قصة حبة مانجا من تراب فلسطين

حجم الخط
0

أقص عليكم قصة حبة مانجا من تراب فلسطين كما روتها لي في مخيلتي: أرجوك أن تجلس وتسمع شكواي، ثم انظر ماذا عساك تفعل.ولدتُ في تربة طينية عزيزة، تربة شريفة كما أخبرني جدي. ما زلت أذكر قوله لي بذرةً صغيرةً: ‘تغذي يا صغيرتي من هذه التربة، فهي تربة أكناف بيت المقدس’. رحمك الله يا جدي كم كنت حريصاً على جعلي أعتز بأرض ميلادي. أخبرني جدي أن أصحاب الأرض التي ولدتُ فيها اسمهم الفلسطينيون، أخبرني أن رجالهم فيهم كل معاني الشرف والرجولة وأن نساءهم فيهن كل معاني الحسن والعفة. كما أخبرني أن أقواماً آخرين قد جاؤوا من أراضٍ شتى يدعون أن هذه الأرض هي أرضهم وما هي بأرضهم، وأنهم أخرجوا رجال ونساء فلسطين منها.مرت الأيام ورأيتُني أكبر وأخرج فوق الأرض لأرى ضوء شمس الدنيا تنير أرض فلسطين، وسرعان ما تخاطفتني الأيدي بين يد قاطفة وأخرى مخزِّنة وثالثة شاحنة، لكن قسمات الوجوه التي رأيت لا تشبه قسمات وجوه أهل فلسطين التي أخبرني عنها جدي. وجدتني ملقاة مع أخواتي في صندوق عليه كلام ليس من لغة أهل فلسطين، ووجدت ملصقاً يوضع عليً يقول: ‘إنتاج إسرائيل’، وهذا كذب وافتراء. أتُلصقُ كذبة على وجهي وأنا عاجزة عن الرد عليها؟مرت أيام أخرى وتم شحني إلى أرض مجاورة يسمونها الأردن. حينها زالت كل همومي، فأنا أعرف أن أهل هذا البلد لن يشتروني طالما قرؤوا أنني ‘إنتاج إسرائيل’، فهم لن يكافئوا مغتصب الأرض بدفع نقود لا يستحقها مقابل فاكهة لا يملكها نبتت في أرض لا يملكها. وضعوني في ساحة مسجد، في آخر جمعة من رمضان. هنا زال آخر همومي، فهؤلاء المصلون سيغضبون حين يرون فاكهة مغتصبة تباع لصالح مغتصبها في شهر مبارك في مكان مبارك. جلست سعيدة وأنا أعلم أنني سأكون بضاعة كاسدة، ويا لشرف تلك البضاعة الكاسدة، ويا لشرف ذاك الشعب المسبب لكسادها!جاء شخص يتفحصني ويسأل عن سعري. أراه يقلبني بين يديه ويقرأ أنني ‘إنتاج إسرائيل’، لكنه لم يبالِ! جاء آخران وجعلا يفعلان كما فعل. جاء الكثير من الناس، البعض اعترض وأخذ يجادل البائع، أما البعض الآخر فاشترى. أسمع المشترين يقولون جملاً متفرقة متكررة كأنها دروس محفوظة:’لو أن بضاعتنا بمثل جودة بضاعة إسرائيل لاشترينا منها.”يا أخي هذه الفاكهة من الضفة. اشترِ ولا تخف.”وهل ستحل قضية فلسطين عن طريق مقاطعة الفاكهة؟”ما ذنب البائع كي تقاطع بضاعته وتقطع رزقه؟ ‘ألا يعلم هذا أنه حين يمسكني فقد أمسك شيئاً خارجاً من تراب فلسطين، بل منتزعاً منه دون أي حق؟ ألا يعلم ذاك أنه حين يشتريني فهو يصرح ضمناً بسكوته أن طراوة وحلاوة قطعة فاكهة هي أغلى عنده من وقفة حق يقفها من باب ‘أضعف الإيمان’ ليرفض اغتصاب خير فلسطين؟رحمك الله يا جدي. لو تعلم أن ابنة تراب أكناف بيت المقدس قد بيعت بعد اغتصابها لرجل يصلي أول اليوم، ويجلس آخره يلعن المحتل على شاشات التلفاز لبكيت كثيراً، وما بين صلاة ولعن يأكل حق أهل فلسطين في أرضهم ويدفع الثمن للمغتصب. أنا ابنة تراب أكناف بيت المقدس رغماً عنهم.ساري بشر الأسد الأردنsaryaad.blogspot.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية