قصف غزة أعادنا لزمن مبارك وردّ الاعتبار لمرسي

حجم الخط
21

أعادنا إعلام الثورة المضادة في مصر، لزمن المخلوع حسني مبارك، وذلك في تعاطيه مع قصف غزة، وذكرنا بالذي مضى، عندما قامت إسرائيل بقصف غزة في سنة 2009!
لا شيء تغير في المحروسة، وقضية غزة كاشفة عن حالة الثبات هذه، فكل ما هنالك، أن الثورة منعت مبارك من أن يورث الحكم لابنه من صلبة جمال، فكان التوريث لابنه بالتبني عبد الفتاح!
في أيام مبارك كان القصف، بعد زيارة «ليفني» وزيرة خارجية إسرائيل للقاهرة. وفي أيام عبد الفتاح جاء القصف بعد زيارة مدير المخابرات المصرية إلى تل أبيب. وهناك «مقطع فيديو» رائج على صفحات التواصل الاجتماعي، ظهر فيه محمد كريشان محاوراً، مما يعني أنه لبرنامج على قناة «الجزيرة»، يؤكد فيه الخبير الإسرائيلي الذي لا نعرف اسمه، أن مصر معهم في ضرب غزة… يقصد «مصر الانقلاب».
قبل قصف غزة، بدا بعض الإعلاميين، الذين ليست لهم سوابق في الاهتمام بالقضية الفلسطينية ولو على صعيد التأييد لإسرائيل، في التسخين، ويبدو أنه جرى استدعاؤهم للتمهيد، فدعت إحداهن الله بأن يكثر من أمثال نتنياهو. وبعد التصعيد مباشرة، كتبت الأخرى تطلب من إسرائيل أن تكثف عملياتها ضد «بؤر» جماعة حماس الإرهابية. وبعض الإعلاميين في مصر في يسري عليهم المثل الشعبي: «هبلة ومسكوها طبلة».
عندما تم قصف غزة، احتشدت فضائيات الثورة المضادة، لتبرر للجريمة؛ فحماس إرهابية، وهي قتلت جنوداً مصريين، وبالتالي تستحق ما يجري لها على يد «الصديق الإسرائيلي». إعمالاً لسياسة وضعها مبارك وهي شيطنة حماس، واستمر الأمر في بداية القصف الأول، وخفت بعض الشيء، ليزداد في عهد الثورة. ولأن إعلام مبارك كان يتعامل مع الثورة على أنها فعل فاضح في الطريق العام، فقد تم تحميلها لحركة حماس.
إعلاميو الجهل النشط، ورثهم السيسي من حسني مبارك، فهم الذين كانوا مكلفين، بمهمة تهيئة الأجواء لتقبل «الوريث» رئيساً، وهم الذين قاموا بالإساءة للثورة والثوار، وبعد تنحي مبارك، بقوة الدفع الثوري، وليس بتدخل القادة العسكريين كما يتم الترويج له، غيّر هؤلاء مواقعهم وان لم يغيروا اتجاهاتهم. صحيح أنهم نافقوا الثورة بالإسراف في استضافة بعض الشباب الانتهازي الذي شكل ما سمى بحركات وجبهات ثورية، للتعامل على أنهم الثورة، لكن بعد قليل، مهدوا للثورة المضادة.
اللافت، أن شباب الحركات والجبهات، قبلوا أن يكونوا ضيوفاً لغسيل مواقف هؤلاء، وهم الذين كانوا قبل قليل يتهمون الثورة بأنها فعل خارجي، وأن جهات أجنبية توزع على المعتصمين في الميادين وجبات «كنتاكي»، وخمسين جنيها على الرأس في اليوم. ولم يكتف الشباب بذلك، وإنما أضعفوا الثورة بحوارات مع قادة المجلس العسكري، وللتعبير عن ثورة لم يكونوا أكثر من أنفار فيها.

شيطنة حماس

عندما كان يتم التمهيد للثورة المضادة، كانت حماس هي العدو الذي ينبغي شيطنته، وسمعنا عن « موقعة المقلاع». إذ كان «المقلاع» هو كلمة «سر الليل» يتصل الحمساوي من هؤلاء بأخيه الإخواني في ميدان التحرير في يوم موقعة الجمل، أين أنت؟… فيقول له: بجوار « المقلاع». ومما قيل في محاضر رسمية، أنه تم استخدام «المقلاع» في التعامل مع «المواطنين الشرفاء» الذين كانوا يريدون دخول الميدان لممارسة حق من حقوقهم الدستورية، هو تأييد مبارك، فصدهم الإخوان بـ»المقلاع»، الذي هو اختراع حمساوي بحت مع أنني يومها كنت هناك ولم أشاهد «المقلاع»، وعاملنا الشباب على أننا معوقين بوجودنا لهم، وطلبوا منا أن نذهب للخلف لنرابط بجانب القاعدين عن القتال، فبحثت لنفسي عن وظيفة تليق بكبار السن، فكان شراء الماء والعصير والبسكويت وتوزيعه على من في الميدان.
لم أشاهد هناك حمساوياً، كما لم أشاهد أحداً ممن تعرفنا عليهم بعد ذلك على أنهم يمثلون الثورة عبر الفضائيات ومع الإعلاميين الفلول. فلما جن الليل كان هناك أكثر من ألف شاب مصاب في منطقة الجبهة وما حولها، ولم يكن أحد منهم من «شباب الثورة»… ونجوم الفضائيات فيما بعد.
بنجاح الثورة المضادة، فقد تم الاستمرار في سياسة شيطنة حماس، فهي التي فتحت السجون، وهي التي اقتحمت البلاد بسيارات ذات الدفع الرباعي، وعلى مدي ستين كيلو مترا لم يجدوا من يوقفهم إلى أن وصلوا للقاهرة وعادوا في هدوء، على نحو يمثل إساءة لقيادة الجيش، وهم المسؤولون عن تأمين سيناء، فالشرطة انهارت في يوم جمعة الغضب، لكن الجيش لم يسقط.
لقد كانت غزة تقصف في عهد مبارك، بينما إعلامه يقود حرباً ضد حماس، لتبرير جريمة هدم البيوت، وقتل الأطفال، فقد حدد مبارك موقعه باعتباره كنز إسرائيل الاستراتيجي، وتعاملت الفضائيات، ومذيعو الخيبة، على أن الفلسطيني هو العدو.
وسمعنا لنغمات «مصر أولاً»، مع أن أحداً لم يطلب مصر أن تحارب دفاعاً عن غزة، ولكن المرفوض هو أن تتواطأ مصر مع ضربها، وأن يعلن قرار القصف من القاهرة، في إشارة لا تخطئ العين دلالتها.
وعندما تشاهد الوجوه نفسها الآن من اعلاميي الغبراء، وقد احتشدوا يواصلون مهمتهم، في شيطنة حماس، وتبرير قصف غزة، ستقف على أنه لا شيء تغير في مصر. فقد قادت 30 يونيو البلاد، في اتجاه العودة لعهد مبارك، وبوجه جديد.
أتحدث عن 30 يونيو وليس عن 3 يوليو، فالبداية كانت من هناك، والانقلاب دشن لعملياته بهذا اليوم. لأن هناك من يقولون أن 30 يونيو ليس بداية المؤامرة، لأنها كانت مظاهرات طبيعية ومقبولة، وهذا ليس صحيحاً، فحتى الذين شاركوا فيها وهم ضد الانقلاب، كانوا مجموعة من المغفلين لا أكثر، والقانون لا يحمي المغفلين.
وعلى كل فمبارك كان قد قرر بعد الثورة أن يترك الحكم بنهاية ولايته في سبتمبر 2011، وكل ما هنالك أن « نجله» بالتبني تأخر عن موعد استلامه السلطة سنة، وقد كان حكم المجلس العسكري بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي هو الامتداد أيضاً لعهد المخلوع.

خطاب أديب
التغير الوحيد طرأ على خطاب عمرو أديب، فهو هذه المرة حرض «عبد الفتاح» على التدخل، لحماية غزة، وبما يتسق مع مكانة مصر والتزاماتها التاريخية والأخلاقية. وحمله المسؤولية عن الدم الذي يراق. يبدو أن عمرو عنده مساحة للحركة، ليست متوفرة لغيره، ممن يرددون خطاباً واحداً تعده لهم جهة بعينها.
لكن قاتل الله «يوتيوب»، فقد بث له البعض مقطعاً من حلقة قديمة تعليقاً على قصف غزة في زمن المخلوع، فإذا به مبرراً، ومدافعاً عن الصمت المخزي لوزير خارجية مصر، على إعلان «ليفني» قصف غزة من القاهرة. وهو يقول ماذا كان يمكن أن يفعل وزير الخارجية؟… إذ كان واضحاً انه ينفي أن يكون الصمت قرين الرضا، أو التواطؤ.
الرئيس محمد مرسي قدم إجابة على هذا السؤال بعد أكثر من ثلاث سنوات وفي القصف التالي لغزة، في خطاب، يجسد معاني القوة، ومعنى أن تكون رئيساً لمصر، وما تمثله القضية الفلسطينية لمصر. قالها مرسي: لن نترك غزة وحدها، وأن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء الاعتداء عليها. وأرسل رئيس حكومته إلى هناك في إشارة لا تخطئ العين دلالتها.
إن شئت فقل أن قصف غزة هذه المرة رد الاعتبار للرئيس محمد مرسي، الذي كان البعض يحلو له القول أن مصر كبيرة عليه. حسبه أنه سعي لأن يكون جديراً بالموقع في حين أن رئيسهم «عبد الفتاح» قزم مصر حتى صارت لا تُري بالعين المجردة. وقد أذاع الإسرائيليون أن مصر قامت بنقل تهديدات إسرائيلية للجانب الفلسطيني.

العجلة رمزا للعهد الجديد
فقد انتهي الحال بمصر أن تكون مجرد « ساعي بريد». وكان ينتقل قديما بالخطابات على «عجلة»، أو «دراجة»، وربما يفسر هذا كيف أن «العجلة» صارت رمزاً للعهد الجديد. فقد ظهر السيسي بدراجة قبل ترشحه ليثبت تواضعه واحتكاكه بالشعب. وبعد نجاحه كان «رالي الدراجات»، وكان أن إعلاميين طالبوا لحل مشكلة الوقود وأزمة المرور، بالاقتداء بالرئيس المفدى. وأحدهم دخل الأستوديو بعجلة، والثاني قال أنه من اليوم فصاعداً فسوف يستقل «عجلة»… ولم يف بما وعد!
عموماً قديماً تم الغناء لساعي البريد: «يا مرسال المراسيل»، وما أظن أن «المرسال المصري» هنا جدير بهذه الأغنية.
«الجزيرة» أعدت تقريراً يقارن بين أداء مرسي وأداء «عبد الفتاح». وقسم التقارير في الجزيرة يدهشك بأدائه، فالجملة تبدو لحناً، وفاطمة التريكي أوجعتهم بتقاريرها فهاجمها أحد الموالين للانقلاب في واحد من برامج «التوك شو»… المتخصصة في الردح للجزيرة وضيوفها.
أعترف بأن أداء مرسي في حينه لم يلفت انتباهي، ربما لأنني اعتبرته أمراً عادياً بعد ثورة شعب إيمانه بالقضية الفلسطينية ليس محل شك. وربما لأنني لم أكن على وئام مع حكم الإخوان… أقول ربما لأنه رغم أنني كنت من معارضي القوم، فقد وقفت مدافعاً عن موقف الرئيس يوم أن انفض من حوله أنصاره في « فتنة الإعلان الدستوري»، ويوم أن أقال حسين طنطاوي وسامي عنان، وكذلك يوم أن أقال نائب عام مبارك.
يقولون الضد يظهر حسنه الضد، وربما لم استشعر قيمة موقف مرسي، إلا بعد أن شاهدنا موقف «المرسال» الذي تلخص كل دوره في نقل «التهديدات الإسرائيلية» للفلسطينيين قبل أن نقف على الدور المتواطئ الذي صرح به الإسرائيليون أنفسهم… وكما حدث في عهد مبارك يحدث الآن. فالتواطؤ من جانب السلطة، والتحريض والتبرير من جانب الإعلام!
إعلام مبارك شمت في عملية دك غزة، وكذلك يفعل الآن، وأحدهم قال إن حركة حماس لا تلتزم بحكمة الإسلام. يبدو أنه كان ينتظر من خالد مشعل أن ينتصب خطيباً في لحظة القصف ليعلن: «سلميتنا أقوى من الرصاص». ومن قالها في مصر حكم عليه بالإعدام مرتين، وبالأشغال الشاقة مرة، ولا يزال ينتظر استكمال «دستة الأحكام»، وأعني به فضيلة المرشد العام للإخوان.
عندما كان إعلام مبارك يشمت في غزة وأهلها، بدأت المقاومة في تحقيق انتصارات لافتة للانتباه، لكن هذه الإعلام لم يحتمل الصدمة، فظل يهذي حتى اعتقدنا من هذيانهم، أنهم لا يزالون إلى الآن يتبنون بالنيابة أنشودة: « الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر». ووصل الحال بإعلاميي مبارك حد أنهم أنكروا على أولمرت الاعتراف بالهزيمة. إذ اعتبروا أن هزيمته هزيمة لهم.
الآن أربكت المقاومة حسابات القادة الإسرائيليين، فصواريخها أثارت ذعر القوم، وبدأت قوي خارجية تتوسط للحصول على هدنة من حماس، لكن حماس تقول إن من بدأ الحرب ينهيها بدون اتفاق، وأن أهالي غزة لن يقبلوا بأوضاع الحصار بعد اليوم.
إرهاصات نصر بادية للعيان، أعترف بها إعلام إسرائيل، ولم يعترف بها إعلام عبد الفتاح السيسي. الذي لا يزال إلى الآن يبرر للاعتداء الإسرائيلي.
لا بأس، خذوا راحتكم في الشماتة… غداً تصبحون على هزيمة.
أرض – جو
٭لم أتمكن من مشاهدة كل حلقات الدكتور محمد محسوب الوزير في عهد الرئيس مرسي، في «بلا حدود»، وقت بثها في مارس الماضي، فأشاهد ما فاتني الآن في الإعادة على « الجزيرة مباشر مصر». مما قاله أن لجنة استرداد الأموال المهربة للخارج، وهي لجنة قضائية، أنفقت أكثر من 70 مليون جنيه، في سفريات للخارج، دون أن تسترد مليماً واحداً. يا لها من لجنة تنتمي للثورة المضادة.
٭ عندما أشاهد صلاة الفجر عبر التلفزيون المصري أتذكره، كأن الفجر ارتبط بصوته الجميل القادم من السماء، فيملأ قلوب من في الأرض سكينة. وكأن القنوت ارتبط بصوته، ليمثل دعاء أهل الأرض الصاعد للسماء.
عندما استمعت للصوت الذي يفتقد للجمال لإمام الحسين، تذكرت الشيخ أحمد فرحات.
صحافي من مصر
[email protected]

سليم عزوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية