د. كمال مجيد كمقدمة من الضروري الاشارة الى ان التهديدات الامريكية والاسرائيلية الاخيرة ليست مقتصرة على ايران وحدها بل المقصود سورية ولبنان وفلسطين ايضاً. فالهدف الاستعماري ليس المصانع النووية الايرانية وحدها بل القضاء على التقارب الموجود بين هذه الاطراف. الواضح هو ان تحطيم القابليات النووية الايرانية لا يقضي على القوات الايرانية ولا على قوات حزب الله او الحماس. فتوجيه القنابل على منطقة محدودة سيشعل حرباً طويلة الأمد، اتعس بكثير مما يجري في افغانستان، وذلك منذ ان دخلت القوات السوفياتية الى هناك وحتى يومنا هذا. ان مثل هذه الحرب ستنتهي بنفس النتيجة حتى اذا اكتفى الاستعمار بضرب سورية. وهذا ما اكده الرئيس بشار الاسد في الشهر الماضي عند رده على التهديدات الامريكية المتكررة حين صرح بأن تقسيم سورية يعني تقسيم كل المنطقة وان الهجوم على سورية سيورط المستعمرين في حرب اتعس من افغانستان.
هذه الحقائق تؤكد على ان الهدف المعلن، اي قصف المنشآت النووية الايرانية، هدف كاذب الغرض منه هو الاحتفاظ بسرية الهدف الحقيقي وتوجيه الانظار نحو تصرفات ايران العدوانية بغية التأثير على البسطاء من جهة وبغية الالحاح على شرعية القضاء على الدولة الايرانية عن بكرة ابيها.
والسؤال المهم هو: ماذا سيحدث لو شن المستعمرون هجوماً شبيها بالهجوم على العراق في حرب الكويت او اثناء الاحتلال؟ بلا شك سترد ايران، بالصواريخ على تل ابيب وعلى المنشآت النووية الاسرائيلية، كما صرح بذلك القائد العسكري الايراني. بل لدى ايران القابلية لتحطيم المنشآت البترولية في كل الخليج، بدءاً بالعراق ثم الكويت والسعودية وحتى عمان. وفي مثل هذا الرد لا تحتاج ايران الى استخدام الطائرات أوالصواريخ بل ان المدفعية وحدها كافية. كل هذا ناهيك عما سيفعله الفلسطينيون في غزة او ما سيفعله حزب الله على الحدود اللبنانية مع اسرائيل. لعبت هذه الاحتمالات كعامل بارز عندما قرر المستعمرون اخذ المبادرة لتوسيع وتعقيد المسألة عن طريق خلق المشاكل المسلحة لسورية والاستفادة من ظروف الربيع العربي لتركيز الانظار، بعد تحطيم ليبيا والعراق، عليها حيث الحرب الساخنة جارية بفضل الاسلحة المهربة وبمباركة قرار الجامعة العربية. ثم ان خلق حرب محلية هناك، عن طريق توريط الاتراك فيها، مثلاً، قد تجبر ايران على التدخل مما يعطي الحجة للمستعمرين على ادانة ايران، فتوجيه ضربة مباغتة ومميتة اليها. لا بد من التشديد على الضربة المميتة فبدونها تتعقد الامور وقد تصاب اسرائيل بمثل هذه الضربة. علماً ان اي عدوان تركي على سورية قد يضعف موقف الغرب، اذ ان الرأي العام العالمي سيدين تركيا. كما ان العملية ستفسح المجال لقوات حزب العمال الكردستاني لتشديد ضرباته على الجيش التركي. ان هذا لا يعني ان عداء سورية عبارة عن قضية ثانوية اتت كحجة لمهاجمة ايران. فهناك ارتباط دياليكتيكي بين القضيتين. فتحطيم سورية واسقاط حكومتها قد يؤديان الى تشكيل حكومة موالية للغرب تعترف باسرائيل وتخنق حزب الله في لبنان ومن ثم يتم عزل ايران ومحاصرتها ثم اللجوء الى خطط ناجعة لقهرها. كل هذا سيحفظ ايضاً، بعد الفاجعة في ليبيا والعراق، ثقة الشعوب العالمية عامة والعربية بصورة خاصة بنفسها ويشجعها على الاستسلام للجبروت الامريكي.
نستنتج مما ورد اعلاه ان المشكلة ليست محصورة بايران بل تشمل المنطقة كلها بما في ذلك كافة بلدان الخليج. وهذه هي الحالة حتى قبل انتاج ايران قنبلتها الاولى. والجدير بالتركيزعلى ان انتاج مثل هذه القنبلة سيغير خارطة الشرق الاوسط بصورة جوهرية. فلأول مرة سيحدث تعادل ننوي بين ايران واسرائيل وتتحول المعادلة في المنطقة ضد المستعمرين واسرائيل بصورة جذرية وتضع حداً للابتزاز والتنمر الامريكي فيها. من الضروري ان ندرك بأن اسرائيل انتجت قنابلها النووية لا لغرض الزينة بل لكي تستخدمها عند الحاجة في فرض هيمنتها على المنطقة. انها ترفض ان تتنازل من موقعها الطاغي لتقبل بالتعادل النووي مع ايران. اذن عليها ان تستخدم بعض هذه القنابل، قبل فوات الاوان، للدفاع عن موقعها الاستثنائي. وفي هذه العملية انها لا تحتاج الى التزكية العلنية من امريكا. ليس لاسرائيل خيار عسكري آخر يضمن لها الانتصار.
في مثل هذه الحالة الحرجة تجد امريكا نفسها تتذبذب امام الاحداث. انها لا تستطيع الهجوم على ايران دون ادراك النتائج الوخيمة لها ولربيبتها والمدونة اعلاه. انها لا تستطيع خلق افغانستان جديدة لنفسها في الوقت الذي تعاني من ازمة اقتصادية قاتلة. الا ان اسرائيل لا تشعر بمثل هذه الازمة وانها تؤمن بان عليها القيام بكل شئ لغرض الاحتفاظ على منزلتها المتميزة في المنطقة.
ثم ان لاسرائيل صفة اخرى: انها لا تحترم بل تحتقر الرأي العام المحلي وحتى العالمي، فهي لا تحسب لهذا الرأي اي حساب عند اخذ القرارات المصيرية. لقد تبلورت هذه الخاصية عندها بعد ان نجحت في احتقار عشــــرات القرارات التي اتخذتها الهيئة العامة للامم المتحدة بأغلبية ساحقة ضدها. بل انها رفضت تنفيذ قرارات مجلس الامن بخصوص احترام الفلسطينيين في الضفة الغربية. (راجع William Blum, Rogue State, Zed Books, London, 2001 )تعلم اسرائيل بعدم وجود قوة تستطيع منعها من استخدام سلاحها النووي ضد ايران. لا لضرب المنشآت النووية، لأن ذلك يفسح المجال للرد الايراني كما تم ذكره. وليس هناك برهان على نجاعة السلاح النووي في اختراق الجبال التي تحمي هذه المشآت. ان غرض اسرائيل هو شل قابليات ايران العسكرية ومنعها من الرد. ويتم ذلك فقط عن طريق قصف طهران والقضاء على الدولة الايرانية القائمة. عند ذلك لا تبقى قيادة سياسية او عسكرية او دينية تعطي الاوامر لمن يبقى في قيد الحياة للرد على العدوان. بل تفقد الصناعات النووية، السلمية منها والعسكرية، اهميتها بصورة كلية. ولهذا بالضبط تلح القيادة الاسرائيلية مراراً على ان الحلول كلها مطروحة على الطاولة. ولا شك ان قصف طهران بالقنبلة الذرية حل كفوء بالرغم من بشاعته وبالرغم من صعوبة تخيل مثل هذه الفاجعة. ولهذا بالضبط حذر الرئيس الروسي مدفيدف من ((خطر الحرب النووية على ايران)) قبل اكثر من سنة. ولهذا ايضاً حذر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو مرتين من مغبة الحرب النووية على ايران. لنتذكر ان موشي ديان، وزير الدفاع الاسبق لأسرائيل، هو الذي اكد على ((ضرورة التفكير بالمستحيل)) في الاوقات الحرجة. فهل فكرت القيادة الايرانية بمثل هذا المستحيل؟ وحين صرح الرئيس الديني خامنئي على ان ايران سترد على العدو بمجرد تهديده لها فهل ادخل القصف الذري لطهران في حساباته؟ بالطبع ستنكر امريكا علمها المسبق بالموضوع وستقيم الدنيا وتقعدها بالرسائل الاحتجاجية والتصريحات التلفزيونية ضد هذه الجريمة الاسرائيلية البشعة. ولكن الاحتجاج لا يعيد الحياة للدولة الايرانية. ان امريكا تعلم ايضاً بعدم وجود قوة تحت الشمس تجرأ على الهجوم على اسرائيل انتقاماً. فيبقى كل شيء هادءا في الجبهة الشرقية. وبعد اشهر او سنوات ستعود العلاقات الامريكية الاسرائيلية الى حالتها السابقة، بالضبط مثلما حدث بعد سنوات من نقل اسرائيل عاصمتها من تل ابيب الى القدس بعد حرب1967. اتمنى ان اكون خاطئاً في توقعاتي. ‘ اكاديمي عراقي