د. عماد عبد الرازق
الحكمة الشائعة التي تقول ان أول ضحايا الحرب هي الحقيقة، اكتسبت معني جديدا لمن أسعده الحظ بمتابعة الفضائيات اللبنانية في خضم الأحداث المتوالية مؤخرا. فالحرب الوشيكة التي يحذر جميع الأطراف من مغبة اندلاعها في أية لحظة، لم تقع حتي الآن، كفانا الله وكفاكم شرها. ومع ذلك فقد تكفلت وسائل الاعلام هناك باغتيال الحقيقة مبكرا، علي الرغم من أن كل الأطراف تعلن ليل نهار أنها لا تهدف سوي التوصل الي، وكشف المسكينة الحئيئة. هذه عينة بسيطة من نشرة أخبار قناة المستقبل الناطقة باسم تيار المستقبل وزعيمه الحريري الصغير، الذي ورث تقريبا كل شيء عن دادي (الثروة والنفوذ، والوسامة) لكن فاته ياخسارة أن يرث أشياء بسيطة أخري (كالزعامة والكاريزما والحنكة والهدف، أي هدف ـ من النزول الي معترك السياسة- غير الانتقام لقتلة أبيه). قارئة النشرة افتتحتها بمقدمة طويلة ضمت حفنة غليظة من العناوين: استمرت الاعتصامات علي أعمال الشغب. تواصلت أعمال الميليشيات التي ارتدت من مواجهة العدو الي مواجهة الحكومة. وحرمت الميليشيا سكان المناطق من العبور أو الخروج من أحيائهم. ميليشيا قوي الثامن من أذار (مارس) تواصل تصديها للمواطنين والتعرض للسكان وتعمد اثارة الشغب. وشنت الميليشيات حملة شتم طالت الرئيس الشهيد الحريري.
أبواق حزب الله تحرض رجال الميليشيا علي اثارة الشغب والاعتداء علي السكان. تم تشييع الشهيد فلان الفلاني الذي سقط برصاص الغوغاء كنتيجة مباشرة لاستخدام الشارع لأغراض سياسية!
ياللهول؟ تري كيف استخدمت قوي 14 آذار (مارس) وفي طليعتها تيار المستقبل الشارع عقب اغتيال رفيق الحريري، لأغراض سياسية أم لأغراض ترفيهية؟ بعد هذه العناوين المثيرة والفجة في تحيزها مع جانب ضد جانب آخر وادانته مسبقا لم يعد هناك أي معني لكلمة أخبار، فقد أبرزت النشرة وجهة نظر المحطة وموقفها السياسي بالبنط العريض في بضع دقائق. لكن المفاجأة أن التقرير الذي تلي هذه المقدمة والذي يفترض فيه أنه يقدم لنا قصة ووقائع ما حدث كان طافحا بدوره بالأحكام الكاسحة، الجامعة والمانعة، والاتهامات وغيرها من توابل تلوين الأخبار ولي عنقها. هؤلاء هم شركاء الأمس القريب في حكومة واحدة، فكيف سيتسني لهم الجلوس مرة ثانية الي طاولة واحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، اذا كانت وسائل الاعلام قد اتخذت مواقعها في الخنادق بالفعل وباشرت باطلاق المدفعية الثقيلة والهاونات؟ ولا يستثني كلامي هذا القنوات الحزبية الأخري بالطبع. فالحرب بدأت بالفعل.. اعلاميا. الطريف أن مدير الأخبار في احدي هذه القنوات اعترف بالفعل بأن أخبار قناته لا علاقة لها بالموضوعية الآن، لأنها في الظرف الحالي باتت حزبية مئة في المئة. وان وعد سعادته بأن يعاد النظر في الأمر بعد انقضاء الأزمة الحالية، أم لعله كان يقصد بعد انقضاء الحرب؟ اللهم اجعل كلامنا عليهم خفيفا. الجزيرة تتلصص علي فوكس علي قناة الجزيرة انترناشيونال تابعت ضربا آخر من الاعلام الذي أعماه التعصب عبر برنامج جديد وشيق اسمه The Listening Post أو موقع للاستماع. فكرة البرنامج- التي أثارت اعجابي لأسباب ليس أقلها أنني حلمت ذات يوم بتنفيذها ـ تنهض علي تقديم نوع من المراجعة النقدية لمختارات مما تعرضه القنوات التليفزيونية الأخري، أو هكذا يبدو في حدود ما شاهدت، مع الترحيب بمراجعات المشاهدين وملاحظاتهم. في تلك الحلقة اختار المقدم فقرة من قناة فوكس الأمريكية لصاحبها حوت الاعلام المتمدد في قارات العالم والمتغلغل في كافة الوسائط الاعلامية من الاذاعة والتليفزيون للانترنت وحتي اعلانات الشوارع، الأسترالي روبرت ميردوخ. ولمن لم يسعده الحظ بمشاهدة القناة الاخبارية، نقول انها معروفة في الوسط الاعلامي الأمريكي بأنها قناة البيت الأبيض وبالأحري الادارة الأمريكية الحالية. فأي خبر يخرج من البيت الأبيض لابد أن تكون فوكس سباقة به، وكثيرا ما تحصل علي السبق من الأبواب الخلفية (أي من عملائها ومخبريها في البيت الابيض بمباركة أهل البيت بالطبع). هذه الأيام وفي ظل انحسار ادارة الرئيس بوش وتضعضعها علي اثر الهزيمة الثقيلة التي منيت بها في انتخابات الكونغرس النصفية، تعاني القناة من شح في الأخبار التي يمكن ان تستخدمها مطية لنفخ صورة الرئيس واستعراض انجازاته المبهرة، وفي الوقت ذاته تستخدمها لتمرير خطابها العنصري ضد الاسلام والعرب وكل من يعادي سياسة بوش. في احدي برامج القناة السياسية استضاف المذيع أول عضو كونغرس أمريكي مسلم فاز في الانتخابات الأخيرة، وأثار معه قضية اصراره علي أن يؤدي القسم عند استلام مهام عمله علي القرآن الكريم، وليس الانجيل. وفي الحوار سأل المذيع الضيف هل يعني ذلك أنه اذا ما حدث وجاء عضو كونغرس آخر وطلب أن يؤدي القسم مثلا علي كتاب كفاحي لأدولف هتلر أن يوافق الكونغرس علي طلبه؟ وهكذا بمنتهي الوقاحة قارن المذيع كتاب نازي وعنصري بكتاب مقدس لدي الف ومئتي مليون انسان. هذا ـ يقول مذيع الجزيرة ـ من قناة ترفع شعار FAIR AND BALANCED NEWS أي أخبار منصفة ومتوازنة. العاقبة عندكم في المهرجانات تغطية حفل مهرجان القاهرة السينمائي الأخير علي قناة ايه أر تي كانت مثالا جديدا لمن لا يزال في حاجة الي أمثلة، علي أن التوسع المضطرد في مساحة الفضائيات العربية لابد وأن يأتي علي حساب جودة ما تقدمه هذه الفضائيات، وكيف تتحول بعض البرامج في هذه القنوات الي اقطاعيات وبالأحري ضيع عائلية بالمعني الحرفي للكلمة. مقدمة هذا البرنامج أو تلك التغطية، بوسي شلبي، لم تترك فنانا ولا فنانة من الذين حضروا حفل المهرجان الا واستضافتهم واستضافتها علي قارعة المهرجان، لتسألهم السؤال الأهم في الحلقة كلها: ياتري كان ايه احساسك بعد منح جائزة التكريم للفنان الكبير محمود عبد العزيز؟ وكانت اجابات الفنانين والفنانات كلهم تقطر بالحب والاعجاب والفرح الغامر والسعادة المتقدة لما ناله الفنان الكبير من تقدير وكيف أنه اسعد ويسعد وسوف يستمر في اسعاد الجماهير والملايين في العالم العربي، وهذا نزر يسير من أطروحة الثناء التي أطلقتها الهام شاهين طوال سبع دقائق من الحديث المتواصل، لم يفتها خلالها أن تعدد كل الأفلام والمسرحيات التي عملت فيها مع الفنان الكبير الجميل. (فاذا كان هو فنان كبير أنا برضة كبيرة قوي). لم تتضح لي أهمية هذا السؤال المحوري، ولا كم المجاملات ورائحة النفاق التي كانت تفوح من بعضها، الا بعد أن ذكرني أحدهم بأن المذيعة المتخفية وراء ستار غليظ من الماكياج الفاقع ليست سوي زوجة الفنان الكبير محمود عبد العزيز! وكانت الدهشة قد تملكتني واستعصي علي فهم تكرار مخرج البرنامج للقطات متتابعة للنجم محمود عبد العزيز نازلا من السيارة أو سائرا في طرقات المهرجان وهو بصحبة المذيعة اياها. أي أنها لم تكتف باحتلال الشاشة دون أن تتزحزح عنها قيد أنملة ولو لدقيقة واحدة، في حوار مستديم مع نجوم ونجمات المهرجان واحدا بعد الآخر، وعز عليها ألا تحتل صورتها مكانا بارزا في المقاطع الفاصلة بين كل فقرة وأخري، ولم تترك حتي مقدمة وخاتمة البرنامج. وحتي يكتمل النصاب العائلي في احتكار البرنامج، لم يفت المذيعة أن تستضيف محمد محمود عبد العزيز، ابن الفنان الكبير لتسأله نفس السؤال البليد، أي أن ماما أجرت حوارا عن فوز بعلها بجائزة مع المحروس ابنه طبعا عبر حمادة عن فرط سعادته بفوز بابا بالجائزة التي يستحقها وتثبت أن الجماهير لا تزال تحبه وتقدره (فما دخل الجماهير اذا كانت الجائزة منحت من لجنة تحكيم المهرجان، ونصفهم لا يعرفون محمود عبد العزيز وربما لم يسمعوا به؟). لكن المفاجأة الكبري التي كانت تخبئها المذيعة الأمورة لنا كانت في اللقاء المرتقب مع نجم النجوم صاحب الجائزة وتواضع فقدمته لنا قائلة النجم الفنان الكبير، زوجي العزيز، محمود عبد العزيز وهكذا اكتملت التغطية العائلية. مثل هذه البرامج تكشف كيف أن لغة الحوارات التليفزيوناتية هذه تعاني من ركاكة منقطعة النظير تتكيء علي قاموس مفردات متهالك يلوكها الجميع وقد استهلكه المذيعون والمذيعات والضيوف، وانتقلت عدواها الي المشاهدين البلهاء الذين يتصلون بمثل هذه البرامج ليعبروا عن ولههم بكل شيء في البرنامج (فلا يحدث أبدا أن يتصل أحدهم ليعبر عن شيء لا يروق له). المشاهدون يحلو لهم دائما رفع عقيرة التلفاز علي الآخر أثناء المكالمة. كل هذه اللقاءات لم تكن لترقي الي أعتاب اللقاء الأهم، الذي لم تكن براعة البرنامج لتكتمل بدونه، لقاء وزير الثقافة، الوزير الفنان، الوزير المثقف، الوزير الحساس، الوزير الأستاذ فاروق حسني. فماذا كان سؤال المذيعة الأول له: الفنان فاروق حسني. الفنان فنان. وانت بفنك، وباحساسك الفني، بريشتك اللي بتعبر بيها عن أجمل الفنون، أنت رسمتلنا صورة جميلة في المهرجان ده. حاجة رائعة وحالة حب واعجاب محصلتش. الوزير بدوره حاول أن يكون كلامه متزنا ومتواضعا ردا علي هذا الهراء، فقال ان المسألة في منتهي البساطة مسألة تخطيط، وأن النجاح له خطة كما أن للفشل خطة، طالما أن المرء يخطط للشيء مسبقا فلاشك أن نصيبه سيكون النجاح. وشرح كيف أنه قرر التدخل (علي غير عادته كما قال) بعد أن رأي المهرجان ينهار. لكن الاجابة لم تعجب المذيعة اللبيبة فعاودت قصيدة المديح لذلك الانجاز الاعجازي الذي حققه الوزير سيادتك أنا رحت مهرجانات كتير، كان، وبرلين، وفينسيا، وغيرها كتير كتير، أنا باسافر كتير، رحت كل المهرجانات في العالم، بس أد ايه انا فخورة وسعيدة معندكش فكرة بمهرجان بلدي اللي ظهر بمستوي عالمي. طبعا لم يكن هذا سؤالا، ويصعب علي المرء تصور كيف يستمر الحوار بعده، ومع ذلك استمر تقريبا لعشر دقائق أخري. طوال هذا العرض العائلي لم نسمع كلمة واحدة من المذيعة التي طافت كل مهرجانات العالم، كلمة واحدة عن الأفلام التي فازت او لم تفز، أو حتي التي عرضت ولا عددها ولا الدول التي تمثلها، لا شيء بالمرة سوي جائزة زوجها العزيز محمود عبد العزيز، وجائزة يسرا، فوق البيعة. ہ ناقد من مصر يقيم في واشنطن