قصص قصيرة جداً

حجم الخط
0

(إلى أسيل روبرتسون)
سجين
وجدتُ نفسي داخل حجرة صغيرة يسودها الظلام. كنت مقيداً بحبل يشدني من البطن الى حائط . لم أتذكر ما حدث. كيف او متى أصبحتُ هنا ولماذا. أصغي احياناً الى أشخاص يتحدثون في الخارج او يضحكون. ركلتُ بقدمي الحافيتين الحيطان. لم يكترث احد. اصابني الضجر والوسن. أمضيت الوقت في التقلّب والنوم والأستيقاظ، وفي تحريك الراس والأطراف من حين لحين. بعد بضعة أشهر اخَذَتْ الحجرة تنقبض وتنبسط. اندفعتُ بلا أرادة الى كوة انفتحت فجأة. حاولت استطلاع المكان من خلالها . امتدت يدٌ بقفاز وسحبتني من العنق. هواء ونور مباغتان. أغمضتُ عيوني وشهقت عميقاً قبل ان أصرخ بقوة. سمعتُ فتاة تعلن بفرح : مبروك، رزقتم بصبي.

ولادة

توقفتْ عن الضحك . لَعَقَ بطرف اللسان دمعةً سالت على خدها الأيسر. تلمّظ وقال :
– مالحة وباردة !
ردت مهاذرةً :
– هكذا هي دمعة الأبتهاج، باردة. دمعة الحزن حارة.
لثمها بعنف. كادَ يعض الشفتين كالعادة . نَدّتْ منها انَّة وابتسمت. لم يرَ الابتسامة بل احس بشفتيه انها تبتسم. تصاعد تنفسهما وتسارع. نضح الجسدان عرقاً وتسربت من الحناجر اصوات مكتومة. دفنَ وجهه بين العنق والكتف وهو يفتح الفخذين الأملسين. اندمج بعضهما بعضاً في الذروة، ثم هدأ اللهاث وسكن. استرختْ دمعة من عينها :
– لكم انا سعيدة (هذه اول عبارة قالتها بخفوت) اشعر لدى ممارستي الحب معك كأنني ألِدُ، كأنكَ طفل ولِدَ للتو من رحمي .

مثقفون

كنت احاول بلوغ البيت لأتناول الغداء وأغفو قليلا ً. قابلتُ عند موقف الباص رامز وهو يرتعش من شدة الغضب. اخبرني دون مقدمات :
– قالت انها مضطرة على تركي لتتزوج من تاجر لحوم. تُرى كيف يغازل تاجر مثقفة ؟ ما الحديث الذي يدور بينهما قبل النوم مثلا، او في اثناء مشاهدة التلفزيون ؟ هل يحدثها عن لحم الدجاج والعجل وجنون البقر؟ هل ستبتسم اعجاباً؟ ماذا لو طلبتْ رأيه بلوحاتِ رسمٍ انجزتها هي او قصة ؟ بماذا سيجيب؟ ربما يهز الرأس ويقول ‘انا لا افهم في شؤون كهذه. اسأليني عن اللحوم يا بقرتي المجنونة’.
كنتُ على وشك ان أُناكده: ‘رامبو نبذ الشِعرَ ليصبح تاجرا’. لكن رامز سأل فيما هو يحدّق بعدم ارتياح في باص اخذ يقترب:
– ماهو البغاء المقنّع؟
رمقتُ الباص ولم أرد. أوضح فوراً :
– اليس هو ان تعيش امرأة مع رجل ثري ليس الا؟
مرة اخرى اوشكت ان أُناكده: ‘رامبو نبذ الشِعرَ وخطط للذهاب الى اقصى بقاع الأرض ليصبح ثرياً’، لكن الباص جاء، وانا جوعان.

مستشفى

وقف الطبيب عند سريري محاطاً بالمعاونين والتلاميذ، قال :
– شخّصنا المرض وسنبدأ العلاج.
– هل وجدتم شيئاً ؟
– نعم.
– كانسر؟
– نعم، للأسف.
بعد صمت وجيز كان يرقب فيه ردَّ فعلي، قال :
– تشخيص المرض سيتيح لنا بدء العلاج .
كنت أتوقع هذا الكانسر منذ زمن بعيد، لكني مع ذلك فوجئت. لم انطقْ. لم احزنْ. لم أخفْ. شعرتُ فقط باللامبالاة، أو بخضوع هاديء لأحدى حِكَم جِدّي: اذا كُنتَ عاجزاً عن فعل شئ ما، دع القدر يفعل ما يشاء.

السؤال

رأيتُ عالِمَ الفيزياء ستيف هوكينز، على كرسي متحرك، يتحدث من على مُدَرّج جامعة سَوَس في لندن:
– وَقَعَ انفجار عظيم قبل 14 مليار سنة فنشأ الكون، نشأ من لاشئ، او من شئ بحجم راس إبرة … ويُمثّل هذا الاكتشاف، حسب فريد هويل، ‘إنجازاً يتوِّج الفتوحات الكبيرة للدماغ البشري في فهم كيف نشأ الكون وتجلى في صورة مَجَرّات ونجوم وكواكب’ … كما يهيء دعماً لنظرة الأديان الى خلق الكون.
تلميذ سمين وأبرص يجلس في الصف الأول، رفع يده القصيرة :
ـ قلتَ دعماً لنظرة الأديان الى خلق الكون؟ كيف؟
اجاب هوكينز :
– كانت نظريات الماضي ترى ان الكون موجود منذ الأزل، من دون بداية. لكن حدوث الانفجار العظيم، وصداه الذي يتردد الى الآن في الفضاء، يعزز رأي من يفترض وجود بداية لنشوء الكون. هناك بالتالي عامل خلاّق تسبب في نشوء الكون.
– هل هو الله ؟
– نعم. انا قرأت التوراة والأنجيل والقرآن. هذه الكتب تؤكد أنّ الله ‘خلق السماوات والأرض’. وقوع الأنفجار العظيم يقودنا إلى أن ‘مبدعاً’ خَلَقَ الكون بذكاء مدهش.
– اذن، لمْ ينشأ الكون صدفةً ؟
– لا، ولم يكن نشوءه فوضوياً، بل نتج عن حساب فيزياوي دقيق، بالغ التعقيد، يتحكم في خصائص المادة والظواهر الطبيعية…
في ختام المحاضرة وقف تلميذ ضئيل البدن، يجلس جنبي:
– حسناً، عرفنا كيف نشأ الكون، لكن يبقى السؤال الأهم، لماذا؟ ما الغَرَضُ من نشوئه؟
اوضحَ هوكينز :
ـ انا اجهل مثلك سبب نشوء او وجود الكون. لكن لفيفاً من العلماء يلجأ للميتافيزيق، للغيبيات، او للدين حينما يستعصي التقدم في تفسير غرض ما او سبب مموه .
رجع التلميذ للبيت، انتظر ريثما فرغ اباه من الصلاة، فسأل :
– لماذا انا موجود؟
التفت الأب الى الأم وضَحِك. قال التلميذ:
– اعني، ما مغزى وجود الأنسان والكون؟

عصور

اشتريت من سوهو كتاباً مستعملا ً بعنوان ‘العيش في العصر الحجري’. وجدتُ في ص 13 تذكرة طائرة، في ص 49 تذكرة سينما, في ص 54 فاتورة تلفون موبايل، في ص 77 فاتورة شراء كومبيوتر مكتوب عليها بقلم رصاص : المستقبل وراؤنا .

شجرة

كنتُ عند شاطئ خليج كِليبّان في غوثنبرغ، جالساً على مسطبة، ادخن سيغاريلا واقرأ قصائد السويدي غونار إيكلوف. تنبهتُ الى حشرة صغيرة سوداء تدب على قميصي الأخضر. نفضتها بقرف فسقط السيغاريلا من يدي، وسقطت هي أيضاً في شقٍ على لوحِ خشبِ الممرِ المهترئ. كمَنتْ بلا حراك. ثم أخرجتْ مِجَساتها باحتراس وتردد قبل ان تمضي سريعاً نحو شجرة خضراء بلون قميصي. رجعتُ الى إكلوف لأستئناف القراءة :
هل انتَ وَحْدَك ؟
فليكنْ
منفرداً تأتيكَ
اعظمُ رفقةٍ

لامنتمي

انطلق كفاحنا المسلح من مرتفعات وعرة في اقصى الريف. كنا منهكين، يشد ازرنا هدف ضخم ونبيل: تحقيق السعادة لشعوب الأرض. بعد نحو شهر تعرفتُ على شلتاغ العجوز ؛ يعيش في بيت، شيّده عند الشاطئ، من الطين والتبن وسعف النخيل. كان يمتطي حماره الأعرج صباحاً ويمضي، مع الكلب الوديع شيرو، ليرعى خمس عنزات، خروفين، وبقرة .
كان يطعمنا الخبز الساخن، البيض المسلوق المملح، والتمر الناضج. اما ليلاً فكان يسقينا الشاي الأسود، المحلى بإفراط، ويقدِّم سجائر لف ويغني بصوت عذب.
لم يكترث بالمجادلات المعقدة حول ماركس ولنن وغرامشي . لم يشتكِ من شيء في الحياة على الإطلاق. كان سعيداً جداً.

‘ اديب عراقي مقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية