قصة الجدار وهاجس الخوف: واقعية المس والجنون..
أحمد الفيتوريقصة الجدار وهاجس الخوف: واقعية المس والجنون..القاص يوسف الشريف قاص مهجوس بحالة الخوف والفزع والاستسلام عند شخصياته وبالجدار الذي ينهض في وجه هذه الشخصيات. ولهذا يترصد هذا القاص الشخصية القصصية في لحظة وجيزة هي هوية هذه الشخصية وزمانها، ويبدو المكان في عالم هذه الشخصية شاحبا وملامحه حادة حدة جدار ينهض تلو جدار.. وتأتي هذه اللحظة الوجيزة في لغة مركزة وجمل مصمتة وفي حدة المسكين الذي ينهض في وجه كل شخصية من شخصيات قصصه، تنهض من نومها.إن الحدث واللغة يشتبكان في نسيج عنكبوتي حد أن المفردة الواحدة هي المفصل والمفتاح في القصة. في قصة بزنس : اقتله، هي الحدث وأما بقية التفاصيل فهي هامش المتن القصصي وجمالياته حيث الجمل الإخبارية الحيادية النابضة بشحنة عنيفة وحيث تبدو هذه الجمل نسيجا علي منوال واحد لأجل إكمال الدائرة الحدث، الملتقط لحظة كونه هو الشخصية، الشخصية المأخوذة بالحدث.كتابة يوسف الشريفويبدو يوسف الشريف وكأنه يدخل الكتابة في اللحظة نفسها التي يخرج فيها من الكتابة، بمعني انه يضمر الحدث في المفردة أو الجملة الأولي، ولا يهتم بالمبررات الواقعية للحدث قدر اهتمامه.. الكلي في كثير من الأحيان بالبنية، باعتبارها دائرة مغلقة، والبنية الدرامية التي تنمو لتكتمل هذه الدائرة، فالشخصيات تتحرك كما يحلو لها ولكن في إطار دائرة محكمة واقعية ولكنها كافكاوية أي رغم أنها مغلقة إلا أنها متعددة المستويات ويبدو مركزها ضاغطا وبارزا وكافكاويا من حيث أنه كما العنة في المحيط (الزلال) الهلام، أو المحيط النسيج العنكبوت إلا أنها أيضا وهذا هو الهام محكومة بالعنة الذاتية. إنها ليست شخصية محاصرة لأن هناك من يحاصرها وحسب بل لأن لديها الاستعداد لهذا المصير، وهذا لا يعني أننا أمام معالجة سيكولوجية فالمرض هنا ـ أيضا ـ علة خارجية ولكن نحن أمام شخصيات تبدو مثـل (البصلة)، وليست وجودا متكاملا جاهزا منبثقا من لاشيء ولكنها شخصية تنبثق من عالم يحتضن كل الأشياء ويسيطر علي كل الأشياء كما انه أساس كل شيء أساس هذا العطــب.هكذا هي شخصيات مسلوبة، ليست مسلوبة الإرادة ولكنها مسلوبة الفعل الفاعل، إنها تقاوم ولكنها مقاومة القتيل، الميت لا محالة.إنها شخصية أمامها، طريق مقفل، اتجاه واحد. رغم ذلك فهي شخصيات تقاوم بإرادة قدرها هذا وتواجه هواجسها ومخاوفها وإن كانت مرتبكة ومتصدعة، وكأنها بهذا الارتباك وهذا التصدع تصنع هذا القدر. إن يوسف الشريف وهو ينسج حول هذه الشخصية بلغته المحايدة عالما محكما يمنحها ـ في نفس الوقتـ من روحه، روح المبدع الخلاق أن تكون هي وإن كانت ـ مثل جل الشخصيات ـ لا اسم لها. عادة ما يلتقط يوسف الشريف الشخصية متلبسة بحدث شائك دون مقدمات وهو يتابع هذه الشخصية بدقة وإصرار، فقصته قصة مقطوعة الرأس ـ وهي مثل كل قصصه مقطوعة المقدمات ـ يكتبها عام… ليعود لكتابتها مرة ثانية عام… باسم هوامش منسية من قصة مقطوعة الرأس ، ويرصد في قصة أخري شخصية لحظة الترصد لقتل رفيق خان قضية وأمانة ليرصد هذه الشخصية وقد تحولت إلي قاتل مأجور يقتل بالأمر شخصا لا يعرفه وذلك في قصة كتبت بعد الأولي بحوالي عشرين سنة.ويوسف الشريف رغم ترصده لهذا الحدث، ورغم أنه يحكم بنية الحدث في أضيق نطاق، ورغم أنه يجعل اللغة أداة إخبارية إنشائية ولا يهتم بالوصف والتوصيف ويستبعد الجانب السيكولوجي للشخصية في كثير من الأحيان، رغم ذلك فإن اهتمامه المنصب علي اللحظة وعلي الحالة في اللحظة يفجر باستخدام متقن لتقنية المونولوج والتداعي الإمكانيات المشحونة بها الشخصية عاطفيا ودلاليا بحيث تكون الشخصية مكشوفة، ونلم بالقصة التي يتبدي غموضها شفافا.وقد تم هذا عند يوسف الشريف علي صعيد الكتابة في نقلة نوعية بدأت مع قصة الجدار التي نشرت في المجموعة التي تحمل نفس الاسم والفائزة بالجائزة الثالثة في مسابقة اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب.في قصة الجدار رصد القاص تحولا اجتماعيا هاما شكل بناءه القصصي، حيث بدأ الاهتمام عنده ينصب علي الشخصية في حالة محددة، حالة تبدو من صنع قاص تعينت أمامه جدران لا حد لها بتركيز واقتضاب جعل الكشف هو القصة نفسها، وبتداخل الحدث بالشخصية تضاءل دور الشخصية، وتشذبت اللغة وقننت ـ بدأ وكأن الكلام غالي الثمن ـ فالجملة الأولي هي الأخيرة، القصة دائرة كل نقطة فيها بداية وكل نقطة نهاية. إن جدارا أسود كان حائلا دونه، إن ذلك حدث منذ شهور عندما بدأ عمله بوظيفته الجديدة، وعندما سكت علي شيء ما حدث في المصلحة التي عمل وكافأه المدير بترقية إلي الدرجة الثالثة.. منذ ذلك اليوم بدأ الجدار الأسود زنزانة لا سبيل للفرار منها . منذ هذه القصة ستبرز الشخصية في قصص يوسف الشريف سجينة زنزانة لا سبيل للفرار منها وستختفي هذه المبررات التي جعلت الشخصية سجينة هذه الزنزانة.في قصة الضمير الغائب في آخر مجموعة صدرت بهذا الاسم يبدأ القاص: حزينا كليلة وداع أخيرة.. يائسا كمسافر بلا سراب.. ممزقا كشرف مطعون.. أحمل السلاح كطفل وحيد ، تتحول هذه الشخصية إلي قاتل تقدمه القصة في صيغة ضمير المتكلم، قاتل يهوي إسقاط النجوم، قاتل محكوم بالقتل! فيما القتيل الذي هو ضمير الغائب يموت دون سبب ومحكوم بإرادة البقاء: مرة أخري أوجه قذيفة المدية نحو عرق الحياة مرتين هكذا، لكن العينين تشعان كنجمتين.. كنجمتين . وفي قصة رجل وامرأة من مجموعة ضمير الغائب شخصية محكومة بالخوف خوف يجعلها غير قادرة علي الإنجاب، غير قادرة علي ممارسة الجنس، خائفة من المدير، الكلمات تموت علي شفتيها، فقط لديها رغبة في التبول، يتذكر متي بدأت مخالب الخوف تنمو: وجهك للجدار.. قف علي قدم واحدة ، وحين يتلاشي في الشوارع تقف إشارة المرور في وجهه: ـ قف، طريق مقفل، اتجاه واحد. هويتك . ولا هوية لهذه الشخصية؛ إنها شخصية الهوية التي يفصح عنها السرد: الخوف! والقاص يستخدم تكنيك التداعي لأن الخوف يداهم الذاكرة منهمرا ويتداعي كل شيء والسرد لم يعد له ضابط، اللغة إشارة أو هي بكماء، وتبدو القصة وكأنها ملخص أو هامش علي متن الكابوس: حلم العقم الذي ليس له أحرف ربط لا أمل.. عليك بأطفال الأنابيب !.وفي قصة قصة مقطوعة الرأس من مجموعة الأقدام العارية نري حياة رتيبة وقلقا وصحفا ميتة وخطبا لزعماء عرب تطبع علي اسطوانات و فكر لو كنت ذلك الجندي الذي حلق بطائرته فوق هيروشيما منذ ربع قرن و رأس الإنسان غدا أرخص من بيضة و الجو معبق برائحة سجن قديم ، في هذه الأجواء تعيش هذه الشخصية في قصة جثة، بدون رأس وبدون مقدمات تصبح هذه الشخصية مطاردة ويطلق عليها النار في الصباح الباكر في ميدان عام حيث انطلقت رصاصة، أقدام ثقيلة تملأ المكان، تهاوت الأعمدة. وفي مجلة الفصول الأربعة التي يترأس تحريرها ينشر قصته: هوامش منسية من (قصة مقطوعة الرأس) : خرجت بعد عشرين عاما. لم أندهش عندما رأيت ولدي يدخن لفافة تبغ محظورة ، وتصبح زوجته عاهرة، وخزانته التي يدس فيها كتبه فرغت من محتواها ووضعت رصاصة في هذه الخزانة ـ لكل زمان لغته ـ وفي الخاتمة: ماذا يهم ان حكموا عليه بيوم أو بألف فهو سجين زمان لم يصنعه ، ويقوم بالتخلص من نعليه لان صوتهما يشعره بأنه مطارد. ما الذي طرأ علي هذه الشخصية، وماذا أضاف الكاتب بهذه الهوامش المنسية التي حاول بعنوان القصة أن يوهمنا بأنها كذلك؟ إن القاص يقدم في القصة الأولي شخصية تعيش عالما سلسا رتيبا وواضحا وان كان ما حدث في الخاتمة أمر ا صاعقا.. انه حدث في الحدث، تؤمن به الشخصية ويشي به المونولوج، ولهذا جاء السرد مسترسلا في بناء محكم لكن رصدنا لهذا القلق وهذا التذمر لا يبعد المفاجأة فما حدث يبدو بدون مقدمات!، ويتم نقض هذا في القصة الثانية حيث كل الأحداث هامشية عند الشخصية التي لا يثيرها شيء، كأن القاص أعاد تسجيل المسكوت عنه في القصة الأولي أو كأنه التقطها من ثنايا الحدث في القصة السابقة ولكن ما تظهره القصة الثانية أن كل شيء كان مفككا، الشخصية لا مبالية، الحدث غير مترابط، اللغة قلقة، الجمل لا سياق لها، وبدأ تدخل القاص واضحا حين يحرض الشخصية علي هدم الجدار علي لسان الحكيم أو حين ينزل من السماء طيا علي حافة هذا الجدار. إن القاص يستنطق القصة الأولي في لحظة حدوث متغير هام آخر في عالم هذه الشخصية ـ التي هي شخصية واحدة تظهر في قصص مختلفة ـ الداخلي ومحيطها، هذا المحيط الذي تشظي، وهذا الداخل الذي ازداد توترا، انه عالم موتور وقانط، مكثف إلي درجة قصوي في هذه القصة وغيرها.في قصة العائد من مجموعة الأقدام العارية وشائج أو خيوط أولي سيكتبها يوسف الشريف في قصة هوامش منسية من قصة مقطوعة الرأس حيث أن العائد يختفي خمس سنوات ثم يعود لخمس دقائق ويأبي أن يفصح عن المكان الذي أخفي فيه، المكان الذي أخذ إليه في سيارة وأمه تولول، ويغادر المكان الذي عاد إليه بعد خمس سنوات دون أن يفصح عن أي شيء. تسألينني عما حدث يا خالتي سالمة ؟ انه أشبه بالحواديث ليتني أحكي . ظل الجدار المحتمين به ينسحب عليهم فيتمدد كمعطف أسود يحتويهم جميعا . ويمكن في هذه القصة تحديد ملامح الشخصية وتحديد المكان وإن كان مجهول التسمية وتحديد رغبة في الحكي وإن كانت النتيجة عدم الإفصاح، غير أنه في قصة هوامش منسية.. ـ كما لاحظنا ـ أي بعد حوالي عشرين عاما من كتابة ” العائد ” يبقي الشاهد الوحيد هو الغياب، ويغيب البناء التصاعدي وتغيب الملامح في لغة محايدة. وفي قصة الرجل يموت مرة واحدة من مجموعة الأقدام العارية : أنت قرأت عن لحظة الموت، تتحدث عنها في أشعارك ـ ستعيشها ـ انتفاضة الجسد عند النزع الأخير، لكن لن يقدر لك الكتابة عنها. أمر مؤلم أن تعيش أعظم لحظات حياتك ولا تستطيع الحديث عنها . ثمة تركيز علي حالة التحقيق وهذه اللغة الساخرة التهكمية في تعليقات المحقق والخاتمة الوجه للجدار، هذا الجدار الذي يقف في وجه كل شخصيات يوسف الشريف القصصية وهو جدار مادي محسوس يتشكل كشخصية ويبرز في الحدث دون أساس ظاهر. ولا نتبين بوضوح في هذه القصة دوافع ما يحدث، مثلما هي قصة الكلاب حيث الخوف الذي يحاصر عجوزا وطفلها بنباح الكلاب المتواصل والذي تقطعه جملة واحدة: دفعته بقوة (خش) ـ من هو هذا المطارد؟، وما أسباب المطاردة؟، لا تفصح القصة ولكن الراوي يعلق: صباحا كانت شوارعنا كعادتها ساكنة فارغة كليل اليائسين .يشكل القاص الحدث وكأنه فخ ينصبه في مقدمة القصة، أما التفاصيل فهي تمويه هذا الفخ؛ في شكل جمل اعتراضيه، كل جملة كتلة معتمة قائمة بذاتها. في قصة الكلاب الهيمنة للكلاب التي هي الحدث وإن كانت لا تظهر ولكنها اسم القصة وأول مفردة فيها والتفاصيل أيضا فالحكاية كامنة في المفردة الأولي الكلاب . قصة باتوري ينهض من قبره من مجموعة ضمير الغائب هي القصة الوحيدة التي مسرحها الصحراء، الحوار أداة السرد، ويستخدم القاص تكنيك المسرح فيصف المكان في المقدمة: الصحراء تبدأ ولا تنتهي، والسماء فراغ أسود، والرجال بحر لا شطآن له، والشمس سياط من نار موقدة، والعربة سلحفاة هرمة أضناها العجز والقنوط، والرجال أربعة بالعدد يلتصقون كتفا لكتف . نتبين من الحوار بين الزوجة التي ترغب في بقاء زوجها معها أن هؤلاء الأربعة الملتصقين هم في مهمة يحملون عددا من الكتب لمناطق صحراوية فيخدعهم السراب، سراب هذه الصحراء ويضيعون، يحرقون كل إطارات السيارة والملابس في الليالي الأولي تباعا عل أحدهم يهتدي إليهم، وفي الليلة العاشرة: فلنحرق الكتب يصرخ ابن رشد فيتراجع الحاجب المنصور.وبعد قرن من الزمان.. نشرت الصحف العالمية الأخبار التالية: عثرت فرقة استكشاف في الصحراء علي أربعة هياكل عظمية.. علي بعد ألف ميل من الهياكل العظمية عثرت فرقة الاستكشاف علي آلاف الكتب . وتكون الخاتمة علي شكل سؤال محير: العلماء يعجزون عن كشف العلاقة بين الكتب والرجال الأربعة لكن هناك احتمال أن تكون الكتب مهربة وإذا كان الأمر كذلك.. اذا تهرب إلي الصحراء؟ !.إن القصة هنا مفارقة لأجواء يوسف الشريف القصصية حيث الحدث هو الشخصية الرئيسية: ضياع الرجال مع الكثير من الكتب، تكتشف هذه الكتب فيدور السؤال. ولا يهتم القاص بالسياق الزمني قدر اهتمامه بسياق الحدث، ويستخدم التكنيك المسرحي للتجسيد، للتشخيص من أجل رفع مستوي الإيهام، ويضع تعليقات وأخبار صحفية في نقلة تسجيلية ليزيد من أهمية ما حدث، انه يمشهد السرد فالحدث ليس حدثا اعتياديا والقصة سؤال ـ ولكن حقا لماذا تهرب الكتب ؟. إن يوسف الشريف يكتب قصة واحدة ويعود لكتابة هذه القصة في كتابة أخري، وهو يكتب حول شخصية واحدة بحميمية وحس مشترك مع ما تعانيه هذه الشخصية التي يتلبسها واقع تبدو وكأنها لا تعرفه، واقع تعيشه ولا تنتمي إليه، فتبدو هذه الشخصية وكأن بها مسا وأن هذا الواقع الذي تعيشه واقع الجن والغول والأهوال التي خرجت من حكايا الجدات أو أن الجدات في الحقيقة لا يروين حكايات بل يصفن واقعا حيا وملموسا تعيشه هذه الشخصية وتبدو أجواء الفنتازيا ظاهرة ولكنها ليست الفنتازيا إنه السياق، سياق الحدث وتفاصيله والوقائع هي التي توحي بهذه الفنتازيا ولهذا فما يكتبه يوسف الشريف واقعية الجنون أو واقعية المس.إنها قصة قاتل لا يعرف القتيل، خائف لا يعرف بواعث خوفه، مطارَد دون مطاردِ حالم فزع، هذه الشخصية التي تلبستها حالة الفزع تأتي في حدث غائم أو غائب، غامض أو مريب، في لغة كتومة وسر مدسوس بين السطور أما المسكوت عنه في هذه القصص فهو ما تفصح عنه في الجملة الأولي الجملة التي تكتفي بنفسها وكأنها المتن، المتن الذي لا هوامش له. وتتناص القصة عند يوسف الشريف مع قصة أخري كتبها أيضا يوسف الشريف، هذه القصة هي التضاريس الخفية أو هي ما تم استبعاده من ذاكرة القاص لصالح ذاكرة القص، الذاكرة الوقادة التي تبدو مفتوحة علي ما سبق وان كتبه يوسف الشريف من قصص، وفي قصة نهاية أبو زيد الهلالي من مجموعة ضمير الغائب : تعود سفن ممزقة الأشرعة، ألواح بيدي، تهاجمني كلاب البحر، يمتد شوقي إلي أرض بعيدة، أذوب وسط كرة من الجحيم تنتهي اللعبة فيصدمه الجدار، يحاصرني صوت مجهول غريمك مسلح . كاتب وناقد من ليبيا0