قضية خاشقي تحمل تغييرات جيوسياسية لصالح تركيا وإيران وضد السعودية

د.حسين مجدوبي
حجم الخط
2

يجري التركيز كثيرا على الشق الجنائي في ملف اغتيال الصحافي جمال خاشقجي ومدى تورط ولي العهد محمد بن سلمان في هذه الجريمة البشعة، لكن الجريمة تحمل معها تطورات جيوسياسية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وعنوانها البارز نهاية حلم السعودية في تزعم العالم السني للتحول إلى قوة مركزية أو التحدث باسم السنة في مواجهة إيران الشيعية، وفي المقابل تترك المجال لتركيا.

وكيفما كانت الخلاصة النهائية للتحقيق الجنائي في هذا الملف سواء بتبرئة ولي العهد أو اتهامه رسميا، ستتحمل السعودية النتائج الجيوسياسية لمقتل الصحافي خاشقجي ما سينعكس بل وبدأ ينعكس على مكانتها العربية والدولية. فقد أصبحت مرادفا للدولة المارقة التي لا تحترم الحد الأدنى للقانون الدولي بعد ارتكاب الجريمة في مقر بعثة دبلوماسية.

هذه الجريمة السياسية التي تتحملها السعودية ستزيد من ضعفها في العالم العربي والإسلامي بل وتقضي على أي حلم لريادة الصف السني في العالم. في هذا الصدد، أراد ولي العهد محمد بن سلمان من خلال الكثير من الإجراءات تقديم السعودية بمثابة زعيمة العالم السني، واختصر ذلك في نقطة واحدة وهي مواجهة إيران الشيعية. وإذا كانت الرياض دائما تستعمل حشد العالم العربي والإسلامي لمواجهة إيران في الماضي، فقد نهجت هذه الاستراتيجية بنوع من الاحتراس في أغلب الأحيان، لكن مع وصول ولي العهد أراد الرفع من مستوى إيقاع المواجهة المباشرة والمفتوحة. في هذا الصدد، أقدم على محاولة غزو اليمن لوضع حد للحوثيين خوفا من تحول اليمن إلى ساحة إيرانية كما تحول العراق. في الوقت ذاته، سارع إلى مبادرات عسكرية منها تأسيس دفاع للعالم الإسلامي ثم محاولة تأسيس حلف أطلسي عربي “ناتو عربي”، وهي مبادرات فاشلة قبل انتقالها إلى التنفيذ.

لكن جريمة اغتيال خاشقجي وضعت حدا لحلم بن سلمان في ريادة العالم الإسلامي بل حتى العربي. عربيا، بدأت عدد من الدول بما فيها الملكية مثل قطر والأردن ومسقط عمان والكويت بل حتى المغرب ترتاب في المخططات السعودية بسبب الطموحات الطائشة لولي العهد محمد بن سلمان. ولهذا، أخذت هذه الدول مسافة من سياسة الرياض. وبقيت دولة الإمارات العربية ودولة البحرين في فلك السعودية، بينما مصر تتقرب من الرياض ليس حبا في ترك الزعامة لهذا البلد بل فقط رغبة من السيسي في الحصول على مساعدات مالية لمواجهة الأزمة الاجتماعية التي تهدد استمراره.

وتعمل جريمة خاشقجي على تسريع تدهور مكانة العربية السعودية لصالح دولة تركيا التي ترغب في الزعامة الإقليمية في الشرق الأوسط بل وريادة العالم العربي-الإسلامي وليس بالضرورة انطلاقا من العامل الإسلامي فقط في استحضار للماضي العثماني كما يذهب الإعلام الموالي للسعودية، بل بمزيج من العوامل وعلى رأسها التاريخ المشترك والقوة العسكرية وأساسا الاقتصادية.

وهذا ما يفسر لماذا في ظرف سنتين تحولت تركيا إلى شريك عسكري لثلاث دول عربية وهي قطر والسودان والكويت. وإذا كان السودان يبحث عن شريك رئيسي شامل اقتصاديا وعسكريا بعدما خسر الكثير في تحالفاته غير المستقرة مع إيران ثم السعودية، يبقى هاجس قطر والكويت عسكريا محضا في مواجهة سياسة الرياض مع تولي محمد بن سلمان البث في القرارات النهائية في الرياض بدل أبيه الملك سلمان. وهكذا، لم تعد السعودية محاطة فقط بالسياسة التوسعية التي تنهجها إيران بثبات والتي تعود لها الكلمة الأخيرة في العراق ونسبيا في سوريا وسائرة في تعزيز قوة حضورها في اليمن، بل تعاني الرياض الآن من توسع نفوذ تركيا في العالم العربي. ولهذا، لا يمكن استبعاد تنسيق أردني قوي مع تركيا وتراجع التنسيق مع السعودية.

يحلم الرئيس طيب رجب اردوغان باستعادة قوة تركيا في محيطها والساحة الدولية، وقد قدم له الأمير محمد بن سلمان من خلال اغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر الماضي فرصة تاريخية للريادة. ولا تنتقم تركيا لشرفها بسبب استباحة السعودية لأراضيها من خلال هذه الجريمة بل تستغل الجريمة لتبخيس وتقليل مكانة السعودية في الخريطة الدولية، ولهذا هي عازمة على تدويل قضية خاشقجي مهما دافع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن محمد بن سلمان.

وإذا كان الرئيس ترامب يرغب في إنقاذ محمد بن سلمان بسبب فهمه الخاص للعلاقات الدولية حيث يتناقض وشعار الولايات المتحدة القائم على المصالح بين الدول وليس الاعتماد على الأشخاص، فهو في المقابل يوجه ضربة خطيرة إلى السعودية. فقد كشف ترامب عن الدور الكبير الذي تلعبه السعودية لصالح إسرائيل وكيف جنبتها عددا من المشاكل في الشرق الأوسط. وهذا التصريح الذي لم تنفه السعودية يقوم على حقائق كبيرة تتجلى في خدمات استراتيجية قامت بها الرياض لصالح إسرائيل.

في هذا الصدد، مراجعة للكثير من القرارات التي أشرفت عليها السعودية تبرز بشكل جلي تصريح ترامب، هذا الأخير الذي يتحدث، بدون شك، انطلاقا من الشروحات التي توصل بها من إسرائيل. وهذه القرارات التي اتخذتها السعودية لصالح إسرائيل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر هي:

– تجريم الجامعة العربية لحزب الله ووصفه بالإرهابي، وهو حلم راود إسرائيل منذ فترة، حيث ترى كيف جعلت الرياض القوة العسكرية الوحيدة التي تحولت إلى قوة رادعة لإسرائيل وعلى حدودها إلى تنظيم إرهابي.

– المساهمة في تجريم حركة حماس والتضييق المالي عليها من خلال قرارات متعددة ماليا وسياسيا حتى يبقى قرار القضية الفلسطينية في يد منظمة التحرير وحدها.

– تمويل الثورة المضادة للربيع العربي الذي كانت تخشاه إسرائيل لإدراكها أن الأمر سيختلف في حالة تولي الشعوب العربية اتخاذ قرارات تؤمن بها ومنها مواجهة التطبيع مع إسرائيل، ولعل الحالة التونسية التي نجحت فيها ثورة الياسمين خير دليل.

– تولي الإعلام الممول سعوديا تجميل وجه إسرائيل في العالم العربي، وهي مهمة فشلت فيها إسرائيل طيلة العقود الأخيرة، ولكن الآن يأتي من طرف سلطات تشرف على مكة والمدينة، وهو أمر دال ورمزي للغاية للدولة اليهودية.

– احتمال جعل السعودية قاعدة مفتوحة لإسرائيل في أي حرب بين إيران وإسرائيل، وهو معطى واقعي أكثر منه فرضية بحكم ترويج إعلاميين مقربين من السلطة لهذا المعطى.

لا يمكن للسعودية في ظل ولي العهد محمد بن سلمان أو توليه العرش (وهي مهمة شبه مستحيلة) تحويل هذا البلد إلى قوة رائدة للعالم العربي والإسلامي السني، بل ستكون المهمة صعبة حتى في حالة حدوث تغيير في القيادة السعودية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية