قصيدة «وردة الطوفان»: دعوة لخطاب أوروك

حجم الخط
0

يعمل الشعر كبقية الأجناس في اتخاذ قناع الموروث كبنية فنية مساعدة على تصعيد المعنى، لكنه وفق هذا التعامل يبدو أكثر فعالية ورهافة، لأنه فن الاختزال والتكثيف، فالذي يستطيعه السرد مثلاً ينطلق من مساحة يوفها الأُسلوب والسعة في التعبير، لكن الشعر يكون أُسلوباً أكثر كثافة وحرصا على الوصول إلى الدلالة الممكنة التعبير بكل شفافية واختزال. لذا كانت قصيدة الشاعر علي جعفر العلاق الموسومة (وردة الطوفان) تحث مكوناتها من الاقتراب من حدث مهم في تاريخ البشرية كالطوفان، الذي توفرت أسبابه سواء كان على يد وإرادة امتدت من (أتونبشتم ) إلى (نوح). المهم أنه بدا كرمز لخلاص البشرية من سوء واقعها واضطرابه وبناء العالم وفق قوانين وقيّم جديدة تنتظم وفق المقدس المحاط بهالة المتخيّل. والشاعر يعمل من خلال القصيدة على المراوحة الحوارية مع الذات، التي هي في الأساس تعني تحولات الرؤى لتوضيح المسار الإنساني من جهة، والاقتراب من الآني من جهة أُخرى. فالمفتتح القائل:
أي بلاد هذه
لا تأتيني إلا مصحوبة
بأنهار من اليباس وسوء الطالع

هذه المقدمة تضع المبرر الموضوعي لفتح باب الممارسة مع ما ينتجه العقل الشعري من تبريرات تتغلغل في الذات المؤثرة في صنع الوضع الاستثنائي، الذي يعيشه الإنسان في ظِل المتغيرات السلبية التي أعطت نتائج مضرة بصورة الوطن والإنسان. وهي رؤى محكومة بطبيعة (الإنسان ـ الشاعر) الذي يتأثر مباشرة بمتغيرات صغيرة أو كبيرة؛ إيجابية أو سلبية. وبهذا يكون القول هنا يمزج بين رؤية الواقع وتأملات في الحدث التاريخي، والبحث عن مجاورات بينهما، يراها الشاعر ذات هيمنة في نص الواقع. فهو يُغمر في التناقض الذي أفرزته المتغيرات، دون رغبة الوطن والإنسان فيه. فالأسئلة التي ابتدأت بـ(أي بلاد هذه) سؤال موجب ومهم، التي توصل الإجابة بما تراه عين الشاعر أو سواه، وما يتجلى وقعه باستمرار عبر الأطروحات السلبية. إن الجمل الشعرية لا تتطلب التأويل بقدر ما، كذلك لا تبعده عن مركز الأسئلة التي تتوالى وفق منظومة شعرية متسائلة. إن الصورة التي يتجلى مشهدها باليباس يربطها الشاعر مع:
وأي ماض هذا الذي يرفض أن يكون ماضياً

هذه الجملة الشعرية تتطلب الوقفة شأنها شأن أُخريات، على الرغم من كونها تطرح السؤال بشكل يتطلب الحوار. فالماضي (التاريخ) الذي لا يرغب في بقائه ماضياً، هو أساساً ينتسب إلى ذاته، لكنه بفعل حراك العقل الآني يشرع بحضوره بفرض قاس. والشاعر يعرف باقتدار كبير ذلك لأنه يمتلك معرفة شاملة بتأريخه وتاريخ البشرية، كما تذكر المدونات، فهي قادرة على تحليل الظواهر وكشف مؤثراتها المباشرة وغير المباشرة. نرى أنه يحاول إثارة الحوار حول ظاهرة إعادة التاريخ بتفصيله ومؤثراته التي هي من اختيار الإنسان، وليس هو فرض تاريخي. والحوار الشعري هكذا يحول الأشياء إلى حيوية تبلور الرؤى وتماسّها مع مجريات الجدلية مع التاريخ (الماضي) الذي له قوانينه ونظمه وقيّمه. فالماضي هو (كأنه مصنوع من كوارث لا تصدأ) مقابل التشبث الأعمى به عبر (أي شعوب هذه التي تتضرع إلى المتاهات/ علها تنبت نايات بدل العُصيّ). ولعل هذا الاقتضاب في العبارة لخص تاريخ يمتد طويلاً، تختزله الشعرية بالرؤية الأكثر واقعية، والمنزهة من الشوائب والمنزلقات التي تؤدي إلى صنع واقع رديء مثلما تصفه القصيدة. ولعل حدّة التناقض التي يعالجها الشعر بشفافية شعرية يوضح الموقف أولاً، ويُعطي الخطاب المناسب إزاءها ثانياً:
يهيم بها الماضي الجميل،
وطوراً يستبد بها ماض أصم

هذا الكشف يضعنا أمام طبيعة الإنسان الذي يُعيد الماضي كظاهرة تحل بديلاً عن الحاضر والمستقبل، وبهذا تنسّد قدرة الإنسان على تجاوز خطواته. في هذا الضرب من المعالجة يضع الشعر أمام وظيفة متوازنة وهو يخوض غمار الدخول في صلب الواقع، وهذا راجع بطبيعة الحال إلى ركيزة الشاعر وتعادل رؤاه لما يرى ويسمع ويعيش. كل هذا يوصل صوت الشعر إلى اتخاذ موقف التذكير بما يحدث وما سوف يحدث، ثم حث الذات على اتخاذ الموقف بما يمليه التاريخ. وهي الدعوة للطوفان، ليس كحدث عام مستل من التاريخ الميثولوجي، وإنما من داخل الإنسان الذي يعيش الاستثناء الآن. فالطوفان بمفهومه الثوري هو الانتفاض على الذات. ولعل التاريخ يقول بالانتقاء في موجودات السفينة تارة، والحفاظ على النوع تارة أُخرى. في الشعر يكون النداء إلى طوفان آخر، أي الثورة على الذات لتخليصها مما شابها من سلبيات:
يا من راهنت على أسوأ ما في الماضي
ها أنت تتعثر بجثث ضحاياه وجلاديه
أيها المفتون بما مضى
هل فكّرت بما يجيء به الغد؟
يا من أدمنت أفاعي البراري:
عليك بالطوفان ولو مرة واحدة

إن الموقف الشعري من مجريات ما يحدث، ينطلق ـ كما ذكرنا ـ من طبيعة الشعر كجنس يتعامل بالتكثيف ضمن كل مكوناته، ويدعو بذات مرهفة إلى الخلاص الذي تفرضه على الشاعر الذات الشعرية. والشاعر العلاق يجمع بين كونه شاعرا وصاحب رأي انعكس في شعره ومداولاته النثرية والبحثية والنقدية. ويأتي الآن ليضع مثابة مفعمة بمناخ الشعر وحيويته الدالة. وهو هنا لا يختار سوى مدينة تاريخية كانت حاضنة لملحمة إنسانية كبيرة. فتاريخها صنعته رؤى متعددة اجتمعت بتوافقها واختلافها. تاريخ مدينة ونماذج تتجدد حولها القراءة. والشاعر يُعيد مجده:
أوروك، هذا غثاء السيل
لا حجر ينمو، ولا طير يرتاد السماء..
لك الخيار:
أرض تعاني مثلما كرة
أو هذه وردة الطوفان متقدة

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية