الناصرة- “القدس العربي”: في ظل تفاعل قضية شركة العلاقات العامة التي تلقت أموالا قطرية، انتقل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من الدفاع إلى الهجوم على معارضيه وعلى مؤسسات “الدولة العميقة” مجددًا، عارضًا نفسه كضحية لملاحقتها له، بغية إسقاط رئيس حكومة منتخب ينتمي لليمين الصهيوني.
في آخر هجماته، عدّد نتنياهو، ليلة أمس، في منشور على منصة “إكس”، الفضائح التي نُسبت إليه منذ اعتلى سدة الحكم عام 1996، والتي تبيّن لاحقًا أنها “فارغة وكاذبة”، وباتت ملفات مغلقة، لكنه كالعادة يكذب ويحرّف الحقائق، فبعض هذه الملفات ما زال مفتوحاً، كقضية السماح لألمانيا ببيع غواصات للجيش المصري خلال فترة حكم الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وبعضها انتهى بتقديم لوائح اتهام ضده.
بن كاسبيت: نتنياهو ليس مؤهلًا لأن يكون رئيس وزراء، بل هو غير مؤهل حتى لإدارة دكان خضراوات
ومنذ الكشف عنها، قبل عدة أسابيع، بلغت قضية شركة العلاقات العامة ذروة جديدة أمس، حينما رفعت محكمة إسرائيلية حظر النشر عنها، وأظهرت شبهات كثيرة تفيد بأن عددًا من مستشاري نتنياهو يعملون أيضًا وفق توجيهات الدوحة من خلال شركة علاقات عامة أمريكية يملكها جي فوتليك. وفي هذا السياق، أعلنت شرطة الاحتلال عن نيّتها التوجه للشرطة الدولية (الإنتربول) من أجل اعتقال مستشار آخر لنتنياهو هرب إلى صربيا، ويرفض العودة إلى البلاد والخضوع للتحقيق حول دوره في قضية الشركة الأمريكية، فيما يرجّح مراقبون وخبراء محليون أن اليومين القادمين سيكونان حاسمين في هذه القضية.
وبعدما مدّدت المحكمة اعتقال ثلاثة من مستشاري نتنياهو لثلاثة أيام، تبيّن أنهم، طبقًا للشبهات المطروحة في المحكمة الإسرائيلية، قد غذّوا صحافيين إسرائيليين برسائل تُبرز تغطيات إيجابية عن الدوحة ودورها كدولة وسيطة بين إسرائيل و”حماس”.
وبموجب هذه التسريبات والمعطيات، فقد تورّط مستشارو نتنياهو في عدة مخالفات خطيرة، حيث تنسب إليهم شبهة تضليل صحافيين إسرائيليين بتزويدهم بمعلومات باسم “مصدر سياسي”، وهو مصطلح سياسي-إعلامي إسرائيلي يعني رئيس الحكومة، أو من ينوب عنه، ما يعني أنهم قدّموا معلومات للإعلام العبري، وعبره للإسرائيليين وكأن مصدرها إسرائيلي، وهي عمليًا من شركة العلاقات العامة التي حصلت عليها من قطر.
ويقول عددٌ من المراقبين الإسرائيليين أن قطر بادرت إلى هذا الاختراق الخطير لديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية في الثامن من أكتوبر 2023، بعدما تعرّضت لحملات إسرائيلية ويهودية عالمية شرسة تتهمها برعاية ودعم “حماس” ومنحها الحضانة والحصانة. وضمن هذه المزاعم الإسرائيلية، فإن المستشارين عملوا أيضًا على إبراز دور قطر في المفاوضات مقابل شريكتها مصر، علاوة على تزويد الجانب القطري بمعلومات سرية من اجتماعات “الكابنيت” في مكتب نتنياهو، وهو أمر يُعدّ أكثر خطورة وحساسية بالنسبة للجانب الإسرائيلي، خاصة أن مستشاري نتنياهو قد تلقّوا مقابل ذلك أجرًا ماليًا عبر شركة أمريكية.
وردًا على سؤال المحققين حول هذا الملف، قال نتنياهو إنه لم يكن على علم بما نُشر. وسارعت المعارضة إلى السخرية منه بقولها، ما معناه: “إن كنت تدري بأن مستشاريك يحصلون على أموال قطرية مقابل تغطيات وتسريبات، فهذه مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم، لأن ذلك يعني فقدانك السيطرة حتى على مكتبك”، كما جاء على لسان رئيس المعارضة يائير لبيد وغيره في تصريحات إعلامية.
حتى عندما تنتهي القضية والشبهات بعدم تقديم لائحة اتهام ضد مستشاري نتنياهو أو ضده شخصيا، فإن الحالة تبقى صعبة جماهيريًا، وإن انتهت قانونيًا. وفي مثل هذه القضية، التي بات مؤكدًا وثابتًا منذ الآن أن مستشاري رئيس حكومة الاحتلال عملوا بتوجيهات من شركة العلاقات العامة، ستتضرر صورة ومكانة وهيبة نتنياهو، لا سيّما أنها تتزامن مع قضايا أخرى متشابكة، مثل إقالة رئيس “الشاباك” رونين بار، في ذروة تحقيق في قضية شركة العلاقات العامة، وكذلك التراجع عن تسمية خليفته إيلي شارفيط، وكل ذلك لأسباب تبدو غير موضوعية، تحركها حسابات شخصية، إذ يظهر نتنياهو الآن كمن يبحث عن موظفين كبار يكون ولاؤهم له، “للملك لا للمملكة”. وهذا جوهر انتقادات الصحافية والنائبة السابقة عن حزب “العمل” شيلي يحيموفيتش، التي نشرت مقالًا في صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، أشارت فيه إلى أنه “في نظام ديمقراطي، لا يحق للمحقق معه أن يقيل المحقق”.
شيلي يحيموفيتش: في نظام ديمقراطي، لا يحق للمحقق معه أن يقيل المحقق
يرى المحلل البارز في “يديعوت أحرونوت”، آفي سخاروف، اليوم الأربعاء، أن نتنياهو غير مؤهل للحكم، ويشير، بحق، إلى أن تفاعلات الأيام الأخيرة (قضية شركة العلاقات العامة، والتراجع عن تسمية خليفة لرونين بار) تدلل على خطورة محاولة إقالة بار على إسرائيل. ويرى سخاروف أن القصة ليست هوية خليفة بار، بل هي مسألة من يعيّن، وهو غير مؤهل لفعل ذلك، فاعتباراته ليست موضوعية.
وهذا ما يؤكده المحلل السياسي البارز في القناة 12 العبرية، بن كاسبيت، الذي يقول إنه، منذ سنوات، يزعم أن نتنياهو غير مؤهل ليكون حاكمًا.
وعلى خلفية ما ذُكر أعلاه، يتابع بن كاسبيت قائلًا: “نتنياهو ليس مؤهلًا لأن يكون رئيس وزراء، بل هو غير مؤهل حتى لإدارة دكان خضراوات”. هذا ما يستنتج من فضيحة تسمية خليفة بار، إيلي شارفيط، الذي أعلن عنه نتنياهو، وقال إنه اختاره بعد مقابلة سبعة مرشحين، لكنه بعد ساعات تراجع عن ذلك، وألحق الضرر بهيبة شارفيط، رغم كونه قائد سلاح البحرية وله امتيازات كثيرة”.
في المقابل، تواصل وسائل إعلام عبرية، على رأسها القناة 14، التي تُعتبر من أبواق نتنياهو، الزعم بأنه يتعرض لـ “صيد ساحرات” وملاحقة تهدف إلى إسقاطه.