قصيدة حظْر التَّجوُّل

حجم الخط
0

آدم فتحيهُوَ حَظْرُ التَجَوُّلِ؟ يَعْلُو أَزِيزُ الرَّصاصِ فَيَعْلُو صَفِيرِي أدَنْدِنُ أُغْنِيَةً من أغانِيَّ أو مِنْ أَغَانِي إِمامِي الضَّرِيرِ وأَطْوِي ضُلوعِي على كُتُبِي وحَلٍيبِ ابْنِتي وأقُولُ لِصاحِبَتِي لا تَخافِي تَعوَّدتُ مُنْذُ زَمانٍ على كُلِّ هَذِي الأُمُورِ.يئزُّ الرَّصاصُ. أقُولُ لِصاحِبَتِي هلْ يكونُ الخَلاصُقريبًا؟ أردتُ حليبًا وأغنيةً حُرّةً ورغيفًا نظيفًا. لماذا الرَّصَاصُ؟ لِيَقْتُلَ وحْشًا؟ عَدُوًّا غريبًا تعدَّى على حُرْمةٍ في المكانِ؟ لماذا يئزُّ الرّصاصُلُيُرْدِيَ مَنْ قالَ لاَ للهوانِ؟! نَمُرُّ بطفْلٍ جريحٍ يُضَمِّدُ فاجعةَ الأرْضِ. أسْمَعُ بائِعَةَ البَيْضِ تَصْرُخُ، كادت تَغُوصُ إلى نِصْفِها في الدَّمِ الحارِّ. مِنْ كوّةٍ في الحِصَارِ مِنَ الجِهَةِ المَحْضِ يظهَرُ طَيْفَانِ. يومئُ لِي صاحبي منْ بعيدٍ لعلَّهُمَا مِنْ لُصُوصِ الدّمِ الحُرِّ ينتظرانِخُفوتَ الخُطَى وانْهِيارَ المكانِ، أَلَمْ نَرَ بَعْدَ انتِفاضاتِنَاكَمْ يَفُوزُ اللُّصُوصُ؟ تَمُرُّ الرَّصَاصَةُ بَيْنَهُمَا يَكْذِبُ المَوْتُ: بَلْ هِيَ دَقّةُ قلْبٍ تَصَدَّعَ أوْ رَفَّةٌ مِنْ جَناحِ المَلاكِ تَغُوصُ الرّصاصةُ، تطلعُ مُبْتَلّةً بالهلاكِ تُلوِّحُ في النَارِ حامِلةً ما تبقَّى: حياةً أَخَفَّ من النَّارِ يقْتربُ الحُلْمُ مِنَّا تَعيشُ البِلاَدُ تَموتُ تَعِيشُ تَكادُتُطِلُّ على العيْنِ أشياءُ يرْفُلُ فيها البياضُ السَّوادُوأسْمَاءُ غامضةٌ، رُبَّمَا هِيَ أَوْضَحُ مِنْ أنْ تُرَىربّما هي صَبْرٌ يُحَشْرِجُ، أو مُمْكِنٌ يَتَوَهَّجُأو جَسدٌ خائفٌ أن يَقُصَّ على نفْسِهِ ما جَرَى ثمّ ماذا؟ خُطًى تتعثّرُ في لَثْغَةِ الروحِ وهي تواجهُ جُثّتهَا في مرايَا القُرَى ثمّ ماذا؟ شَرِيطٌ من الموتِ موتٌ بطيءٌ تُصاحبُهُ غَفْلَةُ الكامِيرَا مَوْتُ حُلْمٍ يَمُوتُ ويمضي بما لا يموتُ إلى فَرَحٍ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَتَحَقَّقَ حِيَنَ يَعِدْ*مَشْهَدٌ يتعرَّى بِنَا واضحًا فاضحًاحيثُ لا أحَدَ الآنَ يُخْفِيهِ عُرْيُ أَحَدْ*بلَدٌ يحْمِلُ الآنَ صخْرةَ أحلامهِ صاعِدًا للأبِدْبلدٌ يَقِفُ الآنَ وقْفَتَهُ مثْلَ صارِيَةٍ تَتَّقِدْمثْل جِذْعٍ عَرِيقٍ على حافةٍ تَبْتَعِدْوَهْوَ يُوغِلُ في عَدَمِ المَوْتِ كانَ يَرَىعَسَسًا لابِدِينَ وقَنَّاصَةً كامِنِينَ ولَكِنَّهُلاَ يُفرِّطُ في حُلْمِهِ لِأَحَدْ*بَلَدٌ يِقِفُ الآنَ في عُزْلةِ الأنْبِياءْلاَ لِيَبْحَثَ عَنْ خاتَمٍ المُلْكِ أو يتسلّقَ صارِيَةَ الفُلْكِأو يُخْبِرَ الدَّمَ حين يجيءُ قراصنةُ الدَّمِعَمَّنْ سَيَلْعَبُ في شَعْبِهِ دَوْرَ كَبْشِ الفِداءْبلْ ليَسْتَقْبِلَ المَوْتَ عنَّا، وأَدْنَى كَرَاماتِهِ أنْ يُوارِيَ سَوْءَتَنَا في العَرَاءْ*هُوَ حَظْرُ التَجَوُّلِ؟ أَطْوِي ضُلُوعِي على كُتُبِي وحَلٍيبِ ابْنِتيوأقُولُ لِصاحِبَتِي لا تَخافِي تَعوَّدتُ مُنْذُ زَمانٍ على كُلِّ هَذِي الأُمُورِوهل غيْرُ حَظْرِ التَّجَوُّلِ يُحْكِمُ قْبْضَتَهُدجلاً ورَصاصًا على أُفْقِنَا طُولَ هذِي الدُّهُورِ؟ وهلْ غيْرُ حَظْرِ التَّجَوُّلِ في الصَّحْوِ والنَّوْمِ والفِكْرِ والحُلْمِ والأمْسِ واليَوْمِ يَحْكُمُنا مُنْذُ خَمْسِينَ عامًا بِنَفْسِ العَمَى المُسْتَطِيرِ؟*يئزُّ الرَّصاصُ. أراهم يموتون في شَهْقَةِ الوَرْدِ بنْتًا وأمًّا وطفلاً وشيْخًا. أقولُ لصاحبتيهل يكونُ الخلاصُ قريبًا؟ أصُرُّ يديَّ على الجَمْرِ في البَرْدِأَطْوِي ضُلوعي على كُتُبي وحَلِيبِ ابْنَتِي وأخافُ على دَمْعَتِي أنْ تَسِيل فيشْمُتَ جلاَّدُهُم فِيَّأسْمَعُ وَقْعَ المَخالِبِ وهي تصُبُّ الرَّصاصَ على الياسَمِينِ المُحارِبِ في المَهْدِ واللَّحْدِ والقُرْبِ والبُعْدِ أسألُ صاحبتي هل نعيشُ ولو لحظةً بعْدَ جلاّدِنا؟ هل تُحاسِبُ تونسُ يومًا فُلُولَ الذِّئاب التي شربت دَمَ أولادنا؟ هل نراهَا تعيشُ وقدْ وُلِدَتْ لِلحَيَاةِ ولَمْ تَدْعُ بِالمَوْتِ يَوْمًا على أَحَدٍ لَمْ تَقُلْ إنِّهَا ستَنَالُ مِنَ المَوْتِ أو تَتَعَالَى على المَوْتِ لَمْ تَتَودَّدْ إلى المَوْتِ لَمْ تَسْرِقِ المَوْتَ مِنْ أَحَدٍ فلماذا تُرى أَخَذُوهَا إلى المَوْتِ خَمْسِينَ عامًا ولمْ يسْتشيرُوا زَرَازِيرَها وبَزاوِيشَها ودراويشَهَا وحَرافِيشَها والثَّقِيلَ الطَّوِيلَ على نَمْلِهاوالقَلِيلَ الكثِيرَ على رَمْلِهاوالصباح الذي ماتَ أكثر من مرّة وهو في حجْرِها، مثْلَ طِفْلٍ يُزَقْزِقُ بَيْنَ يدَيْ أُمِّهِويَحُلَّ سُيُورَ الحذاءْ؟*هُوَ حَظْرُ التَجَوُّلِ؟ يَعْلُو أَزِيزُ الرَّصاصِ فَيَعْلُو هدِيرِيأدَنْدِنُ أُغْنِيَةً من أغانِيَّ أو مِنْ أَغَانِي إِمامِي الضَّرِيرِوأَطْوِي ضُلوعِي على كُتُبِي وحَلٍيبِ ابْنِتي وأقُولُ لِصاحِبَتِي لا تَخافِي تَعوَّدتُ مُنْذُ زَمانٍ على كُلِّ هَذِي الأُمُورِإلى أَيْنَ يَمْضُونَ؟ماذَا يُرِيدُونَ؟أَنْ يتثاءَب سُوقُ البِلاطِ بُعَيْدَ الغُرُوبِوأنْ يتَوَقَّفَ بابُ سُويْقَةَ عنْ نَبْضِهِ في القُلوبِ وأَنْ يَقِفَ البَحْرُ في بَابِهِ كالأسِيرِوأَنْ يَتَعَلَّمَ بُولِيسُ شارِعِ بَارِيسَ مِن أُمِّهِكَيْفَ يبْرَعُ في كَسْرِ ظَهْرِي الصَّغِيرِوأَنْ يَتَكَسَّلَ بَابُ الجَدِيدِ وليس على بابِهِ من جديدٍسوِىَ حُلُمٍ يتَكَسَّرُ مِنْ تحْتِ حُلْمٍ كَسِيرِ؟وحَيُّ ابْنِ خَلْدُونَ، والإنْطلاقةُ، والسَّبْخَةُ الملْحُوالحُفَرُ الجرْحُ، هلْ تَتَمَدَّدُ في بِيجَماهَا الحَدِيدِ مُغَطِّيَةً رأسَهَا باِالشَّخِيرِ؟لِتُونسَ أنْ تَكْسِرَ اليوْمَ حَظْرَ التّجَوُّلِ من بعِد حَظْرِ احْتِجاجِ الصُّخُورِوَحَظْرِ الكَلاَمِ وحَظْرِ السُّؤالِ وحَظْرِ اخْتِلاَجِ الشُّعُورِ؟ إلى أينَ يَمْضُونَ يا لَيْلَ تُونسَ يا مِحْنَتِي ونَصِيرِيويا صاحِبِي وعَدُوِّي وغَيْبُوبَتِي ونَفِيرِي؟إلى أيْنَ يمْضُونَ؟فَجْرُكَ لاَحَ،ولَنْ يَقِفَ الطَّيْرُ عَنْ شدَوْهِ وهو يُذْبَحُلَنْ يَقِفُ النَّهْرُ عَنْ عَدْوِهِ وهو يُكْبَحُلنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ حسْبَ قرارِ الأميرِ*أقولُ لِتونسَ، أمِّي وصاحِبتِي وذراعي وسُورِيوصاريتي وشراعي، أقولُ لتونس لا تقفي عنْدَ نِصْفِ الطَّرِيق ولا تَسْتَدِيريوإنْ صَرَخُوا في الظَّلامِ ‘قِفِي’!لا تُبَالِي وسِيرِيلِشَعْبِكِ أَنْ يَرْفَعَ الرَّأْسَ أَعْلَىولِلحُلْمِ أنْ يَتَجَلَّىجَناحًا عِريقَ الجُذُورِفأَهْلاً بِحَظْرِ التَّجَوُّلْوَلَوْ بَيْنَ أَهْلِ القُبُورِوأَهْلاً بِحَظْرِ التَّبَوُّلْعلى جُدُرانِ القُصُورِوأَهْلاً بِحَظْرِ التَّنَفُّسْوحَظْرِ الكَلامِ الجَسُورِ وأهْلاً بِحَظْرِ التَّلَبُّسْبإِعْلاءِ صَوْتِ الضَّمِيرِوعُقْبَى لحَظْرِ التَّحَرُّشْبِأحْلامِنَا في الصُّدُورِوحَظْرِ الفَسَادِ المُعَشِّشْوحظْرِ الرِّشَى والفُجُورِوحظْرِ الغدِ المُتَلَصِّصْعلى أمْسِنا في السَّرِيرِوحَظْرِ الرَّصاصِ المُخَصَّصْلِقَتْلِ الرَّجَاءِ الأخيرِ11 جانفي 2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية