لم يكن بوسع الفتى ان يتجاهل تلك الرسائل الدافئة … فمع زقزقات العصافير وبين خيوط الفجر كانت ترسل له الرسائل …وكان فيها شيء مختلف ومشاعر مختلفة وأشياء تذكر بالمحبة والانسان ، وبين السطور كان يرى النور .. وكان كلما قرأها مرةً أحس بالكرامة … كان يافع السن صغيرا.. قلبه ابيضٌ كبياض ثلج الزعتري… ووجه بريء كوجه حمزة الخطيب .. وكثيراً ما كانت تحدثه عن المستقبل .. فهي لم تعد إلى الماضي أبداً .. وأقسمت له مراراً بأن الدرب مزروع بالأمل .. وأنها ستسعد كل قومه .. لم ترسل صورتها أو تذكر اسماً لها .. فتن الفتى ببهائها .. وأقسم ان يلقاها … واصبح ينتظر الفجر بشوقٍ كل نهار .. حتى جافاه النوم .. فكان أن شعرت الأم وقرأت السطور … فوشت به لأبيه ..عرفها الأب وعرف حقيقتها .. وعرف اسمها وعرف أهلها .. كيف لا وهو الذي عجِز عن مهرها من أربعين عاما … فالمهر غال والعرس مكلفٌ وكبير … وعرسانها اليوم غدوا مئة وخمسين ألفا، بكى الأب .. فمصير الابن محتم … فالإبن هام بها وأخذ القرار … والأم زغردت.. فالعرس عرس ابنها … والعروس له. في ذلك الصباح أفاقت العصافير باكراً وغردت مقام الصبا.. وكانت الأرض تلبس حلةً حمراء .. نهض الولد مبتسماً، ولأولِ مرة أحس بالحرية وبقوةِ الجبال .. وأيقن ان لا شيئ سيقف بطريقه .. لبس ثوب الرجولة ومشى كالمارد .. لم يودع أحداً .. ولم يكلم أحداً …وحيث الموعد ذهب .. فموعده هناك .. وعرسه هناك .. والعروس هناك ..والحرية هناك ..والخلود هناك .. و كان هناك مئة و خمسون ألف عريس .. فكان هناك و بقي هناك … وهتفت الناس لها .. حرية .. حرية .. و كانت النساء تزغرد. عدنان حاطوم كندا