د. خالد سليمانالعنوان يثير السخرية، فهو يذكرني بعنوان فيلم عربي ركيك القصة والتمثيل والإخراج، ولكن بقدرة قادر بات هناك قضية فعلاً ارتبطت بالدكتورة رولا قواس، أستاذة الأدب الإنجليزي ودراسات المرأة، والعميدة السابقة لكلية اللغات الأجنبية في الجامعة الأردنية. بدأت القصة عندما أشرفت الدكتورة، في سياق تدريسها لمساق النظريات النسوية، على إخراج بعض طالباتها لفيلم وثائقي قصير لا يتجاوز بضع دقائق حول ظاهرة التحرش الجنسي، تم تحميله على موقع اليوتيوب، وبعد قرابة الشهرين على نشر الفيلم، يقرر رئيس الجامعة تنحية اثني عشر عميداً عن مناصبهم، من بينهم الدكتورة قواس، ليزعم البعض أن تنحية كل أولئك العمداء جاءت للتغطية على إقصاء الدكتورة قواس، انتقاماً منها لإشرافها على الفيلم الذي قيل إنه يسيء إلى سمعة الجامعة! هو منطق غريب وسخيف بالطبع، ويبدو من سابع المستحيلات أن يعمد رئيس الجامعة إلى الإقدام على افتعال تلك المعمعة الإدارية من أجل إبعاد أستاذة واحدة عن موقعها. ومن الجدير القول ان الدكتورة نفسها كانت قد صرحت بأن إجراء الرئيس هو مجرد إجراء إداري من حقه، ولا علاقة له بالفيلم. لذلك ليست هنك قضية في واقع الأمر ولا يحزنون، ولكن غفر الله للصحافة التي تجعل من الحبة قبة، وقبح الله وجه دكاكين الارتزاق المتخفية تحت ستار المجتمع المدني التي تتصيد في الماء العكر، وتحاول أن تستغل أي فرصة، بالحق أو الباطل، للنشاط واللطم والندب وتمرير أجنداتها المشبوهة. لكن القضية التي تناولها الفيلم، أي ظاهرة التحرش الجنسي، قضية مهمة فعلاً، وهي موجودة في كل مكان، في الجامعة وخارج الجامعة، قبل الفيلم المذكور وبعده، وطبعاً ليس بسببه. ولكننا في أحيان كثيرة ندس رؤوسنا في التراب ونحاول التكتم على مساوئنا، تكريساً لثقافة الحفاظ، ولو المظهري، على السمعة العطرة وتجنب كلام الناس، الذي يقدم كثيراً ويؤخر عند العرب. مقاربات كثيرة يمكن الحديث عنها في سياق السعي لمجابهة تلك الظاهرة، أهمها في زعمي المقاربة القانونية، بعد أن بتنا في زمن يخاف الناس فيه ولا ‘يختشون’ على رأي المثل، بحيث ينبغي تغليظ العقوبات ضد المتحرشين، بدلاً من التستر عليهم ومحاباتهم كما يجري في واقع الأمر، بل ومعاقبة الضحايا والتشهير بهم إذا ما تجرأوا على الشكوى.الحق أقول لكم إن التحرش الجنسي في الجامعات الأردنية والعربية، واسألوا من ضيّع في الجامعات عمره، بات ممارسة شائعة مألوفة على مختلف المستويات الأفقية والعامودية، فالطلاب يتحرشون بالطالبات، والطالبات يتحرشن بالطلاب، والأساتذة يتحرشون بالطالبات، والعكس صحيح أيضاً. وأجزم أن كل قارئ دخل الجامعة سيتذكر الآن الكثير من قصص التحرش التي تختزنها ذاكرته من أيام دراسته. وهذا أمر متوقع ولا يثير الاستغراب إن أردتم الحق، فالانهيار القيمي الذي عصف بالمجتمع العربي التائه طال كل الحقول، والجامعات من بينها، فعندما تشظت القيم الأكاديمية وبات الأساتذة يعينون ويرقّون ويبتعثون ويتسلمون المناصب تبعاً لرضى السلطات عنهم وليس تبعاً لإنجازاتهم البحثية والعلمية، وعندما أصبحت المقاعد الجامعية تباع وتشترى والطلبة يُقبَلون في المقام الأول لأصولهم ومناطقهم وإمكاناتهم المادية ووظائف آبائهم وليس لدرجاتهم وتحصيلهم؛ انهارت المعايير الأخلاقية والأكاديمية التي يمكن أن تشكل بعض الردع، وغدا من الطبيعي جداً أن ينشغل الجميع، طلبة وأساتذة، بالتسلية والتحرش ببعضهم البعض. وهنا أتعجب حقاً كيف لا يشيع التحرش الجنسي في جامعاتنا العربية، وهي في واقع الأمر أقرب إلى أن تكون مجرد متنزهات وحدائق، العلم فيها هو آخر ما يمكن أن يؤخذ على محمل الجد. فإذا ما قمت بجولة سريعة في إحدى جامعاتنا العربية، وكلها في الهم شرق، فستظن نفسك في أجواء عرض متواصل للأزياء يتم تحت الأشجار الغناء في الهواء الطلق، وستجد الكثير من الطلبة والطالبات يحاولون تمثيل مشاهد الحب العذري، وربما غير العذري أحياناً كثيرة، التي تعلموها من أفلام هوليوود وبوليوود ومصريود. وإذا ما اقتحمت مكاتب الأساتذة أنفسهم، فلا يندر أن تجد المشاهد نفسها تتكرر، وبصورة أكثر تطوراً واحترافاً. ودع عنك الحديث عما تشهده تلك الجامعات من سلسلة لا تنتهي من المشاجرات والمعارك المخزية التي يندى لها الجبين، لأسباب في منتهى الحمق والإسفاف، وكأنها تعبر عن أسوأ ما في المجتمع من قيم التصارع والسوقية والتعصب والابتذال.لقد بات من الممل الإشارة إلى عجز أي من الجامعات العربية عن إيجاد موطئ قدم ضمن قائمة أهم خمسمائة جامعة في العالم، ربما باستثناء جامعة خليجية واحدة، لا أستبعد تماماً أن تكون قد دفعت حفنة معتبرة من ملايين الدولارات لإلحاقها بمثل تلك القائمة. بالمناسبة، أتذكر فيما يخص الجامعة الأردنية، التي أثير حول سمعتها المصون اللغط، وهي الجامعة الأكبر والأهم والأقدم في الأردن، أن هناك أربعة آلاف جامعة على الأقل تسبقها في المرتبة العلمية حول العالم؛ ما يجعلني أتساءل ـ فيما لو صحت الأقاويل حول تضرر سمعة الجامعة بسبب الفيلم البائس ـ حول ما يمكن أن يؤذي سمعة الجامعة فعلاً، اتهامها بأنها تعاني من ظاهرة التحرش الجنسي، التي تشكل ظاهرة كونية لا يمكن إنكارها ويصعب التخلص منها لأسباب كثيرة، أم حلولها في ذيل جامعات العالم على مستوى المكانة العلمية!*أكاديمي عربي مقيم في كندا[email protected]