حسين سليمان أنت أيها الصفر الفارغ، يا ‘صفر فارغ’ ـ سمع المنادي فهز كتفيه لأنه لا أحد حواليه يحمل هذا الاسم. سمع صوت المنادي حينما كان داخل بيته الخشبي. كان الصوت قد أتاه من النافذة، فتطلع منها، ثم خرج من باب منزله يقف في الفرندا وينظر نحو الرجل الذي ينادي ‘صفر فارغ’ ـ ثم ولأنه لم ينتبه – هز كتفيه لأنه لا أحد – وكان الصوت قد تحرر من الرجل المنادي وراح يتحرك في الشارع، صوتاً فقط، ويسرع حتى وكأنه يغيب خلف المنازل المجاورة.
ظن أن ما يسمعه هو مجرد صدى يتحرك.
من؟ سأل نفسه، حين أحس أنه وحيد مع الصوت، لعل الصوت فكرة! وهو ليس المنادى لأنه ليس ‘صفراً فارغاً’. كان هناك شبه صباح وشبه مساء معا، ويحس بذلك لأنه لم يدرك إن كان الوقت هو من أجل الصباح أو وقت من أجل المساء، هو وقت ما مختلط، حينما الظلمة التي تضيف طيفا آخر للوجود، تسكبه فيتخذ الفراغ معنى لظلمة تريد أن تأتي أو تذهب. بعد قليل أصبح المكان ليلا ثم أضواء كاشفة تتشتت نحوه من بعيد قادمة من بادية منعزلة.
اعتراه الخوف، وهو يرى كيف عثر الصوت ـ كأنه رجل يمشي – عبر مروره فوق ردمة تراب في الجانب المقابل لمنزله. الإنارة غير واضحة وهناك ردمة تراب في الطريق فعثرالصوت بها. وهو حين كان صغيرا في إحدى المرات كان هناك ليل مدلهم وسألته أمه ـ يتذكر، وقد تأخر أبوه عن العودة إلى المنزل فقلقت أمه وراحت تراقب الساعة التي اقتربت من منتصف الليل وتراقب الوجود المحتمل والمستقبل المدلهم الذي ستواجهه في حال عدم عودة زوجها، وإنهاك الأحاسيس بمعنى مواجهة موت رجلها أو ربما حدثت جريمة ما وراح ضحيتها، لا ثمة جريمة لكن ثمة عدم عودة، ولا يفهم سبب القلق الذي اعتراه ربما هو الخوف من الفقدان وعدم القدرة على حمل الحياة وحيدا من دون أبيه. الحياة في داخله ليست سوى حضور أب يحميه ويرعاه. وكان أن خرج باندفاع ذاتي غير مقدر يبحث عن أبيه وأمه تسأله: ‘أين ستجده في باطن المدينة النائمة؟’. ظلمة في كل مكان، وأمه ترفع صوتها نحوه أن يعود ثم لا يسمعها. يركض على الرصيف يبحث عنه وليس البحث هو ما يدفعه بل الجزع من غياب فكرة الأب التي اطمئن لها – استمرار وجود الأب إلى جانبه. وهنا يركض بما يملك من قوة نحو مركز المدينة ـ وسيعود من دون أن يلقاه، وسيسمع أباه حين يعود يقول لأمه غاضبا: ‘هل انا صغير حتى تبحثوا عني؟’. يركض ليس من أجل البحث بل من أجل إطلاق القوة القابعة في أعماقه لتحمله إلى العالم الآخر الذي أعطاه العهد في أن يبقى والده إلى جانبه. وكان هناك في طريقه ردمة تراب وسيعثر بها وهي عثرة ستحد من اندفاعه الذي لم يعهده من قبل- كأنه حين طار في الهواء قليلا وقبل أن يسقط على الأرض أدرك أن العالم الآخر سيفي بوعده وسيعيد والده. وهو الآن وهو يرى الصوت وكيف عثر امامه بردمة التراب تذكر تلك الواقعة ولم يتذكرها بمعنى طول السنين التي انقضت، والحادثة التي جرت، بل بمعنى ما ظل في أعماقه من وجود مطمئن ساكن وعهد معطى من عالم آخر لا يراه أمامه لكن يحسه قابعاً خلف ستر وحجب.
سيعود الآن ويتعرف على اسمه، اسمه – صفر فارغ، هكذا يدرك أن هذا الصوت الذي حسبه يجري في الخارج ويتعثر إنما هو صوته الداخلي العميق ـ يهز كتفيه: ‘هل أنا صفر فارغ؟’. ليس هو الاسم وما يحمله من معنى مباشر، بل هو الاسم الذي سيكتشف معناه الحقيقي إن هو مضى وتقدم.
الضيق من الصفر ومن الفراغ.
إن تذكر مقدار الخوف الذي اعتراه على تأخر والده: كانت أفكاره تجري بسرعة مئة ساعة، أفكار عصابية تخامره وخوف يحضر داخله ويقلقل أهدافه وينظر أمامه فلا يرى سوى العالم وكأنه حيوان وقد شق عن بطنه فيرى كيف هي أمعاء هذا العالم، سواد يتخلله ـ لأنه لا يرى الألوان إلا كما يرى ماء محيط حيث لا لون حقيقياً له ويتلون باللون المجاور ولهذا يحسب أن لون داخل العالم هو لونه هو. سيحاول أن يرى إلى ما وراء الخوف الذي اعتراه، في اضطراب الخوف فكر للحظات أن هذا الخوف هو خوف زائف لأنه يدرك في أعماقه أن أباه سيعود. هناك إيمان أقوى من الخوف الذي دخله كعاصفة، فما بعد الخوف شاطئ ترسو عنده السفينة، وخطر في ذهنه بعد أن عثر بردمة التراب وطار في الهواء أن الوقعة هذه هي وقعة الخوف على والده. العالم تغير في هنيهة واحدة وبدلا من الخوف على والده خاف على نفسه ونظر وهو يطير في الهواء نحو الخلف، إلى اللحظة التي خرج فيها من المنزل راكضا، وقدر له أثناء تحليقه اللحظي أن يرى العالم الآخر ويثق أن الأمور ستعود كما كانت أليفة مكررة معتادة، لا يستطيع أبدا أن يتصور فقدان والده في الليل. وخلفه كانت البيوت التي تركها وهو لا أمام أمامه سوى غابة كبيرة، شجر مدلهم وصوت سكون ورطوبة وخاف أن يدخل ـ البحث عن الوالد أخذ أكبر مما ظنه مجرد بحث. لن يتقدم أكثر مما تقدمه وسيعود.
لن يحث باطنه على الذكرى ـ نظر إلى الصوت الذي عثر بردمة التراب، وكان أن اعتراه خوف لا يدري سببه. هل سببه لأنه سمع اسما غريبا يطلقه أحدهم عليه ‘صفر فارغ’ ولم يسمع من قبل أحدا يناديه به؟ أم لأنه لم ير صاحب الصوت؟ هناك خوف ربما بسبب حضور غير مرئي لشيء يحسه في أعماقه، ونظر حواليه فوجد أنه وحيد، على حين غرة تذكر وحدته في المكان، لا أحد معه في هذا المنزل الذي يبدو وكأنه غير مديني أو أنه منزل في مدينة مهجورة لا يسكنها أحد غيره. كيف اتفق وكان وحده في هذا المكان؟ الظلام الذي ظنه غبشة صباح ـ كان الزمن يعود نحو قصد الليل، حتى لو كان الصباح فإن العجلة ستعود نحو الخلف، وتحول الطقس إلى ليل أو مساء مكتوم متعب لا شمس فيه. ولم يخط ُ بمعنى الخطو خارج المنزل، فحين سمع صوتا ينادي ‘صفر فارغ’ وكان في الغرفة لم يدرك نفسه إلا وهو في الخارج يراقب الصوت ويلاحقه. هناك خطوات خطاها لم تظهر له وغابت عنه وقد خطاها من الغرفة إلى خارج المنزل من دون وعيه بالعالم، خطاها وهو خارج العالم الذي يناديه، ربما لأن هناك شعورا عميقا بالوحدة والعزلة وحين سمع الصوت هب من مكانه فجأة ـ كي يتحد معه- لماذا، الصوت الذي هبط عليه من فوق ولم يكن صوتا بشريا بل جاء من أعماق مجهولة.
خمد الصوت في الخارج ولم يعد يظهر شارع أو حتى خارجٌ للمنزل، الآن من الداخل الصورة صامتة ومعذبة حين انطبع فيها فراغ الصفر والتسمية المجهولة التي هبطت نحوه. تفصيل المكان ـ غرفته – هناك سرير بالقرب منه وهو يستند على منصبه ويجلس على الأرض وينظر نحو الحائط يصارع شعور اللا أحد الذي دخل فيه وزعزع كيانه. أمام عينيه الحائط الذي لم يرفع إليه لوحة واحدة وجعله مساحة بيضاء لشاشة لم يسقط عليها شيء بعد. الصوت الذي خمد في الخارج ظل يهبط عليه وحين يصيخ السمع حيث لا أحد هناك، حيث لا صوت في الخارج، ليس سوى آلة السمع حين تهتز عقب سكون طويل تعيد ما حدث مرات ومرات، وهي الامواج التي تبقى تتوالد إثر أي نأمة وتخرج من باطن المياه ـ الرياح غير الثقيلة وصفيرها يطبع خطوات تنقلها. يهز أحيانا أغصان شجرة لم يحدد أين موقعها ـ عليّ أن أتحضر لليقظة والقيام، هكذا يقول لنفسه.
في طريقه إلى العمل، عليه أن يتناسى قصة الصفر الفارغ – طريقه المهجور الذي لم تمسه يد منذ سنين، يبدو له كأنه ساقية وقد مضى زمن على جفاف مياهها مملوءة بالمخلفات والردم ـ يخطو فيها، لا يخطو فيها، يتردد فوق تفاصيل المكان والذكريات التي يطؤها، ثمة قميص نسائي ابيض حائل اللون، مردوم قليلا، ما يشغله حين يراه شريطتا الكتف. متى كانت آخر مرة ارتدته صاحبة القميص ورفعت الشريطتين فوق كتفيها، وهو ينظر نحو نصفها العلوي وصفحة صدرها، وشعوره أن يعانقها، لكنه لا يفعل كي لا يتأخر؟ هناك المدة التي يملكها وعليه أن ينفقها في تغذية السير ليصل الى مكان العمل. وهو يتابع الخطو تذكر حلمتي حبيبته الواسعتين. كان سواد مضمر يغطي المكان ثم بياض مفاجئ يلم النهدين، وكانا ظاهرين من قميصها الشفاف، يقول لها كي تنتبه: ‘ ثمة صبية يحدقون في حلمتي نهديك لماذا لا تضعين حمالة تغطيهما؟’. ‘آه إنهم مجرد صبية، اطفال يعني يا حبيبي!’معالجة الطريق الطويل، لم ينتبه، سوف يصل في وقت لا يكون فيه لوصوله أي معنى.
إلا أن وما يهتم به الآخر من وصول لم يعد ذا أهمية ـ الوصول على الدقيقة، أي ـ الساعة الثامنة صباحا. كانت ساعة المنبه قد أشارت إلى يقظته فنظر نحوها ـ إنه وقت اليقظة أليس كذلك؟ وحين تشير الساعة إلى تلك الدقائق تجتازه أزمة طول الطريق ووعورته، التراب القديم الذي غمر قميصها ذا الحمالتين ولم يظهر منه سوى الشريطان الرفيعان اللذان كانا يحملانه بكتفيها. وهو انطباع الجمال حين يدخل البوح. في غرفة النوم يهبط الظلام، يلازمها جنبا الى جنب، يستلقي معها في السرير، ثم يتكلم بخفوت مضطرب آمن ـ الصوت القريب من الأعماق فمه فوق فمها ولا يدري من يتكلم ومن يستمع ـ طويل ويمشي بخفوت أيضا بقدمين لجسد معتل ـ يتذكر أنه جائع- ومريض، وهذا ما يحمله أحيانا على العودة. يغادر المنزل عند السابعة والنصف. الطريق طوله نصف ساعة، سيصل حتما عند الثامنة ويبدأ عمله.
طريق نصف الساعة يقضيه بين أحلام اليقظة وبين تيارات اللا وعي وتهاجمه من وقت إلى وقت ذكريات تحضر ثم تغيب، وينساها من دون أن ينسى الانطباع الذي ولدته ـ احاسيس تهوّم امامه، لا كلمات لها لكن في أعماقه ترجمة وتأويل ـ يعلم علم اليقين أن لغة البشر هي أدنى لغة إيصال ورثها عن أجداده.
يستطيع أن يعد على أصابعه عدد الكلمات التي يتكلمها كل يوم، على الأغلب تكون، ‘صباح الخير’ و’ كيف حالك؟’، ثم تصمت داخله الكلمات تحت قوة انطباع يتوالد داخله صاعدا على السطح كي تقوله تعابيره وإشارات سيميائية لا يدري كيف تتشكل في داخله، لكن يفهمها الطرف الآخر ويعتبرها لغة رمزية لا تخطئ ولو لمرة واحدة. ليس فيها النحو ولا التراكيب التي يكرهها. وهكذا فهو يؤمن أنه كتاب مفتوح ومقروء ويكفي أن ينظر الآخر الى عينيه وتعابير وجهه كي يحزر ما يدور في خلده.
وهو يسلك الطريق نفسه كل يوم، تتكرر أمامه الخطوات وتتكرر داخله إيقاعات الفكر. وتعود المشاهد مرة أخرى ومرة أخرى، كأن ما يحدث هو إعادة للألفة التي اختبرها مع المكان. قميصها الداخلي المردوم نصفه قد أمسى بني اللون وكلما يمر من قربه تعود ذكريات اللقاء بها. يقول في نفسه وهو يراه على الأرض: ‘هذا هو نصفي المفقود’. لم يسأل نفسه كيف جاء القميص إلى هنا، ويعترض طريقه كلما ذهب أو عاد من العمل، ولم يقف لمرة واحدة يتفقده إن كان بالفعل قميصاً أو رؤيا.
يدخل مبنى العمل. يغيب العالم وراءه. عالمه المتحرك الوحيد هو داخل البناء. هذا العالم يضع يده عليه فيتحرك، يرفع يده عنه فيقف، يقول له صباح الخير، همهمة الآلات الصغيرة التي تحيط به، هي قصص لا تاريخ لها، لا تاريخ للآلة، فهي نسبة، تجريد، حركة نقل.
أجهزة العمل الكبيرة والممتدة على طول البهو وصوتها الخافت الأنيق ما يجعله يعتبر!
دوما يرجع صوت الآلة إلى كلمة الله، فالآلة تتكلم كلام الله والاستماع إليها هو الطريق نحو إدراك الديمومة وصناعة معجزات الخلق. صوتها ليس همهمة غير مفهومة ـ نحن الذين لا نفهم ولا ندرك، إنه الصوت أو الهمهمة التي تقول. حين يقول الله ‘كن’ لا نسمعه لكننا نرى الخلق الذي تم. هذه هي الآلة التي يخطو الآن جانبها العملاقة التي هي شلالات قدرة لا يدري ما تقول لكن يرى ما تصنع، كيف قدر للإنسان الوصول إليها وتنظيم قيادتها؟!
يلقي التحية عليها، ‘صباح الخير أيتها الآلة’ ثم يصلي، يتكلم مع نفسه إلا أنه يتكلم معها، ويكون هو الآخر في همهمة متجانسة مع همهمتها التي تملأ الصالة.
ومن وقت إلى آخر تحضر امامه، يتذكر القميص فتنتفض داخله ذكرى لقائه الأخير، حين كانت أيام نهاية السنة، يقف وراء النافذة يراقب الثلج، لكن ليس الثلج الذي يهطل في الخارج بل هو الثلج الداخلي والذي لم تستطع إذابة برودته سواها، قالت له وهو يرتجف: ‘عليّ أن أتعرى وأنام فوقك وأنت ارفع الغطاء فوق جسدينا العاريين’. ويحضر في الحال دفء جسدها الذي لا يمكن وصفه، دفء طفل ـ الحرارة العافية، حين يكون جسدها مدفأة ذات لهب، الشعلة الزرقاء التي كانت تصنعها بلاد الشام تهزم الشتاء وايام الزمهرير.
ثم ينتبه، لا وجود للشتاء في هذه الصالة، ولا ثلج ولا شمس، مكاتب هندسية كبيرة مغلقة لا تتواصل مع النهار سوى بالساعة، ليس الظهر ولا العصر او صعود الشمس وأفولها. الساعة هي الساعة، الأعداد المقيتة التي تصنع يومه.
حين يدخل مبنى العمل ينظر نحو الشمس فيلمحها وهي في الشرق وتكون هناك، وستنتظره كي ينهي عمله لتذهب نحو الغرب.
ولا يقيم اعتبارا لموضعها في السماء فهي إضافة أخرى من إضافات الحياة التي اعتاد عليها، فإن غابت أوقدت الأنوار في داخل المبنى، وإن مالت وبردت أشعلت نيران المواقد، وإن شاطت وسخنت حُركت هواء المكيفات ـ الحياة، كما تعلم، لا شأن لنا بها في الخارج.
في ذلك اليوم الذي سمع فيه اسمه للمرة الأولى ‘صفر فارغ’ أحس من جانب خفي لا يريده، أن هذا الاسم هو حقيقة حياته كلها، هو حياته وليس فقط اسمه، لكن سيغيب هذا الإحساس تحت وطأة الأنا العليا التي تقاتل أشد قتال امام محبطات الحياة وامام المصير المكتوب كي تعيد كتابته من جديد بما يجعلها تبتهج وتعمر. وهكذا تتزين لنا الحياة ويتزين المستقبل بما يجعلنا نتابع الخطو على طريق الأمل الذي احيانا او كليا ليس سوى طريق ضياع في صحراء أو هو دوران في متاهة[email protected]