بيروت ـ ‘ القدس العربي’ ـ من مازن معروف بعد الانتهاء من قراءة كتاب ‘ قصتي’ دار الساقي)، تلوح أمام عينيك فكرة تفيد بأن مجرد مقالة عن الأسير السابق والمقاوم سمير القنطار، ستبدو سخيفة. المأزق يتجلى في أنك لا تريد الانصراف إلى مديح أجوف، أو المضي في تحليل سلوك سمير القنطار سياسيا طيلة فترة اعتقاله، أو التوغل في عالمه النفسي، أو العقائدي الصرف. قد لا تجد كلمة تضيفها، بعد الانتهاء من السيرة الروائية التي سردها القنطار وخطها حسان الزين، مكملا الذاكرة النشيطة، بلغة سهلة، كرونولوجية إلى حد بعيد، يتفرد فيها المتكلم ( القنطار) باستذكار تفاصيل، وأحداث عديدة، تشير إلى أن عمليته التي أحدثت دويا في المحكمة الإسرائيلية والإعلام العبري والعربي، لم تكن سوى الحلقة الاولى، أو نقطة الصفر، لحياة ستكتب صفحاتها بلهاث القنطار سعيا وراء تحقيق مكاسب للأسرى، بمساعدتهم طبعا، وتعزيزا لشخصيتهم ووجودهم وقضيتهم التي امتثلوا لها كذلك من داخل المعتقلات. الكتاب الذي يقع في قرابة الخمسمئة صفحة من القطع الكبير، سيضاف بلا شك إلى مكتبة التاريخ المعاصر، بوصفه، شاهدا على تطورات تاريخية وسياسية، لم ترسم آثارها على ملامح المقاوم، ليس لأن جدران السجن هي ما حال بينهما، بل لأن تلك القناعات المتصلبة، ظلت اكثر صلابة من أن تكسرها قضبان الزنزانة، حتى وإن نزلت عليها بديلا عن الهراوات. بوصلة القنطار لم تحد مرة عن الالتزامات التي نما عليها الفتى الذي كانه، بل لم تصب بوهن، أو بصدأ ما، أو ذبول، حتى لنستذكر ما قال له أحد زملائه ذات يوم، بما معناه بأنه ( سمير) اكسبه السجن فراسة وحِسّا بالصراع من أجل البقاء. عندما نقرأ ‘ تلك العتمة الباهرة’ للطاهر بن جلون، على سبيل المثال، نجد أن السياق الروائي يذهب في اتجاه التصاوير واستحضار المجازيات التي تحمِّض المناخ الداخلي لسجن تزمامارت وتخرجه بصيغة مكتوبة، بالإضافة إلى التوازنات الدقيقة بين الأسير والمكان، للإضاءة على تجربة إنسانية، عميقة، خارج الموضوع السياسي إلى حد ما. ونحن لا نتوخى مقارنة ههنا، غير أن التزام حسان الزين بتتبع الخيوط في أرشيف القنطار، لم يلهه عن الإيفاء بالتزام آخر تجاه اللغة، والسرد المتمدد حكما تحت سقف الرواية. هكذا، وجدنا أن في هذا العمل، خطين يسيران جنبا إلى جنب، او بالإحرى، ينجدلان في وحدة تسعى إلى جذب القارئ ما يجعل أمر ترك المخطوط أو تأجيل قراءته، أو استكماله ‘ لاحقا’، أمرا مستحيلا. اعتماد الكاتب صيغة المتكلم في السرد، عزز من ذلك االرابط ما بين القصة وبطلها اولا، وأوثق صلاتها بالبوح المباشر، والصريح، لتجربة ظلت بالنسبة إلى كثيرين بعيدة، نائية، حد النسيان، وطي الكتمان كذلك. كما حددت الشخصية الرئيسية طوال العمل وهي سمير القنطار نفسه، وعززت من قدرة السرد والتأثير على القارئ، كما في استعادة الخطوات النضالية في السجن، واسترجاع الأفكار ووجهات النظر المتقابلة ومقاربتها، تلقائيا بوجهة نظر الأسير القنطار الذي ظل موضوع جدل ليس إلى الإسرائيليين وحدهم، بل إلى اللبنانيين كذلك ممن لم يروا في خروجه حقا يستحق عملية ‘ الوعد الصادق’ التي نفذها حزب الله باختطافه لجنديين عام 2006. وعلى الرغم من انشدادنا أكثر إلى الحقائق التي يسردها القنطار في الكتاب، أكثر من ذهابنا بتحليل السياق، أو الأسلوب، إلا أننا نلتفت في مطارح كثيرة إلى اللغة الروائية، خصوصا في حالات تفرد سمير القنطار مع نفسه، أو تأملاته الفكرية والفلسفية والعقائدية والنضالية والعاطفية. هنا تطفو النبرة الروائية امامنا، قياسا بالأقسام الاخرى من الكتابن والتي نتلمس فيها توظيفا لهذه اللغة لصالح البوح. وهكذا يبدو الكتاب، كحبل من مكونين يلتفان على بعضهما بعـضاً، وهما: الذاكرة، والأسلوب. وهذان القطبان، يكشفان أيضا، شخصيتين هما: صاحب التجربة ( القنطار)، وصاحب الحرفة ( الزين). فالكتاب يتحلى بخاصية روائية، لا تسهب في الثرثرة، ولا تدع الحدث، أو التفصيل يفلت منها في غمرة الانفعال، فلن يكون ثمة ما هو فريسة اللحظة المستعادة على حساب اللغة، وهو ما يطبع هذا الناتج، بسمة أدبية لا يمكن التنكر لها في مطلق حال. في هذا البورتريه الخاص، والمستعاد من حياة سمير القنطار، تتقاطع تواريخ ولحظات عامة، تمس شعوبا عربية حلمت بالحرية. القنطار يضعنا على تماس مع هذه الحرية، التي أصبحت بالنسبة لنا، كشعوب عربية، ضربا من ضروب الفانتازيا أو الأحلام ‘ السندريلانية’. في ‘ قصتي’، يتوقف دفق الزمن في مطارح عديدة، حتى لنحدس بأن السرعة التي نعيشها، وتفاهة تجربتنا الإنسانية النسبية، ما هي إلا تصريفا من قناة زمنية، سيلان الدقائق فيها بطيء جدا، وكأن، على سبيل المثال، يؤخذ الوقت من شخص، إبقاء لحياته، ويهدر في حيوات أشخاص آخرين، يتفرجون على التجربة، ولا يعاينونها إلا إعلاميا من خلال متابعة القنوات الفضائية، وبشكل مؤقت، من خلال جرعات الأدرينالين التي توقظ في عروق هذه الشعوب، الحس النضالي، والحماسة بتحرير فلسطين، قبل أن ترش بمسحوق أبيض، لإطفاء تلك النار. في ‘ قصتي’، ترتسم تلك القناة، ما بين بيوغرافيا أفراد ( معتقلين) اعتبر كثيرون أنهم ‘ غادروا الحدث’، وما بين فكرة بالتحرر، لم تبهت عندهم، فيما استحالت إلى ‘ موضة قديمة’ عند آخرين. صلة القنطار ورفاقه بالحق الإنساني والبيولوجي والنفسي والإيديولوجي والسياسي، تقوى وتتكثف منذ لحظة دخولنا المعتقل مع الأسير الشاب. فيصبح العالم ‘ الخارجي’ وثيق الصلة، بذلك الداخلي، الذي أريد له أن يكون معزولا بالإسمنت. لنجد، أن الحرية قيمة يتبناها الإنسان ويساهم في صنعها أيضا، بل ويتجاوز منطقها المحدد بالفضاء الفيزيائي، أو المكاني، لتصبح حرية من طينة أكثر تجردا، دون أن يفكك لدنها الوهم أو ينخرها الشك. فالحرية، في السجن، هي الخلاصة التي نتجرعها كقراء لسيرة القنطار – الملحمة، والتي تتطور، كطفل، وتتنامى، وتحتضن وتُحمى، وتُغذى بالعزيمة وليس العكس، ولعل الإيمان بها، خارج الإطار الخطابي، والتربوي الرتيب، هو ما يوحي بأنها ولدت مع عميد الأسرى بالفطرة. فالقنطار يعرف أن بلوغ هذه الحرية لا يتحقق إلا بالنضال لتأمين الضروري للسجين، الذي هو من جهة ثانية حق طبيعي له كإنسان، وليس بمكاسب تعد ترفا للنفس البشرية. لذلك، نجد أن هذه الحرية، تتجسد أغلب لحظات السيرة / الرواية، وتخفت أحياناً أخرى، عبر مواجهات ينتهج فيها القنطار أسلوبا واثقا واستفزازيا وذكيا غير انفعالي مع المحققين ومدراء السجون والصحافيين المتواطئين مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وتتم المنازلات فكرية نفسية، وكأن ذات القنطار تقف مواجهة لذات السجان، بعد أن يتم تجريد الاخيرة من تفاضلها بالتمتع ‘ بالحرية’ لأنها ذات تحيا خارج السجن، وتتصل بمكان ‘ إقامة’ القنطار بحكم الوظيفة. ينتصر القنطار في أغلب هذه المناكفات، فيتظلل العمل بمشهديات مشوقة، ندرك من خلالها، أن الطريق للحرية تمر بالتواءات وتعرجات، وهي ليست طريقا مستقيمة، إذ تتطلب الخفة، والتخطيط والفراسة، قبل الانجراف لتحقيق مطلب هنا أو هناك. وإذا ما قرأنا العمل من زاوية روائية، فنية، فسنقول بأن ارتباط الحدث بالمكان المحدد ( السجن) أعطى فرصة أكبر للحدث كي يتبلور إنسانيا، الامر الذي تقاطع مع مناخات رواية ‘ الجبل السحري’ ( توماس مان)، وإن لجهة تحفيز السجالات الفكرية التي تجري بين نزلاء معزولين في مشفى في الرواية الألمانية، وليس تقاربا مع قصة القنطار بالسنتيمتر. فالعزلة وسط الطبيعة، هدفت في رواية مان إلى مد المريض بالأوكسجين، والنأي به بعيدا عن الأصوات وضجيج الآلات والمدنية والحرب. أما عزلة القنطار، فكانت، من فئة معكوسة تماما، حيث تستقدم الحرب عمدا على يد مدراء السجن بشكل عام، ويحاول هؤلاء استفزاز المعتقلين، والنيل من كرامتهم، والانتقام، وكأن ما بينهم ثأر شخصي، ولعله هكذا. والقنطار، لا يخوض الحروب التي تعنى بالسجن نفسه، بل نجده، ورفاقه، منضوين، في تحركات سياسية، داخل السجن، يتابعون الحدث السياسي، الانتفاضة مثلا ومفاوضات السلام الممسوخة. فريادية سمير، وتحليه بالقوة، والعزيمة، والعناد، والإصرار، والثقافة، وسعة النفس، والتيقظ، والتحري، والمسؤولية، والوعي، والتوجيه، والقرار، وبعد النظر، والجرأة التي يوظفها لتحقيق مكاسب معيشية في السجن، من الإسرائيليين، ومعاونة رفاقه، وتعزيز معنوياتهم، وتعليمهم، وشد أواصرهم، تجعل من السجن مكانا كرتونيا، شبيها بمعنويات مسؤولين السجن والأسرى العملاء الذين قادهم حظهم السيىء إلى التواجد في حيز واحد مع سمير. ولن نستغرب إصدار المعتقلين نشرة إخبارية أسبوعية توزع دوريا داخل السجن كـ ‘ نفحة ثورو’ و’ الانتفاضة مستمرة’، بالإضافة إلى صوغ بيانات تضامنية مع الانتفاضة وقادتها، كما و’ تهريب’ شعارات إلى غزة لكتابتها على حيطان الشوارع هناك، وأيضا وقف السجناء عن التدخين لمدة ثلاثة أشهر للتبرع بثمن علب التبغ لفعاليات الانتفاضة. وهذا بعد مطالب لم تتحقق لهم كالسماح للأطفال بزيارة آبائهم ومعانقتهم، إلغاء الشبك الحديدي من غرف الزيارات وتمديد مدة الزيارة وتحسين الاستشفاء والاسعانة بكوادر طبية من الخارج، وتحسين أوضاع الطعام والعلاج الصحي والحرامات والثياب المدنية من الأهل كالجاكيتات وتزويدهم بأبسط حقوقهم وزيارات الأهل، و’ تبني’ بعض هؤلاء لمعتقلين لا يستطيع اهلهم زيارتهم كحال سمير القنطار ( أم جبر وأم نزار) وتحسين وضع الأسرّة والحق بالجرائد والراديوهات ولاحقا التلفزيون، وغيرها، إضافة إلى السماح بالتعليم الجامعي بالمراسلة أسوة بالأسرى فلسطينيي 1948 ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية. وهي أمور لا تتحقق إلا بالإضراب عن الطعام، بعد التدرب له والإستعداد وكأنه استحقاق مهيب، يحمل أهدافا محددة لا رجعة عنها. هكذا يلوك المقاوم ورفاقه الصلات مع المعتقلات الأخرى، كسجن جنيد، وبئر السبع وعسقلان، ونفحة. فتارة يرفعون العيار بالانتقام من مدير سجن وذلك عبر إنجاحهم تنظيم عميلة فرار معتقلين، ما يؤدي إلى استبعاد المدير من منصبه، بعد أن تكون الخطة مثلا بأن يقوم سمير القنطار بإعدامه وسط الباحة وعلى مرأى من أعين الجميع، قبل ان تتغير لسبب أو لآخر. كما حين يُطعن مدير آخر، بعد أن أهان الحراس زوجة أحد معتقلي حركة حماس التي أتت تزوره. غير أن الكتاب كذلك، يكشف الهوة التي أخذت تتسع في السجن بين معتقلي حركة فتح، ومعتقلي الحركات الإسلامية كالجهاد وحماس، وكيف سعت إسرائيل إلى تغذية هذا الانقسام، عبر عزل هؤلاء عن بعضهم في زنازين ذات معايير مختلفة، إضافة إلى تفضيلها معاملة أسرى فتح، كجزء من خطتها لتأجيج الصراع بين المعتقلين داخل السجن، وتفتيت وحدة حركة الأسير الجماعية، التي لطالما راهن عليها القنطارواحتضنها وكان مسؤولا بارزا فيها. ومن ثم انحياز القنطار إلى حماس لتقاطع الخطوط معها، رغم بقاء قلبه، مع رفاقه الفتحاويين بحكم التجربة وعمرها. لكن الكتاب، لا شك، يفيض كذلك بمفارقات، ومواقف ساخرة، تكشف لنا خيبة أمل سمير من جهة وروح الدعابة التي يتحلى بها من جهة أخرى. ومن ضمن هذه المفارقات، عملية التبادل التي جرت بين إسرائيل والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إذ حرر أسرى ضمن تلك الصفقة وبقي آخرون في المعتقل. من بين هؤلاء، كان المعتقل عمر القاسم ( توفي لاحقا في السجن بعد صراع مع المرض)، الذي رفض أحمد جبريل شخصيا أن يتم إدراجه ضمن صفقة التبادل، وذلك لأسباب انتقامية. فالقاسم وجبريل كانا معا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. إلا أن الأخير انشق، كما هو معروف، ليترأس القيادة العامة عام 1968، فحاول بعيد ذلك أن يأخذ مخزن سلاح تابعاً للجبهة الشعبية في منطقة الشونة شمال الأردن، غير أن القاسم، الذي كان وقتذاك مسؤولا عن المخزن، رفض تسليمه لجبريل، بحكم أنه منشق. وهكذا، لم ينس جبريل تلك الحادثة، وبعد 16 عاما على اعتقال عمر القاسم، رفض أن يتم إدراجه على لائحة التبادل! مفارقة أخرى: في عملية اختطاف سفينة إيطالية تدعى ‘ أكيلي لاورو’ على يد أربعة فدائيين طالبوا بإطلاق سراح ركابها الـ 550 مقابل إطلاق سراح القنطار وخمسين أسيرا يختارهم هو، قام أبو عمار وتدخل شخصيا لفك العملية، فما كان من الخاطفين إلا تسليم أنفسهم بعد تلقيهم إتصالا لاسلكيا من أبو العباس، ليتوجهوا إلى تونس بعدها. غير أنهم اقتيدوا في الجو، من قبل طائرات حربية أمريكية، إلى إيطاليا حيث تمت محاكمتهم هناك! مثال ثالث: بعد تحريره، التقى الأسير قدورة فارس بياسر عرفات بعد مجيء الأخير إلى الضفة، فانتقد تخلي السلطة عن الأسرى، ليرد عليه عرفات غاضبا: أنا أريد أرضا لا أسرى. الأسرى أعتبرهم شهداء.
هذه الحقائق المحبطة، لم تنل من ذلك الجانب الساخر في شخصية القنطار، وهو ما تجلى أيام محاكمته مع زميله أبو أسعد، فحين تلا القاضي الحكم على قنطار بـ 542 سنة وستة أشهر، إعترض القنطار على الستة أشهر مستفسرا ‘ أهي طوابع؟’، وحين لم يفهم القاضي النكتة اللبنانية، قال له القنطار ‘ عندنا في لبنان، عندما يأخذ أحدهم أكثر من السعر، عمولة، نسمّي ذلك طوابع’. ليجنّ القاضي إثر ذلك. إضافة إلى السجالات التي كان يستفز بها القاضي حين يرفض الوقوف له، فيقول له ‘ أستطيع سماعك وأنا جالس، لا داعي لأن أقف’. أو يقول لضابط السجن ‘ معك الطلاء الذي تغطي فيه ما لا يعجبك برسائلنا؟’، فيرد الضابط ‘نعم’، ‘إمح وجهك البشع إذاً’. أو يقول لمسؤولة الاستخبارات في مديرية السجون ‘ سيلعب المقاومون بكم أتاري’ أثناء حرب تموز (يوليو) 2006. وإذا كان اختراع السجن قد وُجِد، لعزل ‘ المتهم’ أو ‘ المجرم’ أو ‘ الإرهابي’، عن أصوات الحياة، وانزال القصاص به، بحرمانه من منافع الحياة المادية ومباهجها، وإغراءاتها، فإن سمير القنطار، ذوب منذ لحظات دخوله المعتقل، الأبواب الكبيرة، الإسمنتية والمعدنية، والجدران، والأسلاك، ومحاها تماما، من خلال سعيه إلى مجابهة كل عقبة وتقصير وحرمان حق داخل السجن. لا تنفصل في العرض القصير لحياة القنطار، تبدو كماشة تقبض على الأحداث التي داخل السجن، المعزول، المنفى المطوق بجدران لا تستطيع عزل الحياة عنه، أو توقف نبض النضال داخل أروقته، كما تقبض هذه الكماشة على الأحداث خارج السجن، السياسية تحديدا، وتطوعها إلى نقاشات تعزز فهم الأسرى للعدو من جهة، وتكتيكاته الاستراتيجية والأمنية، كما تقوي من عزيمة هؤلاء الأسرى في مواجهة أي خطر. ثلاثون سنة أمضاها في المعتقل، محاولا تطويع جدرانه، وتليينها، وعدم التآلف معها. كان السجن خندقه، أو مركزه الذي استقر فيه ليواصل النضال منه. العلاقة ما بين القنطار وسجنه، او السجون المتعددة التي نقل منها وإليها، وبقي واحد على الأقل منها سريا إلى حين افتضاحه عام أوائل الألفية الثالثة، ظلت علاقة غير مستقرة بطبيعة الأحوال، محكومة بقناعات سياسية وإيديولوجية، عميقة، تشبث بها عقل القنطار العميد، ووعيه، بجَلد وصبر يثيران العجب والخجل في الوقت عينيه. دخل الفتى، كما هو معلوم، المعتقل عام 1979 إثر تنفيذه عملية نهاريا الشهيرة، وحكم عليه بكذا مؤبد وأحكام إضافية قال فيها لأحد الضباط الكبار بأن إسرائيل لن تدوم خمسمئة سنة. لكن الخلاف الدائر وقتذاك بين سلطة رجال الدين اليهود والجهاز العسكري نأى بقائد عملية نهاريا عن حبل المشنقة. إذ اعتبرت الفئة الأولى أنه من غير الجائز، دينيا، إعدام القنطار. رسم الشاب المراهق – بحسب تصنيف البيولوجيا ـ أولى خطواته في السجن وهو لم يكمل بعد الثمانية عشر عاما. كانت عزيمته تنضح بثوابت لم يحد عنها قيد أنملة. وبين عامي 1979 و2009 ( سنة تحريره على يد حزب الله)، تبدلت أهواء كثيرين ممن استقلوا ‘ بوسطة’ النضال، فلم يكمل الطريق بعضهم، وهوى منها البعض الآخر، فيما حاول تعديل وجهتها البعض، وقد أفلحوا في ذلك أو ربما لم يفلحوا. ظل القنطار الراكب الوحيد، السائر نحو هدفه البعيد: تحرير فلسطين بكامل ترابها وإرجاع الحق إلى أهله، وهو الهدف الذي غدا أسطوريا بالنسبة إلى العرب الزعماء، بل مستحيلا وجنونيا وضربا من ضروب الهرطقة. تغيرت خارطات سياسية، وتبدلت اتجاهات ومعادلات، ولدت ثورات جديدة، وغصت المنطقة بالحروب. انكفأ الفلسطينيون المقاتلون عن بيروت، انزلقت إيران إلى حرب مطاطية مع جارتها العراق، وولدت مقاومة جديدة، ذات عقيدة مختلفة، لكن ضمن الهدف الأسمى بالنسبة إلى سمير. غاب عن ذهن أشخاص لم يكن بحاجة إليهم، ارتبطوا بعلاقات مع الولايات المتحدة أو باتفاقيات سلام، إلا أنه كان حاضرا في المقلب الآخر، المؤمن بخيار المقاومة المسلحة، شريكا فاعلا، ومتفاعلا مع كل التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة، سواء في فلسطين أو لبنان. لم يغب القنطار عن واجبه النضالي، عاش في السجن، وجعله مسرحا للكفاح وإعلاء نبرته، دون خوف، وبكل تبجح بحق مغتصب. يهدي حسان الزين الكتاب الى جوزيف سماحة، بينما يؤثر سمير أن يوجه إهداءه إلى روحي أبيه وأخته، وعائلته في عبية، وأم جبر، وزوجته، كما للمعتقلين أحياء وشهداء، والمقاومين، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.