ألقى نظرة سريعة إلى شمعته وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ثمّ رجع إلى التفكير ثانية، عند عودة التيار الكهربائي من رقدته الطويلة، بماذا سأبدأ؟ كان قد أمضى برهة من الزمن من غير أن يصل إلى قرار حكيم لترتيب أولويات الشحن، الأَوْلى أن أبدأ بشحن الهاتف المحمول فهو الوسيلة التي تصلني بالعالم، ربّما إذا بدأت بالمصباح اليدوي يكون أولى، فهو إضاءة متحركة أستطيع بها قضاء حاجاتي عندما يعود التيار إلى مواصلة رحلته بعد استراحته العابرة في حيّنا، بالإضافة إلى أنّه يوفّر عليّ ثمن الشمع، لا لا الأهم أن أسرع في شحن الكمبيوتر المحمول لأنّه وسيلتي الوحيدة لمتابعة أخبار العالم بعدما تعطّل جهاز التلفزيون.لو كان عندي موزّع كهرباء لاستطعت شحن جميع هذه الأجهزة مرة واحدة، أليس من الغريب أن يكون عندي كمبيوتر محمول، ولا يكون عندي موزّع لمأخذ الكهرباء؟! ولكن ماذا أفعل كلما اشتريت واحداً عاجله تماس كهربائي يقضى عليه من كثرة ما يعلّق به من مآخذ.ضرب كفّاً بكف وهو يقول كدت أنسى كيّ البنطال، إنّه أهم من كلّ تلك الأمور، كيف وهو ما سأخرج به أمام النّاس، استقر رأيه أن يكون هذا الأخير هو أول ما يجب أن يقوم به حالما يعود التيار الكهربائي، مر الوقت المقرر لعودة التيار الكهربائي، فبدأ يتمتم مع زفرة قوية كادت أن تطفئ ما بقي من أطلال الشمعة: حتى في هذا لا يلتزمون بالمواعيد… أغمض عينيه للحظة متسائلاً: ماذا لو لم يأتي التيار اليوم؟ بينما هو في حالته هذه وصلت إلى أذنيه أصوات التكبير والتهليل التي ارتفعت من البيوت القريبة، إنّها علامات عودة التيار الكهربائي، فتح عينيه: يا الله لقد عاد لقد عاد . قام مسرعاً وقد ألقى عن جسده الغطاء الذي كان يلفّه على نفسه ليحتمي به من البرد، ماذا سأفعل أولاً؟ تذكّر لقد اتخذت القرار التاريخي الحكيم سأكوي البنطال، أسرع إلى المكواة التي ما زالت تختبئ في علبتها التي كانت بها منذ أن اشتراها، مع أنّه ما انفك يستخدمها هذه السنوات الطويلة، لقد كان حريصاً على إعادتها إلى علبتها بعد كلّ استخدام ناجح، صحيح أنّها تعطّلت عشرات المرات، ولكن الصحيح أيضاً أنّه كان يصلحها بنفسه، سوى بعض المرات حيث استعان بصديقه المهندس . وَصَل المكواة بمأخذ الكهرباء، وانتظر حتى يسري التيار في أوصالها الباردة، مضت دقائق وما زالت باردة كليالي كانون، بدأ القلق ينتهبه، ليس من عادتها أن تستغرق كلّ هذا الوقت، نزعها من المأخذ وهزّها هزّة قوية ثمّ أعاد وصلها ثانية ثمّ انتظر قليلاً لعلّ وعسى، لقد نجحت هذه العملية بعض المرات من قبل، ولكنّها لم تنجح هذه المرّة، ماذا سيفعل؟ عليه أن يتخذ قراره بسرعة فالوقت يمضي، خطرت على باله فكرة: ماذا لو استعار مكواة الجيران لمرة واحدة، بينما يتسنى له إصلاح مكواته؟ فكرة صائبة، قال في نفسه لأول مرة اتخذ قراراً صائباً بهذه السرعة.ولكن ماذا سأقول لهم إن سألوني أين مكواتك إذن؟ سأقول ببساطة إنّها تعطلت، فإذا سألوني ولمَ تتعطّل مكواتك دائماً؟ سأقول لهم إنّها قديمة. وماذا لو سألوني: لماذا لا تشتري واحدة جديدة؟ سأقول – وأنا معتز بنفسي- لأنّي لا أملك ثمنها، وبينما كان يتابع حديثه مع نفسه فتح باب الشقّة وبدأ يصعد الدرج، فإذا سألوني لماذا لا تملك ثمنها؟ سأقول لأنّ راتبي لا يكاد يكفي طعامي وشرابي. فإذا سألوني: لماذا لا يكفي راتبك غير طعامك وشرابك؟ سأقول لأنّ الأسعار مرتفعة. ولكن قد يسألونني: أليست سياسة الحكومة هي السبب في هذه المشكلة؟ ماذا؟ لا إلى هنا ويكفي، وبينما كان يقول هذا في نفسه طرق باب الجيران، وما إن فُتح الباب حتى انطلقت الكلمات من فمه بسرعة البرق: فلتذهبوا أنتم ومكواتكم إلى الجحيم، لا أريد استعارتها، سألبس البنطال من غير كي، إن ظننتم أنكم ستستعبدونني بها فأنتم مخطئون، وعاد أدراجه تاركاً جاره فاغراً فاه يضرب كفّاً بكف، أغلق بابه خلفه وهو يلهث، استقر على أول كرسي رآه ذاهلاً عن التيار الكهربائي الذي عاد للانقطاع ، قام يتلمس طريقه إلى فراشه وهو يقول: الحمد لله لقد نجوت بأعجوبة. عبد عرابي[email protected]