الراحل حبيب الزيودي ورقيب الفضائيات الأردني بسام البدارينليست صدفة بالتأكيد تلك التي دفعت كاميرا التلفزيون الأردني لتسليط كل الأضواء الممكنة على وجه محدد لأحد الوزراء السابقين عندما تحدث الملك عبدلله الثاني عن إستشارات بملايين الدنانير حصل عليها وزراء سابقون بتعاقدات رسمية قبل تحولهم لزوايا المعارضة والملاحظة على النظام.الرسالة أكثر من واضحة فالرجل المقصود كان بين المدعويين لمأدبة الغداء الملكية العملاقة التي تخللها خطاب تاريخي ومفصلي وإنتقادات الملك لرموز الدولة المتحولون للمعارضة بعد ترك وظائفهم كانت جزئية أساسية في هذه المناسبة .بذكاء عمليا شاهد المواطنون صورة أحد الذين تتحدث عنهم الملاحظات الملكية النقدية تجلس بوقار على مائدة الملك وسط الزحام فكانت لقطة تستحق الثناء تلفزيونيا ومهنيا وإن كانت غامضة سياسيا وملتبسة وطنيا .أعرف الرجل المقصود جيدا وتلمست عشرات المرات إمكاناته المهنية التي لا أرى إطلاقا أنها تؤهله لتقلد المناصب الرفيعة التي تقلدها..كثيرون في الواقع من كبار المسئولين وسكان طبقات الوظائف العليا وضعت بين أحناكهم (لقمة) أكبر من أن يتمكنوا من مضغها.يقول البعض أنها (فرص) تصنعها المؤسسة للبعض للجلوس على أكبر الكراسي وأصحابها يسيئون الجلوس ولا يخدمون بضمير بل يثير بعضهم مشكلات تعرقل النظام وتنتج المعارضة في طريق تجريب هذه الفرص.بعض آخر لديه رأي مختلف فالمسألة لها علاقة بسوء الإختيارات لرموز الحكم والدولة والنظام طوال المرحلة الماضية بحيث دفع الجميع الثمن .وأول من تكلف هنا هو مؤسسة الحكم نفسها التي قدمت نفسها للناس بطريقة غريبة وهي تختار بعض الضعاف والمهزوزين وفقا لمعايير بدائية وبائسة لا زال يختلط فيها الإعتيار الأمني بالجغرافي في إطار محاصصة مهينة جغرافيا وعشائريا لم تعد تنتمي للعصر.بكل الأحوال أحب أن أرى اللقطة الذكية لكاميرا تلفزيون الحكومة على أنها إعتراف ضمني وصريح من المؤسسة بحصول أخطاء في الإختيارات .تلك من زاويتي بداية المعالجة الصحية للمشكلة فالوزراء والمسئولون لا يختارهم الشعب بل تنتقيهم إعتبارات غريبة غير مفهومة ليست عصرية ومرسومة على تقاليد بالية تستند إلى إبعاد وإقصاء الأذكياء حتى لا ينجحون في إكتشاف الخلل ويجلسون في مقاعد تركة ثقيلة من الأشخاص العاديون جدا يورثها القوم لبعضهم . لا يمكنه- أي الشعب- أن يكون سببا لأزمة النخب والخيارات لكن كاميرا الفضائية الأردنية أزعم أنها تسجل لنا إعترافات مختلفة هذه المرة .ساعة ونصف على الهواءقبل ساعات من رحيله كان صديقنا الراحل الشاعر حبيب الزيودي يكشف لي مباشرة خطته التي وصفها بأنها (خبيثة) للتحايل على رقيب الفضائيات والهواء الخفي في الأردن.الزيودي وضع خطة قوامها تسريب بعض الأسماء التي لا تعرف حتى باب مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لإستضافتها في برنامجه الإذاعي مشيرا لإنه يخطط لإستضافة المعارض الشيخ زكي بني إرشيد حتى يتحدث عن المعارضة ويخطط كذلك لإستنضافتي حتى أتحدث عن(الحقوق المنقوصة) . ضحكت وقلت لحبيب : لكني لست معارضا كالشيخ ولا أؤمن بالحقوق المنقوصة وأهتم بالمواطنة والوحدة الوطنية وليس بالحقوق المنقوصة.ضحك الراحل الكبير وقال لي: يا أخي سميها زي ما بدك ..حضر نفسك لساعة ونصف على الهواء في برنامجي سنتحدث فيها بجرأة عن كل شيء.قلت: عليك أن ترتب الأمر مع (الجماعة) فرد: لا تقلق سأتصرف … ليس سرا أن حبيب رحل على الدنيا- رحمه الله- وهو مهتم جدا بملف المواطنة والوحدة الوطنية بعدما أثار إنتباهه شاعر موهوب وشاب طلب منه التوسط لدى المخابرات حتى يتمكن من الحصول على (موافقة أمنية) على زواج شقيقته .هذا الطلب صدم الزيودي ودفعه للإلحاح على لقائي عدة مرات حتى نجد حلا مع مثقفين أخرين لإشكالية الهوية وللأوغاد الذين يتاجرون بقصة الوطن البديل ..هؤلاء يقول حبيب- لا يعرفون بأني وجدي عشنا وسنموت ونحن نستظل بدالية العنب الخليلية .كلما قابلته كان الزيودي يطرح علي نفس السؤال: هل تعلم أن مدينتك (الخليل) قدمت للكرة الأرضية فكرة (دوالي العنب) ؟…وهل تعلم أن أمي ونساء قريتي كن مع ساعات الفجر يستيقظن يوميا لطهي الخبز البلدي على الصاج وبكميات كبيرة لصالح الفدائيين الفلسطينيين الذين يقيمون بيننا في قرية العالوك؟.وفقا للراحل الكبير كانت أرغفة المقاومة الفلسطينية أولا وأرغفة الأطفال من الأولاد ثانيا وعملية الخبز كانت تجري مع سلسلة من الأغاني التراثية لفلسطين.وفقا له كان قائد معسكر المقاومة الفلسطينية في القرية ومحيطها هو الرجل الذي يخطب العروس وهو الرجل الذي يوافق على خطبتها بإسم أهلها لإن القرية كانت أردسطينية بإمتياز ولإن الشعب كان موحدا وواحدا…لذلك أنا شخصيا إفتقدت الزيودي رحمه الله.حكاية خوذة ومراسل صحفيقبل أسابيع فقط كان يمكن رصد ناصر شديد مراسل بي بي سي العربي سابقا على أسطح منازل وسط عمان يوجه زملاء الكاميرا لتغطية الإعتصامات الجماهيرية في قلب العاصمة الأردنية .اليوم يمكن لمشاهدي الجزيرة إلتقاط الزميل العزيز وهو يتابع الحدث السوري من عين المكان مراسلا حربيا سريا يغادر بعض الكهوف ويتجول بين البنايات المدمرة والأنقاض والجثث على طريقة سامر المسحال أيام الإعتداء الإسرائيلي على غزة.الفكرة المرعبة هنا بعد الربيع العربي أن المزيد من الزملاء يحترفون أكثر في صحافة الدمار وفي قلب مدننا العربية هذه المرة وبدون إستعمار أو حروب خارجية .. مؤلم ذلك حد الفجيعة فناصر شديد إرتدى خوذة أمام الشاشة بعدما كان يرتدي ربطة عنق وهو يرتب معي تقاريره عن ظاهرة سحب الجنسيات في الأردن.اليوم الرجل أشبه بمشروع شهيد يضع روحه على راحته ويتجول بين الأنقاض مع نحو 20 زميلا يمثلون محطات تمكنت من إختراق الحدود السورية مثل سكاي نيوز وبي بي سي والعربية والجزيرة .هل تلاحظون عدد الزملاء الذين غادروا ساحات التغطية الآمنة وتحولوا لمحاربين يحملون كاميرا ويرتدون خوذة وتشاهدهم يهرولون بين المقاتلين تحت أزيز الصواريخ ؟… لا علاقة للأمر بلقمة الخيز أو السعي للشهرة هنا بقدر إرتباطه بتلك الأنظمة المريعة التي إكتشفنا فجأة في العالم العربي أننا قبلنا في الماضي حكمها… هذه الأنظمة بائسة لدرجة ان تغطية جرائمها بحقنا يحتاج لجيش من المراسلين الحربيين ولسلسلة محطات فضائية قريبة من عدد فروع ماكدونالدز في العالم .. تلك هي قصة خوذة ناصر شديد بإختصار.ملاحظة أخيرةالكاميرات التي ساهمت في تغطية مراسم تشييع جثمان الشاعر الأردني الراحل حبيب الزيودي كشفت لنا وجها أخرا للزيف فأحدهم حرص على الظهور بكل الصور الملتقطة في هذه الجنازة رغم أنه المقيم الدائم في كل قصائد الراحل القاسية والمخصصة للهجاء.السبب يعرفه كل من إستمع للراحل في الأعوام الخمسة الماضية فملتقط الصور النافذ كان أكثر رجل طارد الزيودي وطرده من عدة وظائف ولاحقه في رزقه .مراسل ‘القدس العربي’ في عمّان