قصتان قصيرتان

حجم الخط
0

قصتان قصيرتان قصتان قصيرتان زيد الشهيدشــــــــــــجن: إنّه ينتظرُني هنالك!.. ها هو صوتُ الناي.وكالعادةِ ارتدت عزيمتَها على لقائِه، وخطت تاركةً البيت يشيعُ فيه الصمتُ وأنفاسُ الأبناء الذين كثروا عَدداً، والزوج الذي نعِم بها زوجةً .. اتَّخذت الأزقةَ المتهالكة، خروجاً إلى النهر. لم تأبه للظلمةِ التي كانت تشيعُ في الأرجاء؛ والفضاء المفتوح على الشريط الرملي الممتد مع النهر ما عَنى لها شيئاً.. الذي كان يعنيها هو تصميمُها على لقائِه حتى وهي تدخلُ عامَها الخمسين.. صوتُ الناي يعزفُ سيمفونيةَ الألم ويقدِّم مُعلّقةً موسيقية تتحدث عن الفقدِ والضياعِ الذي لفَّ حياتَهما بعدما كانا يلتقيان خلفَ الزورق الراسي على الضفة، بعيداً عن أعينِ الفضول ينعمان بأعوامهما الخامسة والعشرين.. تقعي على الرمل ويقعي معها. يحدِّثها عمّا جمعَ من مالٍ ليكون مدخلاً لحياةٍ حلما بها كثيراً.. تقول له: أنا أثقُ بك، وأعرف أنكَ عازمٌ على الاقتران بي. ولكن هل تجتاز العقبات فلا تأبه لمن سيعيق لقاءَنا ألأبدي؟ فيطلقُ قهقهةُ السخريةِ من الأقدار، والمفاجآت، والعقبات. قائلاً: ‘أنت لي حتى لو غضبَ النهرُ زَعَلاً، وأزبدت السماءُ توعدا’. صوتُ الناي يقتربُ كلما دنت، فيحاورها (هو) بالألم الذي تسللَّ إلى تلافيف رأسه وجعله يشعر بوشيشٍ دائم يشيع في دروبِ مسمعه، وتدمع عيناها (هي) كلما التقته واكتشفت أنَّه يتفوه بكلماتٍ لا رابطَ لها مع حواره.. تقول له: حالُك لا يطمئنُني ! بماذا تشعر؟. فيجيبُها بكلماتِ الذهول: وشيش يدوُّم في أذني، ويُعجِزُني عن محاولةِ النطقِ بما أريد.يوماً بعد يوم كان الوشيشُ يكبر واللسانُ يريل. استعاضَ عن عجزِه في النطق بنايٍ صنعه بنفسه من القصب الذي يجاور النهر.. وجده طريقةً مُثلى للحوار مع الحبيبة التي تمزقت دواخلها وهي تترجمُه يذبل، ويذوي، ثم يموت..بكته بحرقةِ الشباب. وتلفعت عباءةَ الحزن والعزمِ على أن لا تنساه. ساعدها في ذلك صوتُ الناي الذي كان يتناهى إليها عندما تهمّ بوضعِ رأسها على الوسادة ؛ حتى وهي تقترن برجلٍ أغدق عليها عديدَ الأبناء وزرع لها دربَ الحياة بورودِ الطمأنينةِ والهناء، فتنهض فزعةً تخشى عتبَهُ. تنهض على نداء الناي متَّخذةً الدرب النازل إلى الشريط الرملي.. هناك حيث ستلتقيه كعادتِها التي استمرت وتواصلت ربعَ قرنٍ من الزمان، ومدىً لا ينقطعُ من اللهفة والحنين. مصــــيرشجيُّ ومثير.. عذبٌ ومؤثّر صوت الناي، ذلك القادم من هناك.. من الشريط الرملي المعتم الذي ينام على هدهدة أنسام تمر عليه وتمرر كفَّها الحاني على جسد النهر… كثيفٌ ذلك البستان الذي يبدو كحشدٍ من آهات لأناسٍ توسَّدوا الثرى وغاروا في بطونِ الزمن السحيق. أناسٌ صاحبوا إلى قبورِهم قلوبَهم الحزينة، وهمومَهم الثقيلة، وبراءتَهم المنتهَكة، كذلك تطلعاتِِهم التي لم تتحقق. صوتُ الناي أيقظهم الآن من رقادِهم. والناظرون مِن على شرفات الحاضر بإمكانِهم اللحظة رؤيةَ الجموع يخرجون من عمق العتمة حاملين آهاتِهم مشاعلَ تضيء دربَ القدوم إلى حيث صوت الناي.. يتوالى وصولُهم، وتزداد جموعُهم فيغصُّ بهم شريطُ الرمل.. يتطلعون في ما بينهم. صوتُ الناي يدفعهم إلى أداءِ طقوسِ الشهقات. ينثرون نظراتهم المشبعة بآلام لا تُطيق حملَها الجبال. يتبادلون حواراتٍ لا تسمعها الموجودات (يسأل احدُهم الآخر: من أي زمن أتيت؟ وكم استغرق وجودك في برية الضياع؟ متى ينتهي رحيلُنا الأبدي؟ وإلى أي مرسى تتَّجه بنا سفينةُ الأجداث؟). بوسعِ الناس – من على شرفاتِ الحاضر – مشاهدةَ الكلمات تتفتَّت مهشِّمة من بين شفاهِهم بينما أفواهُهم بين لحظة ولحظة تنفرج كما لو كانت تبغي إطلاقَ صيحات الشجن لتحكي تاريخاً من المرارات، وأجيالاً من السحق، وهولاً لا يطاق من الفقد.. بالإمكان رؤيتهم يرتدون ملابسَ لأجيالٍ انهالت فوقَها القرونُ والحقب تحكي عهوداً سومرية وبابلية وإسلامية ومغولية، ريفية وحضرية، أعراباً وأغراباً، سادةً ورعاعا. طافوا في المكان؛ وهاموا على صوتِ الناي يحدوهم إلى مداراتٍ زمنية لا ترى؛ ما لبثوا أن دخلوا إلى النهر يتطَّهرون استجابةً لندائه السرمدي؛ ثم يخرجون عُراة إلا من همومِهم وأسئلتهم، فيعودون زرافاتٍ، زرافات إلى كثافة العتمة، إلى قلبِ البستان الغارق في الدكنة الثقيلة ليرقدوا الرقادَ الأبدي على هدي صوتِ الناي الذي شرعَ يتلاشى بغيابِ آخِرَ عائدٍ منهم. تشيعُهم حيرةُ الوجوهِ المتابعة -من على شرفاتِ الحاضر- الوجوهُ التي ما أنْ هدأت الأشياءُ، ومعها النهرُ حتى راحت تحدّق بملامحَ بعضِها بعضاً وسطَ حركةِ شفاهِها التي أفصحت عن كلامِ يقول: يوماً ما ستنضمّون إليهم. نعم.. يوماً ما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية