، شارع فندق العسل، شارع بوعقاشة. إنهم أربعون ألف في حيز لا يحتمل إلا 10 آلاف..».
بيوت القصبة
التي احتضنت أبطال الثورة
رغم أن العديد من الديار انهارت بالقصبة إلا أنه ما زال هناك شواهد عنها يسرد أهمها مهدي براشد:
• منزل 6 شارع «rue de la gazel» والذي يسمى شارع علي لحمر حاليا. له مدخل على نهج «لافيكتوار» بباب جديد تحت رقم 12 وهو بيت علي تامغليت، أول بيت دخله البطل الشهير علي لابوانت، أتى به عمي علي معروف (توفي في 2022) واسمه الحركي موح دزيري، أطلقه عليه كريم بلقاسم، من الزغارة مع والدته. ومن كان وسيطا بين علي لابوانت وعمي معروف وبين ياسف سعدي هو أحمد الغراب (شهيد)، واسمه الحقيقي احمد رويبي (أحمد شايب) الذي سمي على اسمه شارع طنجة. وحين نفذ علي لابوانت مع ياسف سعدي عملية قتل دركي أذى الجزائريين كثيرا، بمقهى بوكاس، فرا من بيت تامغليت من ناحية نهج لافيكتوار وخرجوا من شارع لاغازال. علي تامغليت حين قبض عليه أخذ إلى البيت الذي ولد فيه بـ 05 شارع هنيبال وقتل هناك في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1958.
• في شارع «la rue des thebes» هناك البيت الذي فجره البوليس الفرنسي في السر. فبعد إعدام أحمد زبانة في 19 حزيران/يونيو 1956 خرج أبناء القصبة ثلاثة أيام، للرد، سقط عاشور مايدي الذي كان ملاكما في شارع ميزون، حين فتشوا في أوراقه وجدوا أنه يسكن في2 شارع تاب، فعادوا ومعهم محافظ شرطة الدائرة الخامسة بنفسه. بعد شهرين، وضعوا قنبلة في منتصف الليل، استشهد في الجريمة عدة أطفال ونساء ورجال، وفيه أصيب يحيى بن مبروك الذي يسكن في الحي. هناك قراءات تقول إن هذه القنبلة هي التي دفعت الجبهة إلى اتخاذ قرار المعاملة بالمثل ووضع القنابل في الأماكن التي فيها مدنيين فرنسيين.
• في مكان يدعى كوشة الخندق، أمام البناية رقم 02 يسقط غزوي قدور أول شهيد في القصبة، في 24 اب/أغسطس 1955 غير بعيد عن مسكن شامة بوفجي التي كانت تدرس البنات الصغار وكان من تلميذاتها جميلة بوباشا (إحدى جميلات الثورة).
• دار القبقاب أو دار مصطفى قماطي الحلاق، البيت الذي يسكنه محمود بوحاميدي. كان مأوى لجميلة بوحيرد زهرة ظريف حسيبة بن بوعلي الصغير عمر بوحاميدي علي لابوانت ياسف سعدي. انتقل ياسف وظريفة وبوحيرد إلى دار فتيحة أطالي زوجة مصطفى بوحيرد غير بعيد عن دار القبقاب، ثم ألقي عليهم القبض. بينما انتقل الأربعة الآخرون إلى دار أخرى فجرت عليهم بعد 15 يوما.