قضية الرسوم الدنماركية: الي اي منزلق؟!
صبحي غندورقضية الرسوم الدنماركية: الي اي منزلق؟! من حق المسلمين أينما كانوا ان يعترضوا وان يرفضوا وان يستنكروا الرسوم الكاريكاتورية التي نالت من شخص النبي الكريم، في صحيفة دنماركية مجهولة لا يقراها ربما احد خارج الدنمارك. لكن اتساءل كيف تحولت المسألة الي قضية اولي للعرب والمسلمين تستوجب صرخة: وااسلاماه . صحيح ان هذه الرسوم هي اساءة كبيرة لا يمكن السكوت عنها، فالمسلمون يرفضون الاساءة لانبياء الله كافة ولا يسمحون بتشخيصهم (وان جاء التشخيص بأبهي صورة) فكيف اذا طال استهزاء بالرسم خاتم النبيين، من وصفه القرآن بانه علي خلُقٍ عظيم ومن ارسله تعالي رحمة للعالمين .. الا ان هذه الرسوم رغم خطورتها، اولي ان تُدرك الاسباب وراءها، بالعقل لا العاطفة، والا نحقق لمفتعليها ردة الفعل العشوائية التي تخدم مراميهم، والا نسمح لهم التعامل معنا كشعوب يسهل جرها بالعاطفة وحدها الي ما لا يحمد عقباه في بلداننا وحيثما يتواجد العرب والمسلمون في بقاع العالم. فالاسلام دعوة لأمة الوسط والاعتدال، امة العقل التي اراد الله للانسانية بوجودها ان تبلغ قمة رشدها. ان التصرف العقلاني كان يستوجب من مسلمي الدنمارك اولاً ان يقاضوا الصحيفة قانونياً والا يكتفوا بطلب الاعتذار، وبان يرسلوا في شهر ايلول/سبتمبر الماضي حينما نشرت الصحيفة الرسوم المسيئة، سلسلة من المقالات موازية لعدد الرسوم، كرد علي مضمونها السياسي الذي تمحور كله حول ربط الاسلام بالارهاب، وبان يتم التعامل مع القضية بالاطارين الاعلامي والقانوني داخل الدنمارك، اعتماداً علي حق الرد علي اساءات طالت جالية اسلامية كبيرة في الدنمارك. هذا علي الاقل ما يفعله المسلمون في امريكا تجاه حالات من الاساءة والتشهير والتمييز في عدة وسائل اعلامية او علي لسان شخصيات امريكية فاعلة بالمجتمع الامريكي. فالرسوم الكاريكاتورية بصحيفة دنماركية هي غيض من فيض في تشويهٍ للاسلام حدث ويحدث في معظم بلدان العالم، خاصة بعد احداث ايلول/سبتمبر 2001. وكان من واجب الشخصيات الدينية والاعلامية، من عربية واسلامية، التي علا صوتها علي الفضائيات وبالشوارع وهي تحث المسلمين علي مزيد من الغضب والانفعال، ان تتوجه الي العرب والمسلمين بفضح غايات من هم وراء نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية وغيرها من الاساءات للاسلام والمسلمين، وبان تنبه عامة المسلمين الي الكمين او الفخ المنصوب لهم لخدمة جملة اهداف تريد فرز عالم اليوم بين شرق اسلامي موصوف بالارهاب و غرب مسيحي محكوم بالعلمانية والديمقراطية. غايات كتب عنها الكثير من مثقفي بلدان العالم الاسلامي منذ نهاية الاتحاد السوفييتي وافول عصر الشرق الشيوعي و الغرب الراسمالي . غايات لم تكن ابداً المصلحة الامريكية بعيدة عنها في ابقاء اوروبا تحت الجناح الامريكي رغم تصاعد موجة الاستقلالية الاوروبية، وكذلك المصلحة الاسرائيلية في جعل العرب والمسلمين العدو الجديد للغرب لتكون هناك ضرورة غربية بالحفاظ علي دعم اسرائيل ودورها في الشرق العربي والاسلامي. ايضاً، كان اولي بالحكومات العربية والاسلامية واصحاب المؤسسات التجارية الكبري علي امتداد العالم الاسلامي ان يخصصوا نسبة زهيدة جداً من اموالهم الطائلة لصالح عرض افضل للاسلام والعروبة في دول الغرب، والدفاع العقلاني فكرياً وثقافياً واعلامياً، عن الصورة المشوهة للعرب والمسلمين. اذ ما هي الحكمة من تأجيج مشاعر العداء بين بلدان العالم الاسلامي وباقي العالم، وهل ردود الفعل الانفعالية توقف الاساءات ام تعمقها وتزيدها وتنفع غايات اصحابها المعروفين والمجهولين؟ وهل كان المسلمون بحاجة الي كوفي عنان ليذكرهم بشكل غير مباشر بالقاعدة الاسلامية: الا تزر وازرة وزر أخري حينما طالب امين عام الامم المتحدة بضبط الانفعالات لانه لا يجوز معاقبة جماعة علي اخطاء افراد؟ هناك اساءات كبري تحصل علي ارض المنطقة العربية وبلدان العالم الاسلامي وتستحق صرخة الغضب والفعل السليم للتعامل معها.. فلماذا لا تستيقظ الهمم العربية والاسلامية علي قضايا واقعية علي ارضهم وفيها الكثير من الاساءة الي القيم والمبادئ الاسلامية التي جاءت بالقرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة؟ ولِم لا يكون احتلال القدس والمسجد الاقصي وكنيسة القيامة اشد ايلاماً علي المسلمين والمسيحيين في العالم من رسوم مبتذلة في صحيفة نكراء؟ ولماذا اصبحت صرخة الغضب ضد صحيفة دنماركية، لا مرجعية دينية او اخلاقية لها، منفذاً لطروحات طائفية ضد بعض المسيحيين العرب والانعكاس السلبي لذلك علي وحدة المجتمعات العربية والاسلامية؟ واذا ما اراد المسلمون والعرب معاقبة دولة ما علي مواقفها السلبية تجاه معتقداتهم وقضاياهم التحررية لِم لا يــــــكون الامر بمقاطعة بضائعها وايلامها في الجـــانب الاقتصادي الذي يؤلمها وليس بالتخريب والعنف والحرق وزيادة الطين بلة في اوضاع بلدانهم التي يسهل تأجيج الفتنة فيها بين اكثر من جانب وطرف وملة؟والي اين نذهب بانتقالنا الموسمي هذا من حال السبات والنوم الي حال الانفعال والغضب العشوائي؟ من وضع ماساوي في داخل بلداننا ممزوج بتسلط خارجي، الي انفعالات لا تميز بين عدو وصديق؟ وحينما نحارب، نحارب ونقاتل بعضنا البعض وننتصر علي بعضنا البعض. وكأن البلاد العربية والاسلامية قد فقدت البوصلة التي توجه حركة قياداتها، فاذا هي بمركب في بحر هائج تدفع به الرياح والامواج بينما طاقم السفينة مشغول بأموره الخاصة او عاجز عن القيادة السليمة!! اليس محزناً ان تبدأ حملة مقاطعة بعض البضائع الاوروبية في الفترة نفسها التي تزداد فيها نسبة تصدير البضائع الاسرائيلية لبعض الاسواق العربية ويرتفع العلم الاسرائيلي فيها في عواصم عربية واسلامية بينما تحتل اسرائيل مقدسات اسلامية؟! اليس مؤسفاً ان النرويج وحدها تقدم سنوياً للفلسطينيين في الاراضي المحتلة مبلغ 60 مليون دولار اي ما يعادل تقريباً ثلث ما تقدمه الدول العربية مجتمعة؟ وبان الاتحاد الاوروبي يدعم سنوياً المؤسسات الفلسطينية بمبلغ 600 مليون اي ثلاثة اضعاف دعم الدول العربية! لقد كان الاوروبيون يضغطون علي واشنطن لاجراء تسوية عادلة للصراع العربي ـ الاسرائيلي وتحديداً للمسألة الفلسطينية، وكانت معظم الدول الاوروبية قد شهدت مظاهرات شعبية ضخمة رافضة للحرب علي العراق. فأين هي المصلحة العربية والاسلامية من توسيع ساحة الخصوم وفي استعداء الاوروبيين عموماً وفي تحميل شعوب ودول الاتحاد الاوروبي مسؤولية عمل قذر قامت به صحيفة مجهولة بالدنمارك؟! اين المصلحة العربية والاسلامية في ردود فعل عشوائية كحرق سفارات وكنائس واعلام دول.. او انذارات وتهديدات لمنظمات وافراد اوروبيين يعملون اصلاً في الاراضي الفلسطينية المحتلة لصالح الشعب الفلسطيني؟! ولماذا نكرر خطأ ردود الافعال الذي حدث عام 1989 بعد صدور الكتاب التافه اشعار شيطانية لسلمان رشدي حيث اعطت ردود الافعال آنذاك دعاية كبيرة لكتاب سخيف رديء وجعلت من مؤلفه البذيء المجهول بطلاً لحرية الكلمة في دول اوروبا عموماً؟ لا شك ان في كتاب اشعار شيطانية في السابق، وبالرسوم الكاريكاتورية الآن، اساءات لا تغتفر بحق الاسلام والنبي محمد (صلي الله عليه وسلم) وكل المسلمين اينما كان، لكن هل هناك من مصلحة اسلامية في الترويج والدعاية لهذه الاساءات؟! اليس من الافضل حصر التعامل مع هذه الظواهر المسيئة في اماكنها ومن خلال توظيف قوانين حرية الراي والكلمة، وبواسطة ابناء البلد انفسهم من عرب ومسلمين واصدقاء محليين؟! الم يكن من الافضل توظيف المبلغ الذي خصصته ايران عام 1989 لقتل سلمان رشدي (مليون دولار) في طباعة منشورات تُعرِف بالاسلام في دول اوروبا ولا تجعل المسلمين موضع اتهام بالقتل والارهاب؟! ولماذا هذا التناقض المفتعل بين الاسلام وحرية الكلمة والمعتقد؟ الم يعاصر النبي الكريم ( عليه الصلاة والسلام) من اتهموه بالكذب والجنون! القرآن الكريم يردد لنا في اكثر من سورة ما افتري به الكفار علي الانبياء عموماً من صفات وادعاءات: (وعجبوا ان جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) (سورة ص ـ الآية 4).( انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون. ويقولون ائنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) (سورة الصافات ـ الآيتان 35و36).فكيف كانت سيرة الرسول الاعظم مع من ناقضه بل وافتري عليه بسوء الاوصاف؟ ثم الا نتعظ بالمنهج القرآني الذي يستخدم المنطق ـ لا الدعوة للعنف ـ في الرد علي كل الافتراءات بحق الله سبحانه وتعالي وبحق الانبياء والمرسلين؟ ان القليل من الفعل السليم خير من انفعال كبير. وهذا ما تحتاجه الآن شعوب البلاد العربية والاسلامية في تعاملها ليس فقط مع ظاهرة الاساءات الاعلامية المغرضة في الغرب، بل ايضاً مع مشاكلها واوضاعها الداخلية المهددة بالفرز والتفكك والانشطار الطائفي والمذهبي. واذا كان العرب والمسلمون لا يجدون فعلاً مصلحة في المقولة الامريكية/الاسرائيلية التي ظهرت في مطلع التسعينات من القرن الماضي عن صراع الحضارات و الخطر الارهابي القادم من الشرق الاسلامي ، فان ابسط الامور الآن هي عدم الوقوع في فخ الكمائن المنصوبة لهم علي اكثر من ساحة. ولعل الفضائيات العربية معنية اكثر من غيرها الآن بعدم تحويل دورها الي خادم عن غير قصد لمن يروجون لطروحات التطرف وتأجيج المشاعر السلبية، تحت حجة حرية الراي ايضاً، حتي لا تكون بذلك مساهمة في تنفيذ اجندة من يتم التظاهر ضدهم في الشوارع من اعداء الاسلام والعروبة!!!ہ مدير مركز الحوار العربي في واشنطن [email protected]