قصة اللبنانيين المحيرة

حجم الخط
0

بعد ضنك وضنى دام اكثر من اربع ساعات امضيتها في زحمة سير خانقة، ذهابا وايابا، الى شارع الحمراء في بيروت، وسماعي شتائم مشينة من سائقين كثيرين، فاقدي الاخلاق والصواب، حطّيت الرحال في مقهى على تقاطع طرقات مزدحمة بسيارات العابرين، يشرف عليها شرطيين بلدي يحمل كل منهما دفترا لتسجيل ضبط مخالفات السير، لكنني لم أشاهد أيّا منهما يقوم بتسجيل أي محضر مخالفة وجاهية، بل كانا يقومان – بين الحين والآخر – بتسجيل أرقام لوحات السيارات التي كان سائقوها يزجرونهما بخفّة ويهرعون سريعا بعيدا.لم ترهقني متابعتي لهذا المشهد المتتابع، لانني كنت مسترخيا في اريكة مريحة، احتسي القهوة وأنفث دخان الغليون، واحاول بفضولية أن أرى ولو رجلا واحدا يقود آلية جديدة، باهظة الثمن، ذات دفع رباعي، بل كنّ فقط سيدات واناث، ونادرا ما كان ذكرا. فتمنيت لو كانت هناك مساواة للرجل مع المرأة، ولم أجد لتاريخه سبب لهذه الظاهرة، وما يمكن أن تضيف الى حياة الانثى من اعتبار اجتماعي او مجتمعي أو جمالي! الى جواري، كان يجلس رجل، كثيرالكلام، ثرثاره، يوجّه سيدة – يبدو انها تعمل في مكتبه – حول ما يجب عليها ان تقوم به من عمل. استرجع هذا الحديث تصوّري عن العلاقة بين المدير وأمينة سرّه داخل الغرف المغلقة خارج اوقات العمل.أمّا في الحالة الراهنة، فيبدو ان المدير قد ملّ أمينة سرّه، والغرف الزهرية المغلقة ايضا. تثاءبت من شدّة مللي من حديث ‘المدير’، ونظرت الى شرفات الفندق المواجه، فحسبت للوهلة الاولى أن أحد يقف على احدى شرفاته.وبعد التحديق والتركيز، تبيّن لي ان هناك عصفوران على احد خطوط الكهرباء يتباعدان ويتقاربان، يتراقصان ويتحابان، رغم الصخب الصادر عن عبور السيارات ومناداة الشرطيين على السائقين لتيسير انسياب العبور. استرعى هذا المشهد انتباهي طوال أكثر من نصف ساعة، ولم آبه لثرثرة المدير مع أمينة سرّه ‘الدفين’.انتشلني الطائران من هموم هذه الدنيا، واعاداني الى سر الخلق والوجود وصراع البقاء، والى مفاهيم الجشع والطمع والانانية عند المخلوق البشري الذي ادّعى – دون باقي كل المخلوقات – من الهوان الى أكبر المخلوقات حجما – أنه ولد على صورة الله ومثاله. قارنت بين حياة الطير وحياة الانسان. حيث الطبيعة هي مأواه ومأوى ذرّيته من بعده ومصدر عيشه وطبيبه ودينه وايمانه.هل يصح الادّعاء ان البشر هم وحدهم يتعبّدون للخالق دون باقي المخلوقات! اذا سلّمنا بهذه المقولة، فاننا نكون كمن ينفي الروحانية عن ارواح هذه الطيور التي نرمز الى الملائكة من خلالها! هل يمكننا تحديد هوية هذه الطيور ونحتويها ضمن حدود، وندعوها الى تبني قانون انتخاب يرعى تقسيمها الطائفي والمذهبي لتحقيق الديمقراطية! وهل عليها، لانها تقف على خط كهرباء في لبنان، الالتزام بالميثاق الوطني وما نصّت عليه بنود اتفاقي الطائف والدوحة! وهل عليها، لان هذا الخط الكهربائي يقع في منطقة المتن، ان تكون نصرانية – مارونية او ارثوذكسية – ويكون ولاؤها امّا لآل الجميّل أو لميشال عون أو لحزب الطاشناق الارمني! وهل عليها، لانها تقف فوق المقهى ان تحتسي القهوة وتدفع ثمنها لصاحبه الخليجي! اين هو البشري من كل ذلك، ومن مفاهيم أخرى لا تحصى حول أسرارهذا الكون اللامتناهي! هل يبطل الجشع والطمع والانانية وحب التملّك عند بني البشر اذا أدركوا ان هذا الكون فان، وان صراعاتهم المذهبية والدينية لن توصلهم الى مرضاة الخالق عزّ وجل، بل الى جهنم يحيونها حاليا وانهم سيحترقون في لهيب نارها الى الابد! لو فكرنا يوما اننا طيور، وان الخالق هو من يعطينا وييحيينا، ألن نريح نفوسنا، ونطمئن الى اننا مؤمنين صادقين بالخالق الواحد الاحد، غير منافقين، ونطهّرها من أدران وأضغاث أحلام وجودنا العابر الى اللاوجود المطلق!سعد نسيب عطاالله – لبنان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية