قصف الجزيرة كوسيلة لتعميم العمي وجوع رمضاني لفتاوي الصيام!
توفيق رباحيقصف الجزيرة كوسيلة لتعميم العمي وجوع رمضاني لفتاوي الصيام!رمضان شهر التخمة والافراط في كل شيء. كل شيء يزيد عن حده، والقنوات التلفزيونية التي تعتقد انك متعود عليها تشعر انها تبالغ في كل شيء لتبدو لك متغيرة او تحاول ان تتغير.المنافسة التلفزيونية تصبح من فرائض هذا الشهر الذي تتصالح فيه التلفزيونات مع شعوبها. كل مجتمع يعود الي تلفزيونه ليري نفسه فيه من خلال الكاميرا الخفية وسكيتشات محلية يصعب ان تتناغم معها ما لم تكن من ذلك المجتمع.من هنا يصبح لكل قناة في رمضان كاميرتها الخفية وبرامج الطبخ و الفتاوي علي الهوا . بيد ان هذا النوع الاخير من البرامج هو الذي يحظي بالاهتمام الاكبر من جمهور المشاهدين. والاتصالات الهاتفية التي لا تنتهي تشهد علي ذلك.تشعر ان نوعية البرامج التي تناقش موضوعا فلسفيا ثم يتصل الناس لمناقشة الموضوع، كما يحصل في الشريعة والحياة بقناة الجزيرة ، تتراجع امام البرامج التي تقوم علي السؤال والجواب وحيث يستعد المفتي لكل الاحتمالات من حيث الاسئلة.تستمع الي الاسئلة فتبعث فيك اسئلة اخري حولها. بعضها لا يحتاج الي فتوي بقدر ما يحتاج الي عقل، كذلك الذي يتصل من اقصي المغرب العربي بلندن سائلا عن حكم النوم في رمضان حتي الافطار ، او ذلك الذي يتصل من ليبيا سائلا عن حكم الشرع في من لا يحسن الي جدته المعاقة، او الاخر الذي يعاني والده من المعدة ونصحه الاطباء بتجنب الصيام فهل يجب ان يصوم؟.وسرعان ما تشعر كأن السائل هو واحد يحمل سؤاله بين كفيه متجولا به بين القنوات. وكلما حلت علي الناس قناة جديدة ببرنامج جديد من هذا النوع، سارع اليها السائلون معتقدين انها تحمل اليهم الحكم اليقين في ما يحيرهم من اسئلة. أشبه بفضول المتبضعين في موسم الكريسمس والتنزيلات بالعواصم الاوروبية.هذه نوعية من البرامج مضمونة الجماهيرية. لو غامرت قناة ببث اكثر من حلقة يوميا لمَا عانت من بطالة . ولو استعملت فضائية خطوط هاتف من نوع الذي يُستعمل في المسابقات وتتقاسم عوائدها مع شركة الهاتف لكوّنت ثروة في زمن قياسي. الطلب دائما موجود والساحة تسع الجميع و العيش مضمون لكل القنوات واصحاب الفتاوي.تسأل هل هذا الكم من البرامج وهذه النوعية من الاسئلة مؤشر لصحوة اسلامية بين ظهرانينا ام دليل علي ابتعاد عن الدين حتي اصبحنا نستفتي في كل صغيرة وكبيرة؟تدرك بسهولة ان الامر يتعلق باسئلة طُرحت في رمضان السنة الماضية والذي قبله، وستُطرح في رمضان المقبل والذي بعده. يتغير الزبائن وتبقي الاسئلة.وبقدر ما تثير فيك الاسئلة من اسئلة، بقدر ما تدفعك الاجوبة الي التوقف عندها. هناك المتشدد وهناك الاقل تشددا وهناك المتساهل .تابع هذا النوع من البرامج وستكتشف انها منقسمة الي صنفين: صنف المغرب العربي وصنف الخليج. الصنف الاول يغلب عليه شيوخ وائمة متسامحون ومتساهلون في فتاويهم لـ الزبائن . تلحظ ذلك من البدء، من شكل البرنامج وديكوره ومظهر المفتي. الصنف الثاني يغلب عليه ائمة متشددون او اقل تساهلا. تلحظ ذلك ايضا من خلال ديكور البرنامج وطريقة تقديمه ومظهر المفتي. اسلام مستورد واسلام محلي! شيوخ التلفزيونات المغاربية يحرصون علي الظهور اكثر اناقة بهندام عصري، حليقي اللحي واكثر ارتخاء واريحية في الاستماع الي الزبائن والرد عليهم. اصحاب الاشكال الاخري (العكس) موجودون في دول المنطقة لكن سياسات وتوجيهات رسمية تمنعهم من الوصول الي التلفزيونات حتي لا يعطوا صورة سلبية عن الاسلام، والاهم لا يزرعوا تطرفهم بين الناس. لا يمكن فصل الامر هنا عن السياسة. كثيرون هنا يؤمنون بصحة القول القائل كلما ابتعدت عن الحجاز وجدت الاسلام بخير اكثر . والاعتقاد السائد علي نطاق واسع بمنطقة المغرب العربي (هناك من يقولها صراحة وهناك من لا يجرؤ حفاظا علي مصالح معينة) ان الاسلام المتطرف النزعة جاء من الحجاز، وان علاجه يجب ان يكون بـ اسلام محلي يقولون عنه متسامح ومسالم. في تونس حديث مستمر (في السابق وهذه الايام لمناسبة منع الحجاب) عن زي طائفي دخيل يؤثر علي المحلي. وفي الجزائر اقتناع (كان يُسمع في السابق) بأن ما عانته البلاد في العقد الماضي من اقتتال اهلي مصدره الاسلام السلفي المستورد من السعودية (لكن لا احد يقولها بصوت عال اليوم). وفي المغرب الدنيا قائمة وترفض ان تقعد بسبب رأي ديني ابداه الشيخ يوسف القرضاوي حول الاقتراض من اجل السكن، اعتُبر تطاولا علي العلماء المحليين ووُصف بـ الفتوي العابرة للقارات .لعل هذا ما يدفع بفئة من الزبائن ، علاقتها متوترة مع المؤسسات الرسمية، الي تحمل كلفة الاتصال ببرنامج مماثل تبثه قناة هناك في الخليج ويفتي فيه شيخ اقرب ـ من حيث الشكل، ثم المضمون ـ الي الاسلام السلفي، لكنه ليس متحررا، هو الاخر، من الخطوط الحمراء الرسمية. القاسم المشترك بين كل الفتاوي وكل الفضائيات وكل الشيوخ هو هذه الخطوط الحمراء. لكنه ليس حال الزبائن الذين يقعون في فخ التبعية للفضائيات ودفع كلفة هذه التبعية في كل انواع البرامج.قناة طائفية لكن اطفاءها خسارة توقفت قناة الفيحاء العراقية في الساعة صفر من فجر يوم 10 تشرين الاول (اكتوبر) الجاري لان مدينة دبي الاعلامية رفضت التجديد لها بالاستمرار بالبث لانها متهمة بالتحريض الطائفي في العراق (ومن ورائه كل المنطقة). ما لم تكن عراقيا طائفيا، او متابعا متابعة تفرضها عليك مهنتك او التزامات معينة: هل انتبهت لغياب هذه القناة ؟لم تكن الفيحاء من التلفزيون والاحترافية في شيء. ولا اعتقد انها قدمت لمتابعي الاعلام التلفزيوني، المحايدين وغير الطائفيين، ما سيذكرونها به. رغم ذلك، ورغم ان ظهور قناة او اختفاء اخري لم يعد في هذا الزمن تلك القضية الكبري والحدث الجلل (بامكان اي دجّال صغير ان يفتح قناة حتي في لندن او غيرها وينصب بها علي العالم)، يظل انطفاء قناة خسارة مؤسفة، فنحن في منطقة بالعالم ما احوجها لادوات وقنوات التعبير لانها تعاني اكثر ما تعاني من انعدام حق الناس في الكلام رغم الكم الهائل من القنوات، ولان الحل مع قناة مثل الفيحاء كان ربما تقويمها. الذين سألتُ من المهتمين بالامر قالوا ان لا يمكن اصلاح قناة وثيقة الصلة باقطاب الطائفية في وجهها البشع وتقسّم العراقيين بين اتباع معاوية و اتباع علي . تحسرت لشيء اخر، هو انني لم اشاهد في الفيحاء برنامجا وعدت مشاهديها به عن ضلوع قناة الجزيرة في اعمال القتل بالعراق، وكثيرا ما روجت له من خلال صور لشبان عرب وعراقيين يعترفون (في ظروف غامضة داخل مخافر الشرطة) بجرائم بشعة وصفقات مع قناة الجزيرة لشراء منتوجاتهم .اتمني عودة الفيحاء لكن بشكل افضل افضل ومسؤولية اكثر، حتي لا نضطر للقول ان الاعلام العراقي تحرر من ازلام صدام والبعث ليقع في احضان اصحاب العمائم السوداء.تعميم العاهة ديفيد بلانكيت وزير الداخلية البريطاني السابق اعترف بانه نصح بضرب اجهزة الارسال التي تستعملها قناة الجزيرة ، لكنه تمسك بانه يرفض قتل الصحافيين ولو اختلفت معهم . اجهزة الارسال هي بمثابة اداة النظر، العين، وضربها يعني تحويل صاحبها الي ضرير. اي لا تقتل الانسان بل اجعل منه ضريرا، وهي العاهة التي يعاني منها وزير الداخلية السابق. رغم ان العمي الحقيقي هو عمي العقل، لأن عمي العيون ليس عيبا وليس صاحبه مسؤولا عنه، يبدو ان بلانكيت اراد تطبيق علي وعلي اعدائي لان المفروض ان عاهته تمنعه من مشاهدة الجزيرة و سمومها ، فكيف حكم عليها؟شيئا فشيئا بدأ العالم يكتشف ان الامر لا يتعلق بحكومة حقيقية بقدر ما يتعلق بمشاريع مجرمين صغار يتبعون المجرمين الكبار هناك في البيت الاسود.الان، من يصدّق اصرار البنتاغون علي ان صعاليكه الذين اطلقوا النار، في الظهر، علي الصحافي البريطاني المخضرم تيري لويد بالعراق في اذار (مارس) 2003 لم يفعلوا ذلك متعمدين؟بصراحة، لن افاجأ لو اكتشف العالم يوما ما ان توني بلير ودونالد رامسفيلد خططا شخصيا لقتل اطوار بهجت او ايا من الصحافيين الذين جرت تصفيتهم بالعراق. كل شيء وارد والله يستر من اللي جاي!كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]