قصر الفنون وعشرة من الحضور يحيون احتفالا رمزيا بأحمد شوقي!

حجم الخط
0

احتفال بمرور ثمانين عاما علي إمارة الشعر:

القاهرة ـ “القدس العربي” من محمود قرني: قاعة صغيرة أسفل مبني قصر الفنون، هي وحدها التي تذكرت تلك المناسبة المصرية الرفيعة، وهي مرور ثمانين عاما علي تنصيب أحمد شوقي أميرا للشعراء، اللهم إذا استثنينا تلك المقالة التي كتبها الشاعر أمجد ناصر في “القدس العربي” دفاعا عن رفعة اللقب في مواجهة الابتذال الذي يحيطه بتلك المسابقة الخليجية المليونية لما يسمي أيضا بأمير الشعراء.

سنترك المسابقة الخليجية لشأنها، فهي ليست موضوعا لهذا المقال، كما أنها ليست موضوعا يتميز بالفرادة ـ عربيا ـ في تدمير كل قيمه، يكفيها شرفا أن تدمر الشعر العربي تحت راية الدفاع عنه، تماما كما يفعل الحكام عندما يبددون الآلاف دفاعا عما يسمونه الاستقرار الذي يعني استقرار مؤخراتهم علي كرسي السلطان.

أما إمارة الشعر التي تنصرف إليها هذه الكتابة، فتلك التي حياها كبار الشعراء العرب بداية من شاعر الرومانسية الفريد بشارة الخوري إلي شاعر المعاظلة الإحيائي حافظ إبراهيم، لكنها في كل الأحوال، ليست تلك الإمارة المستعادة علي طاولة الحنين بغية ترك دمعتين حارتين علي قبرها، فإمارة الشعر آنذاك، كانت جزءا من الوعي السياسي العام الذي كان يبحث عن أبطال كانوا مشغولين بالدفاع عن دولة الاحتلال لكي يعيدوا الحياة لذراع السلطنة العثمانية التي بترها محمد علي ثم أجهز عليها ذلك الاحتلال في بداية حقبته الكولونيالية.

لذلك لم يكن غريبا أن تتهيب المناسبة ذلك الملك الحضور القادم، الذي يتنازعه مركزان الأول في القاهرة والثاني في الحجاز، وكانت تلك الإمارة الرقيقة في رمزيتها إمارة الشعر فألا يعلقه الحكام تميمة كالأحجبة علي صدورهم انتظارا للنبوءة القادمة.

كان أمير القوافي أحمد شوقي قد نجح في إحياء تربة يبست، ولأنه امتلك موهبة فذة عرفت طريقها بالوعي المبكر إلي التحديث، فقد استطاع أن يعيد الاعتبار لدولة الشعر بعد طول خسوف. ورغم الهشاشة والضعف الباديتان علي إمارة الشعر في مواجهة إمارة المسلمين من أقصي المشارق إلي مغاربها، إلا أن السياسة بمكنتها الوضعية ومفارقتها للحلم، وقسوة وضوحها ومباشرتها، استطاعت استخدام ذلك الكائن الغض الضعيف، كما لو كان جزءا من آلية التحديث العسكري التي ستساهم في تعضيد أركان الإمبراطورية القادمة، وهو أمر ساعد كثيرا ليس علي تعضيد الإمبراطورية، ولكن علي تعضيد سوء الفهم المتبادل تاريخيا بين رغبة الحكام في استخدام القيمة الرفيعة لتبرير أبشع الجرائم السياسية وأكثرها انحطاطا، وبين رغبة الشعراء في التحلل من ذلك الرباط غير المقدس بين شرف القيمة الإنسانية ووضاعة الذهب الذي يلمع في أكياسه تحت أقدام الخليفة.

وفي الثقافة العربية لا يكاد المرء يعرف الفرق بين بناء امبراطورية عضود تقوم أركانها علي القتل والتشريد وغياب العدالة وتجذير الفكر التوسعي علي نفقة الشعوب المقهورة، وبين إمبراطورية الشعر التي يقوم ملكها العضود أيضا علي تلك اللغـة المجازية التي يراها الساسة ترفا يليق بالأغبياء والمجانين، وعلي خيال أكثر ترفعا من خيال الحكام والأمراء الذين يحلمون بالموائد وقد تمددت عليها جثامين الأعداء مشوية ومتبلة وتنتظر الآكلين.

ومع ذلك تبدو تلك المسافة أكثر قربا من أصبعي السبابة والوسطي في ثقافتنا، رغم تلك الشقة البادية في تلك الأوصاف وإن بدت قاسية إلي حد بعيد، فالمتنبي الذي كان ينكر أنه إبنا لسقاء فقير، اضطر ـ مع أناقة موهبته ـ إلي استخدام الكثير من الأراجيح لكي ينال ذهب المعز، وفي ظني أن اعتداده المفرط والمستمر بنفسه لم يكن إلا دفاعا عن تلك القيمة الإنسانية الرفيعة التي تقلق نومتها تلك الأكياس الذهبية اللامعة، وفي النهاية لم يسلم من سداد ثمن باهظ لاختلافه مع كافور الإخشيدي الذي مارس ضده أبشع صنوف المهانات.

لم يكن شوقي بعيدا عن ذلك، لقد لعب دورا سياسيا في تعضيد إمبراطورية بائدة، وقد كان تحوله من شاعر بلاط إلي شاعر للشعب المصري ثم العربي توطينا وتعظيما لذلك الدور القادم الذي يدفعه لسب ثورة عرابي ووصفها بالصغار وإن اعتذر لاحقا عن ذلك، ثم الدفاع عن السلطان حسين كامل الذي أتي به الانكليز خلفا للخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان يرفض الاحتلال. وبالطبع لا يمكن للشعر أن ينجو من العسف والتنكيل مهما كلل نفسه بتلك الإزارات العادية، ولم يشفع لشوقي أنه ابن السراي وتربي في بيت إسماعيل، وتم نفيه إلي أسبانيا عام 1915، ولم يعد منها سوي عام 1920 بعد ثورة 1919، ولم يكن شوقي ينسي أبدا أن أستاذه ورائده في مدرسة الإحياء محمود سامي البارودي قد ألقاه الاحتلال في جزيرة سرنديب حتي كف بصره وعاد بكومة أخري من الأمراض التي فتكت به، غير أن المنفي أعاد لشوقي جوهرة الشعر في أكثر حللها زهوا ونقاء، فكتب أعظم قصائده هناك علي شواطيء طليطلة، وأقام معارضاته الكبري ثم عاد مُكملا بأصوات الآلاف من مستقبليه كبطل شعبي لم يكن يقل أهمية عن زعيم ثورة 1919 سعد زغلول.

ولم تكن سنوات شوقي 1868ـ 1932 الأربع والستين سوي رحلة وعي مبكر في قصر الخديوي إسماعيل، ثم الدراسة في مصر وفرنسا، ولم يكن منجزه الشعري هو المفارق الوحيد لانحطاط الشعر منذ العصر المملوكي، بل كتب سبع مسرحيات شعرية وستة كتب نثرية وإن كان معظمها من النثر المسجوع علي غرار النثر العربي، وكانت قناعات شوقي بشعرية أبناء سلالته عميقة لدرجة لم يفرق فيها بين الحكمة في الشعر علي مر عصوره، ورغم اختلاف وعيه، كان يقول: لا يزال الشعر عاطلا حتي تزينه الحكمة، ولا تزال الحكمة شاردة حتي يؤويها بيت من الشعر. ورغم تلك المواقف التي وصمت شعر شوقي كما وصمت جانبا كبيرا من الشعر العربي بدرجة تجعله في حاجة الي الكثير من التنقيح، إلا أن دعوة شوقي لم تنقطع بمهاجمة الاحتلال وإقرار الدستور وإقامة دولة العدل، وقد أثقلت الكثير من الوطنيات ذلك الشعر الصارخ بمباشرته وعنفوانه إلي حدود لم يعرفها الشعر العربي بسبب غياب مفهوم الدولة الحديثة في صورتها المركزية، وسيادة وتركز الوعي القبلي المحدود بحدود القبيلة، ثم حدود الامبراطورية التوسعية غير المؤمنة بالجغرافيا، ومع ذلك فقد قابلت شعرية شوقي رفضا تدميريا من العقاد والمازني، وقد وثقا معركتهما في الكتاب الشهير الديوان، وفي النهاية اعترف المازني بأنه ليس شاعرا، واستمر العقاد في مراكمة الكثير من الشعر المتعسف الذي لم تقيض له حياة بعد رحيله.

ولم تكن المعركة ضد شوقي حتي في وجهها الناضج لدي شوقي ضيف ومحمد مندور، سوي ذلك الوجه الخشن الذي جاوز أفق الرغبة في التحديث إلي أفق يتجاهل قيمة النوع مثلما فعل العقاد والمازني، وأفق آخر يتجاهل القيمة التحديثية لشعر شوقي من حيث كونه نقل الشعر من رطانة القواميس الميتة إلي قشابة الصورة الشعرية التي ينتمي إلي زمنها، بأكثر من انتمائها إلي ماضيها المعرفي، التراثي تحديدا.

إن القيمة التي أرساها شاعر في حجم شوقي والتي بررت ـ قبل ثمانين عاما ـ منحه راية إمارة الشعر، ليست هي نفسها القيمة التي يمكنها أن تثير الكثير من الجلبة والضحك إذا ما تصورنا أن ثمة أناس ـ مغيبون علي الأرجح ـ يحاولون شراء اللقب بملايين الدراهم ذات الزنخ النفطي، ناهيك عن أن إثارة الأمر ـ برمته ـ الآن لا يعني سوي دعوة العامة الي وضع إكليل من الزهور علي قبور هؤلاء الشعراء المساكين الذين لعبوا بالشعر، ولعبوا في حدائق السلاطين، وأنجزوا الشيء الكثير لذاكرة هذه الأمة، رغم الحوادث المأساوية، والمخجلة أحيانا، التي حدثت معهم في تلك الحدائق ذائعة الصيت.

إن أجمل ما ورثناه من شعرنا الراهن أنه لم يعد صالحا لمثل هذه الألاعيب، ربما لعيب خلقي، أو أخلاقي، لكنه في كل الأحوال لا يملك ذلك المقود الذي يسوق الجماعة ـ الأمة إلي حيث يريد الخلفاء.

الشعر بات عصيا حتي علي نفسه، وإن لم تخل الساحة طبعا، ولا في أية لحظة، من شعراء يخترعون بلاطا ملكيا ينشدون في حضرته، هذا إذا لم يجدوا بلاطا علي استعداد للقبول بخدماتهم الضئيلة.

أما تلك الندوة عن شوقي في ثمانينية مبايعته أميرا للشعر، في بدروم قصر الفنون، فلها الله، وعشرة أشخاص جلسوا أمام الدرعمي المعمم، رغم تبذله، الدكتور أحمد درويش، لينعموا بكلام مكرر طيلة ثمانين عاما، ويغطون في عرق لزج طيلة ساعتين بسبب أعطال جهاز التكييف، الذي يمثل السبيل الوحيد للتنفس في قاعة تختفي تحت الأرض بأكثر من سبعة أمتار.

رحم الله شوقي، وإمارة الشعر، وقصر الفنون، والامبراطوريات التي تعاملت مع إمارة الشعر ـ بنعومتها الرمزية الباهرة ـ علي أنها أظلاف يمكنها سحق الأعداء.OREقليلا من ابن رشد خالد سليكي في “الأدب والارتياب” يفتح عبد الفتاح كليطو في وقار هادئ، بابا علي غرفة لايريدها الوعي العربي السائد أن تنفتح؛ إنها مسكن قضايا ابن رشد. ففي محاورة عميقة يدخل في فضاء يصنع من خلاله تحيينا لقضية رجل هو أقرب إلي شخصية نص سردي.. بملامح تخلط بين التخييلي والخيالي. وكيليطو، من خلال هذا العمل، الذي يستحضر فيه عقلانية أحد أكبر المتكلمين الذين عمل الخطاب التراثي علي اعتباره أديبا فقط، ونقصد الجاحظ، الذي اعترف، واهتم بالقارئ العدو الذي يشركه في مشاريعه ويدعو له، وفي كل لحظة يلتفت إليه ليتأكد من انتباهه ويذكي اهتمامه1، لايريد أن يقدم لنا صورة عن رجل، بقدر ما يهدف إلي تقديم صورة لقضية/قضايا. والارتياب المطلوب، هنا، هو نوع من اليقين الذي يتخلل الشك والقلق والمتاه والدوخة، بالمعني الفلسفي العميق، التي طبعت شيئا كان من الممكن ألا يضيع.. فابن رشد يصبح متعددا بتعدد مفهوم الزمن من جهة، وتعدد المكان من جهة أخري. إننا صرنا أمام شخصيات تسكن شخصا هو فيلسوف قرطبة الذي وضع للدورة اليومية محطات، بعضها لممارسة الحياة في بعدها الواقعي وما تحمله من دلالات تشتغل بالشرع؛ فهو قاض. قم هناك زمن ليلي فيه يجد ابن رشد ذاته ويعود إلي المصالحة المشرقة مع عقله ليتأمل بحرية أسرار الكون ويسرُّ إلي عقله وقلبه كل ما يرتاح له.

العقل. والتعقل. لقاءات مع أرسطو ومجالسيه في حضرة متَّي، وبشر بن إسحاق. يجلس متأملا ما يحار في أمره. لكن ذات لحظة يدنو الليل من نهايته، فيتحول الزمن إلي لحظة البين-البين، حيث يغيب الوضوح ويتوقف الليل عن أن يكون زمنا خالصا، كما يضيع النهار عن أن يجلي وضوح نهاره. وهنا بالضبط تختلط الأمور علي عراب العقل فتختلط عليه القضايا وينتصب واقفا في وجه رجل انتصر لتيار وحارب زندقة وكفر كل الإشراقات التي كان فيها العقل صحوا يبحث عن سر الأسرار، فيبحث عن اللحظة التي كان يتهافت فيها المتهافتون، وهم لايميزون بين الليل والليل، بين الحقيقة والحقيقة، بين النهار وبين الليل، “في وقت امتزاج الليل بالنهار، اختلطت عليه الأمور، فرأي المختلف (التراجيديا والكوميديا) في صورة المألوف (المديح والهجاء)، ومن ثم رد الأدب اليوناني إلي الأدب العربي. لقد خرج من مكتبته عند المساء وذهب للقاء الآخرين، ولكنه عاد في النهاية إلي منزله، مع كل ما يعني المنزل في رسو في الماضي”2. لقد ظل وضل وانتهي إلي أرض غير التي انطلق منها، فهاجر إلي أزمنة وأمكنة لم تتوقف عن التوفيق والبحث عن الفرق بين العقل والنقل عن الفلسفة والشريعة، عن الكوميديا والتراجيديا. فهل ضل كل الطرق أم إنه ظل يمكث في نفس المكان، حائرا في الفصل بين القول والقول، وباحثا عن نقطة الوصل بين الشيء ونقيضه.

إن ابن رشد يتحول إلي مشهد لعدد من التقابلات التي تجسد الحيرة والمتاهة اللتان تشتغلان في ذهن ابن رشد الذي يبحث دائما عن معادلة للتوفيق بين كل هذه المفارقات، في محاولة إلي صناعة وصفة تذيب التنافر وتهزم التناقض بين الظاهر والباطن، والعقل والشريعة.. وانتهي إلي أن “كل شعر، وكل قول شعري فهو إما هجاء، وإما مديح”3 وقد سقط في متاهة خطإ فهم للتراجيديا والكوميديا المترجمتين إلي “المديح” و “الهجاء” وهو سوء فهم تكرر طوال تاريخ ترجمة هذا العمل (فن الشعر) لأرسطو، الذي لو كتب له أن “يفهم علي حقيقته وأن يستثمر ما فيه من موضوعات وآراء ومبادئ، لعُني الأدب العربي بإدخال الفنون الشعرية العليا فيه، وهي المأساة والملهاة، منذ عهد ازدهاره في القرن الثالث الهجري، ولتغير وجه الأدب العربي كله. ومن يدري! لعل وجه الحضارة العربية كله أن يتغير طابعه الأدبي كما تغيرت أوربا في عصر النهضة”4. وإذا كان ابن رشد قد ضل حقيقة المسرح من خلال ما جرته الترجمات السابقة التي اعتمدها في شروحاته للمعلم الأول، فإنه سعي إلي أن يجعل من كبري قضاياه هي الحيرة التي دخلها حين عمَّ الظلام في زمنه الليلي. فتعلق بسر الليل وهو يبحث عن حقيقة الحكمة بين العقل والعقل، بين قرطبة ومراكش.. ولكنه في لحظة الفهم العميق ابتلي بنكسة موجعة أفقدته عقله وراح يهيم في ملكوت بلايا العقل العربي الذي لم يزدد إلا ظلاما ذات زمن لم يجد له مخرجا حتي اليوم. وحين مات ابن رشد، وبعد ثلاثة أشهر من دفنه حملت رفاته إلي ماوراء البحر لتدفن في قرطبة. وحضر ابن عربي جنازته وقال “ولما جعل التابوت الذي فيه جسده علي الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر” ليدفن الجميع في رحم أرض أخري هي أوروبا.

ماذا فعل ابن رشد في لياليه”لقد كان، حسب من ترجموا له، يشتغل بالليل، ولم يتوقف عن العمل إلا ليلة زفافه وليلة موت أبيه. فهو في وضح النهار يشتغل في وظيفة قاضي: النهار بالنسبة إليه زمن الشرع، وفضاء الشارع أو العالم الخارجي. أما أثناء الليل، فإنه يكرس جهده للفلسفة، أي لمادة شبه سرية، تدرس في الخفاء والستر، مما يقتضي العزلة، والانكماش علي النفس، والانقباض في قرارة المنزل: إن الفلسفة جانبه المظلم”5. فانشغل في لياليه بالبحث فيما بين الحكمة والشريعة من اختلاف واتفاق. وانكشف له أن الحق هو جهة من جهات الحقيقة، وإن الحقيقة هي المطلق الذي لا يبلغه إلا أولئك الذين رسخوا في البحث عنه في الليالي. ومن ثم لم تكن الشريعة سوي إحدي وجوه الحق الذي ينضج في السعادة بالمعرفة “بالله عز وجل وبمخلوقاته”6. وإن “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له. وإذا كان هذا هكذا، فإن أدي النظر البرهاني إلي نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به”7. وابن رشد في زمنه الليلي، كان يرسم لمسار زمني سيحكم عليه بأن يبقي حبيس الليل العربي المظلم. وحقيقة الحقائق التي رسم ملامحها في ليالي مراكش وإشبيلية وقرطبة، ما كانت لترتكن في هدوء وصمت ذلك الزمن، فأشرقت شموس ضالة ورأت أن جنون ابن رشد لابد أن يُبحث له عن حل، ولابد لمرض الرجل من دواء حتي تنتهي آلام كل من ذاث مرارة حقيقته. لقد جُنَّ ابن رشد حين اعتبر الأرض كروية، ومرق حين اعتبر أرسطو معلما كبيرا، وضلَّ الطريق مرة أخري حين رأي أن الفلسفة مصباح للبحث عن الحقيقة في عز الليل!

فالليل لا ينبغي أن تُنير جنباته إلا الظلمات، والأرض ينبغي أن تظل مسطحة كما أُرِيد لها أن تكون. وأرسطو لم يكن يتحدث في “شعريته” إلا عن المديح والهجاء، والمنطق زندقة ينبغي أن نضع حدا “لتهافته”! ؟ فما الذي وجب فعله؟ إحراق الليل أم إطفاء مصابحه ليعم الظلام الأرض كلها. وكان الاختيار يراوح بين النار والموت والظلام… فتمت محاكمة ابن رشد بالجامع الأعظم بقرطبة، بعد أن طرد من الصلاة ذات يوم، بسب تزندقه، مباشرة بعد انتصار المنصور علي ألفونسو الثاني ملك البرتغال. وقال القاضي أبو عبد الله بن مروان الذي تولي الدفاع عنه، أن الأشياء الضارة في جهة قد تكون نافعة من أخري مثلها مثل النار وهو في ذلك يشير إلي فلسفة ابن رشد، التي إن بدت ضارة للبعض فلأنه لم يظهر لهم الوجه النافع منها… لكن تلك النار كانت هي مصير كتب ابن رشد التي صدر الحكم بإحراقها ونفيه هو إلي أليسانة.. فقط لأن كل ما يمكن أن يقع في الليل فإنه ينبغي أن يعدم لأنه وقع في زمن لابد له أن يحافظ علي ظلاميته!

واجتهد المنصور وبعث رسالة إلي مراكش وباقي البلدان مدبجة بكتاب من كاتب سر الخليفة محمد بن عياش، الذي كان له الفضل في وضع حد للعمل في الليالي، ليجعل من الليالي العربية مساحة زمنية للمدام والمجون والغلمان والجواري.. لأن ذلك حقيقة لا تضاد الحقيقة التي دافعوا عنها، وإنما الخطر كل الخطر أن تبقي مؤلفات ابن رشد موزعة بين الناس.. وهوما سيؤدي إلي فساد عوام الناس وستفسد معه كل قصة الحضارة.

ومما أورده بن عياش في الرسالة: “قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامهم بشفوف عليهم في الأفهام، حيث لا داعي يدعو إلي الحي القيوم، ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفا ما لها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد المشرقين، وتباينهما تباين الثقلين، يوهمون إلي العقل ميزانها، والحق برهانها (..) ذلكم بأن الله خلقهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلون بغير علم، ألا ساء مايزرون! […]ومازلنا نذكركم -وصل الله كرامتكم- نذكرهم علي مقدار ظننا فيهم وندعوهم علي بصيرة إلي ما يقربهم إلي الله سبحانه وتعالي ويدينهم، فلما أراد الله فضح عمايتهم وكشف غوايتهم، وقف لبعضهم علي كتب مسطورة في الضلال، موجبة أخذ كتاب صاحبها بالشمال […]فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة علي الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان، ومن عثر له علي كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه”8. هكذا يلقي القارئ نفس مصير كل مؤلف سولت له نفسه أن يتجرأ علي استخدام عقله للنظر في بواطن قلبه… فهل نحتاج إلي القليل من ابن رشد أم إلي كل العقل أم نحرق ما تبقي من الحقائق التي تشعل نيران حرائق العقل العربي! وبين الليل وطلوع النهار تسكن كل أسرار الحكمة والحقيقة.. فمن يجرؤ علي ترقب اللحظة؟

كاتب من المغربهوامش1- عبد الفتاح كيليطو؛ الأدب والارتياب. دار توبقال – الطبعة الأولي 2007. ص.10.2- الأدب والارتياب؛ ص.633- – تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر (الشرح الوسيط)؛ ضمن: فن الشعر. ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي؛ دار الثقافة – لبنان. دون تاريخ. ص.2014- عبد الرحمن بدوي؛ فن الشعر (المقدمة)؛ ص.565- الأدب والارتباب؛ ص.626- ابن رشد؛ فصل المقال.7- فصل المقال8- آنظر: د.

توفيق الطويل؛ قصة الصراع بين الفلسفة والدين. دارالنهضة- الطبعة الثالثة. 1979. ص.

ص.127/1290

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية