هو خط غير مرسوم بأي خارطة، وغير مكتوب بأمر رسمي. إذا سألوا قادة كباراً في الجيش سيقولون بأنه غير موجود. ولكن لا شيء أوضح منه في قلب قطاع غزة وشمال ممر نتساريم. “هناك شيء يسمى لدى القوات بـ “منطقة خط الجثث””، قال للصحيفة قائد في الفرقة 252. “بعد إطلاق النار، لا يتم جمع الجثث فوراً، ستأتي الكلاب لنهشها. في غزة يعرفون أنه حلت الكلاب فهو المكان الذي يجب الهروب منه”.
يبلغ عرض ممر نتساريم 7 كم، يبدأ قرب “كيبوتس بئيري” وينتهي بخط الشاطئ الذي احتله الجيش الإسرائيلي. تم إخلاء السكان من المنطقة كلها، وهدم الجيش البيوت هناك لشق الشوارع وإقامة مواقع عسكرية. رسمياً، دخول الفلسطينيين غير ممنوع كلياً، لكن الحديث لا يدور عن دعوة السكان إلى العودة. “هذه مغسلة كلمات للجيش”، قال ضابط كبير في الفرقة 252، الذي شارك في ثلاث جولات احتياط في غزة. “عملياً، قائد الفرقة اعتبر هذه المنطقة منطقة قتل”، من يدخلها يطلق عليه النار.
ضابط آخر في الفرقة نفسها، الذي أنهى مؤخراً خدمة الاحتياط، شرح مدى اعتباطية هذا الخط. “من ناحية الفرقة، فإن مجال القتل هو منطقة تصويب للقناص”. لكن الحديث لا يدور فقط عن مكان يُقتلون فيه، بل أيضاً هوية القتلى. “نحن هناك نقتل مدنيين، ونعتبرهم مخربين”، قال.
نفس هذا الضباط غير نادم؛ لأنه ارتدى الزي العسكري في 7 أكتوبر (وذهب إلى حرب عادلة)، ولكن يهمه أن تكون الصورة التي تلقاها المواطنون كاملة. “لقد حان الوقت ليعرف الجيش الإسرائيلي كيف تبدو الحرب؛ أي أفعال خطرة تجري على يد بعض القادة والجنود في الداخل، وأي مشاهد غير إنسانية نراها هناك.
لقد وصلت إلى “هآرتس” شهادات ضباط وجنود في الخدمة الدائمة وفي الاحتياط، يتحدثون فيها عن القوة غير المحدودة التي أعطيت للقادة. عندما يتم توزيع قدرات الجيش الإسرائيلي بين جبهات متعددة، منها أيضاً ما هو وراء الحدود، فقد أخذ ضباط الفرق بأيديهم صلاحيات أكبر من ذي قبل. مثلاً، قبل الحرب، كان مطلوباً مصادقة رئيس الأركان على القصف من الجو أو ضرب المباني متعددة الطبقات. في حين أن هذا القرار اليوم بات في يد من يقودونهم أو من يقوده هؤلاء القادة.
“قائد الفرقة الآن غير مقيد تقريباً في استخدام النار في منطقة القتال”، قال ضابط رفيع في الفرقة 252، التي يشغل فيها وظيفة مهمة. “في غزة، قائد الكتيبة الآن يأمر بمهاجمة بواسطة مسيرة، ويمكن لقائد الفرقة أن يقرر بأنه سيحتل مدينة”. أحياناً يقول قادة وجنود بأن قوة الجيش الإسرائيلي تتصرف مثل مليشيا مستقلة ومسلحة، بدون قوانين، على الأقل ليس مثل القوانين المكتوبة في أوامر الجيش الإسرائيلي.
أخذناه إلى القفص
أوقع هذا الواقع الفوضوي القادة والجنود في الفرقة أمام معضلة أخلاقية صعبة أكثر من مرة. “كان الأمر الحفاظ على المنطقة نظيفة: “كل من يمر الجسر ويدخل إلى منطقة الممر، يحصل على رصاصة في رأسه”، قال جندي قديم في الفرقة 252 عن الأوامر التي تلقاها. “ذات مرة، لاحظ الأصدقاء الذين كانوا في الحراسة شخصاً يقترب من جهة الجنوب. قفزنا وكأنه اقتحام لعشرات المخربين. صعدنا إلى المواقع، وببساطة مزقناهم. أتحدث عن عشرات الرصاصات وربما أكثر. أطلقنا النار على الجثة طوال دقيقة أو دقيقتين. كان بجانب أشخاص أطلقوا النار، وضحكوا”.
وقال: “الحدث لم ينته هنا. توجهنا نحو الجثة المضرجة بالدماء، صورناها وأخذنا الهاتف. كان شاباً ابن 16 سنة ربما”. وحسب أقواله، حضر إلى المكان ضابط استخبارات وجمع المعلومات. وبعد بضع ساعات، عرف الجنود بأن هذا الفتى ليس من نشطاء حماس، بل مجرد طفل. في المساء، جاء قائد الكتيبة وقال: كل الاحترام لأننا قتلنا مخرباً، وصلى من أجل قتل عشرة مخربين في الغد”.
عندما أشار أحد ما بأنه لم يكن مسلحاً، بل مجرد مدني، صرخ عليه الجميع، وقال وقائد الكتيبة: “بالنسبة لي، كل من يجتاز الخط مخرب. لا تهاون. لا يوجد مدنيون. الجميع مخربون”. حقاً، أمر أصابني بالصدمة. “أمن أجل ذلك تركت بيتي وذهبت للنوم في بيت كله فئران؟ من أجل إطلاق النار على أشخاص غير مسلحين”، قال الجندي.
اعتبار أشخاص غير مسلحين مخربين هو ظاهرة تتكرر باستمرار في القطاع، هذا ما يتضح من الشهادات التي وصلت إلى “هآرتس”. ضابط كبير في قيادة الفرقة 252 تذكر اليوم الذي أصدر فيه المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بياناً يقول إن قوات الفرقة قتلت أكثر من 200 مخرب. “كل الأحداث التي فيها قتلى يمكن الوصول إليهم، يجب اتخاذ إجراء بتوثيق الجثة والتفاصيل، ثم إرسالها إلى الاستخبارات للتأكد من أن الأمر يتعلق بمخرب، أو على الأقل التأكد من أن هذا الشخص قتله الجيش الإسرائيلي”، قال. “عملياً، من بين الـ 200 قتيل الذي أرسلوا للفحص، عشرة منهم فقط تم التأكد من أنهم نشطاء معروفون في حماس. لكن من سيزعجه نشر أننا قتلنا مئات المخربين”.
الضحايا تتغير، لكن يمر خيط رابط يرمز إلى تشابه كبير بين القصص التي عرفتها “هآرتس”. مثلاً، الحادثة التالية، تم إيرادها بكلمات مقاتل آخر خدم في المنطقة: “أعلنوا في مكبر الصوت عن وجود مخربين”، يتذكر. “صعدتُ إلى التلة للحماية. توجهت دبابة نحوهم. كانوا أربعة غير مسلحين ويسيرون على الأقدام. لا يظهرون كمخربين. شخصناهم بواسطة الحوامة. ولكن الدبابة تقدمت نحوهم، وبدأت بإطلاق النار. أطلقوا عليهم الرصاص من مدفع الماغ، مئات الرصاصات”.
قتل ثلاثة على الفور (“مشهد الجثث لا يخرج من ذهني”)، وبقي الرابع على قيد الحياة بطريقة ما، ورفع يديه. لم يسمحوا له بالذهاب. أخذناه إلى قفص وضعوه قرب الموقع، خلعوا ملابسه وأبقوه هناك”، وصف الجندي. “جميع الجنود مروا قربه وبصقوا عليه. هذا كان مقرفاً. في النهاية، جاء أحد المحققين مع المعتقلين من 504 وسأله عدة أسئلة في الوقت الذي كان يصوب مسدسه نحو رأسه. حقق معه بضع دقائق، ثم أمر الضباط بإطلاق سراحه”.
لقد تبين أن هذا الفلسطيني بالإجمال، أراد الوصول إلى أعمامه في شمال القطاع. “بعد ذلك، أحاطنا الضباط وقالوا لنا إن أداءنا كان جيداً لأننا قتلنا مخربين. لم أفهم عما كانوا يتحدثون”، تذكر الجندي. بعد يوم أو يومين كما يقول، حضرت جرافة ودفنت الجثث تحت الرمال. “لا أعرف هل يتذكر أحد بأنهم هناك. هذا الأمر الذي لا يعرفه الناس. هذا الأمر لا يقتل العرب فقط، بل يقتلنا أيضاً. إذا استدعوني إلى غزة ثانية ربما لن أذهب”.
هناك المزيد. مثلاً، الحادثة التي شخصت فيها “نقطة المراقبة اثنين يتجهان نحو وادي غزة، المكان الذي لا يجب أن يكونوا فيه، وهذا الشيء لا يحدث كثيراً”، قال جندي كان هناك. أطلق الجنود حوامة، وشخصت بأنهما يحملان راية بيضاء ويلوحان بها وأيديهم إلى أعلى. “نائب قائد الكتيبة أعطى الأمر: “إطلاق النار عليهما وقتلهما”. يسترجع. أحد القادة هناك لفت الانتباه للراية البيضاء، لكن نائب قائد الكتيبة، وهو رجل احتياط في اللواء 5 صمم على موقفه، وقال: “لا أعرف ما هي الراية البيضاء. يجب إطلاق النار من أجل القتل”. الضابط لم يتنازل، وصرخ بجهاز الاتصال بأن الأمر قد يتعلق بمخطوفين، وأصر على عدم إطلاق النار عليهم ما لم تتضح هويتهم. في النهاية، قال الجندي: “تجولوا وعادوا إلى الجنوب، لكن هذا الضابط حصل على توبيخ من القادة. صرخوا عليه وقالوا بأنه جبان”.
في عدد غير قليل من القصص يتم ذكر نفس الخطوط الوهمية شمالي ممر نتساريم وجنوبه، التي يحظر اجتيازها، وعقوبة هذا الاجتياز إطلاق النار من أجل القتل. أحد الجنود الذين شاركوا في كمائن الجيش الإسرائيلي على طول الممر، قال إنه أيضاً لم يكن واضحاً له ولأصدقائه دائماً أين هي حدود القطاع. “من يقترب من الخط الذي تقرر بشأنه في تلك اللحظة يعتبر شخصاً يشكل تهديداً. ولا حاجة حتى لطلب المصادقة على إطلاق النار عليه”.
إطلاق النار على حدود الممر لا يقتصر فقط على مقاتلي الفرقة 252، مثلما قال جندي احتياط في الفرقة 99. في محادثة مع “هآرتس” تحدث عن يوم أطلق فيه طاقمه حوامة، وظهر في الصور “شيخ مسن ومعه طفلان يجتازون الخط المحظور اجتيازه”. تذكر أنهم ساروا قليلاً على الممر بدون سلاح أو أي شيء. يبدو أنهم كانوا يبحثون عن شيء. “كنا نتابعهم بالحوامة ونوجه البنادق نحوهم. لم يكونوا يستطيعون فعل أي شيء”، قال. “فجأة، سمعنا صوت انفجار كبير، تبين أن طائرة مروحية أطلقت عليهم صاروخاً. من يعتقد أنه من المشروع إطلاق صاروخ على أطفال بواسطة مروحية؟ هذا شر خالص.
معظم القادة الذين تحدثوا مع “هآرتس” قالوا إن سلاح الجو كان عاملاً كابحاً في كل حالة مهاجمة بمسيرة، على الأقل بدرجة معينة. لم يتم تجريم الهدف بالشكل المطلوب… أماكن تجمعات سكنية وملاجئ إنسانية هي أماكن تلقينا المصادقة على تنفيذ الهجمات فيها. ولم نرفعها إلى المستويات العليا. مع ذلك، ورغم أن هذه كانت العادة في الأسابيع والأشهر الأولى للحرب، شعرنا بتآكل مع مرور الوقت، قال أحد القادة. وقال: “القوات الجوية لم تعد تطرح أسئلة كثيرة. وجميع آليات الدفاع هناك تحطمت”.
لكن عندما يظهر سلاح الجو علامات التشكك، قال ضابط في 252، تجد الفرقة طريقة لمنع الأسئلة الزائدة. “فهمت الفرقة أن هناك طريقة لتجاوز مصادقة سلاح الجو، هناك كلمة سحرية”، قال ضابط مطلع على التفاصيل. عملياً، الحديث يدور عن كلمتين وهما “الإجراء الخاطف”. حسب أقوال الضابط، هذا الإجراء استهدف الحالة التي تكون فيها القوة تحت النار أو تنشغل في إنقاذ مصابين: “خلال نصف ساعة، يلقي سلاح الجو قنبلة في المكان الذي طلب منه، وفي هذا الإجراء لا حاجة للمصادقة. كل ضابط برتبة قائد كتيبة وما فوق يمكنه استخدام هذا الإجراء”.
القائد الكبير، الذي يرى هذا الإجراء أمراً شائعاً بشكل خاص له، كما يقول الضابط، هو العميد يهود باخ، وهو قائد الفرقة 252 منذ آب. “في اللحظة التي لم يصادقوا فيها على مهاجمة أهداف، لأي سبب، كان باخ يطلب استخدام الإجراء الخاطف”، قال الضابط.
مقاتلون شهدوا على أن مباني في قطاع غزة، تم التأشير عليها أثناء القتال كمبان لنشطاء إرهاب أو منشآت لتمركز العدو، لم يتم محوها من قائمة أهداف الجيش الإسرائيلي، حتى بعد مهاجمتها. لأن الجيش غير معتاد على تجديد قائمة الأهداف في القطاع، وإعطاء إشارات للقوات على الأرض بشأن المباني التي لم تعد تستخدم من قبل المنظمات الإرهابية. المعنى، أن كل شخص، حتى لو كان بريئاً وغير متورط في الإرهاب ودخل إلى هذا المبنى، هو معرض للمهاجمة من قبل الجيش الإسرائيلي، واعتباره مخرباً حتى يموت، حتى لو لم تعد هناك نشاطات للتنظيمات الإرهابية. منذ بداية الحرب، يدعي الجيش الإسرائيلي بأن أعداد القتلى التي تنشر تشمل فقط قتلى صودق على أنهم نشطاء في الإرهاب، لكن يتضح أن الصورة مختلفة وفقاً لشهادات جنود خدموا في القطاع.
ضابط من المجمع الهجومي التابع لفرقة في الجيش الإسرائيلي، شارك في عدد من جولات القتال في القطاع، شرح بأن التعليمات هي “بيت الناشط يبقى دائماً بيت ناشط، حتى لو تم قتله قبل نصف سنة”. وأكد ضابط كبير هذه الأقوال للصحيفة، لكن حسب ادعائه بدأ الجيش الإسرائيلي العمل بهذه الطريقة بعد أن فهم بأن نشطاء الإرهاب يعودون إلى بيوتهم وإلى نقطة التمركز حتى بعد مهاجمتهم. “كانت هناك أهداف بُعثت فجأة”، وأضاف: “لذلك، إذا قرر أحد الدخول إلى نفس المبنى للبحث عن ملجأ، فستتم مهاجمة البيت. في ممر نتساريم، كانت التعليمات هي المس بكل من يدخل إلى مبنى، ولا يهم من هو وهل هو مجرد بحث عن ملجأ من الأمطار”.
تحقيق “هآرتس” الذي نشر أمس والذي يرتكز إلى شهادات جنود وضباط خدموا في قطاع غزة، أظهر أن المنطقة حول ممر نتساريم أصبحت منطقة قتل – كل شخص يدخلها يقتل. “بالنسبة للفرقة، فإن مجال القتل هو حقل رماية القناص”، قال ضابط في الفرقة 252، التي تمركزت في الممر في السابق. ولكن الأمر لا يتعلق فقط بمكان يقتلون فيه، بل أيضاً بهوية القتلى. “نقتل هناك مواطنين ويتم اعتبارهم مخربين”، قال. منشورات المتحدث بلسان الجيش عن عدد القتلى في كل وحدة ولواء وفرقة، حولت كل هذا الحدث إلى منافسة بين القوات؛ فإذا قتلت الفرقة 99، 150 شخصاً، فستأتي أخرى محاولة الوصول إلى العدد 200”.
في بداية الأسبوع أعلنت وزارة الصحة في غزة التابعة لحماس بأن عدد القتلى في القطاع منذ اندلاع الحرب تجاوز الـ 45 ألف شخص. الوزارة لا تفرق في إحصاء القتلى، بين المسلحين والمدنيين. تؤكد الوزارة أن الأرقام لا تشمل سوى القتلى الذين تم إحضارهم إلى المستشفيات وتم تسجيلهم. وتقدر أن الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك حتى. وما زال تحت الأنقاض في القطاع أكثر من 10 آلاف شخص. المعلومات التي نشرتها الوزارة فحصتها منظمات دولية وحكومات من قبل، وتبين أنها موثوقة.
حسب ادعاء إسرائيل، هذه البيانات غير صحيحة، لكن الدولة خلافاً لحروب سابقة لا تحصي أو تنشر عدد المدنيين الذين يقتلون في الحرب. وحسب ادعاء الجيش الإسرائيلي، فإنه منذ اندلاع الحرب قتل 14 ألف مخرب بمستوى ثقة عال، و3 آلاف آخرون بمستوى ثقة متوسط.
أمس، دعا الجيش الإسرائيلي سكان مخيم البريج في وسط القطاع إلى إخلاء 4 مناطق، والانتقال فوراً إلى المنطقة الإنسانية. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أوضح بأن منظمات الإرهاب تطلق الصواريخ من هذه المناطق، وأن “الجيش الإسرائيلي سيذهب للعمل هناك في المستقبل القريب”. مؤخراً، زاد الجيش الإسرائيلي أيضاً هجماته في المواصي، وهي المنطقة التي اعتبرها الجيش نفسه منطقة إنسانية. الجيش الإسرائيلي لم يمتنع في أي يوم عن مهاجمة المنطقة التي أصبحت مدينة خيام ضخمة ومليئة بمئات آلاف النازحين، لكن مؤخراً زاد وتيرة الهجمات، وحسب التقديرات، قتل عشرات الأشخاص في هذه المنطقة.
لم يأت أي رد من الجيش الإسرائيلي.
ينيف كوفوفيتش وآخرين
هآرتس 19/12/2024