قضية مبعدي كنيسة المهد: عشر سنوات من الإبعاد والإهمال
27 - December - 2013
حجم الخط
0
عندما تتناول قضية ما من منظور بحثي فإنك قد تكتشف قضايا وأحداثا لم يكشف عنها الاعلام، وهذا ما حصل معي ترافقني زميلتي د. نادية ابو زاهر عندما قدمنا بحثاً بعنوان السياسة الاسرائيلية تجاه ابعاد الفلسطينيين: مبعدو كنيسة المهد نموذجاً، فقد لامست واقعاً تفاوضياً مريراً، لا يأخذ بالاعتبار قيمة الإنسان الفلسطيني، ولا حتى تضحياته، وهذا ما حصل بالضبط مع مجموعة من مناضلي بيت لحم، التي احتجزتهم دبابات الاحتلال خلال عملية السور الواقي عام 2002ميلادي، داخل كنيسة المهد، دون أن تراعي اسرائيل حرمتها وقداستها، فمنعت الكنيسة لأول مرة بالتاريخ من أن تقرع أجراسها، وقتلت قوات الاحتلال قارع أجراسها. بدأت الحكاية مع اشتداد الحصار الصهيوني على مقر الرئيس الراحل ياسرعرفات، وزيادة وتيرة الاعتداءات الصهيونية في العديد من محافظات الضفة الغربية أثناء عملية السور الواقي، وكانت بيت لحم وكنيسة المهد قلب الاحداث، حيث لجأ أكثر من مائتي مواطن من مدينة بيت لحم للاحتماء بكنيسة المهد، مهد المسيح عليه السلام. بدأت الاتصالات الدولية تنهال على الرئيس المحاصر بمقر المقاطعة ياسر عرفات، وكانت الفاتيكان من أكثر الدول التي ضغطت على السلطة الفلسطينية لخصوصيتها الدينية، حتى أوفد الرئيس عرفات وفداً رفيعاً للتفاوض مع اسرائيل برئاسة عضو المجلس التشريعي صلاح التعمري، وخاض التعمري ومن معه مفاوضات معقدة وشاقة مع الجانب الاسرائيلي، ولكن السلطة الفلسطينية كعادتها فتحت قناة سرية بالقدس للتفاوض مع الاسرائيليين حول أزمة كنيسة المهد، وكان يمثل السلطة في مفاوضات القدس محمد رشيد أو ما يعرف بــ (خالد سلام)، وقد اعترف رشيد بمسؤوليته الكاملة عن صفقة مبعدي كنيسة المهد في برنامج الذاكرة السياسية الذي بثته قناة العربية، ولكن المبعد مازن حسين وهو أحد كوادر حركة فتح أكد لي بوجود قائد الامن الوقائي محمد دحلان ضمن قناة التفاوض السرية بالقدس- لم نستطع تأكيد أو نفي المعلومة – وتوصلت القناة التفاوضية بالقدس لاتفاق شفوي مع الاسرائيليين وبرعاية أمريكية وأوروبية يقضي بابعاد 39 شاباً من الضفة الغربية إلى قطاع غزة وخارج فلسطين، وحسب ما علمه المبعدون بأن مدة الابعاد ستكون من عام إلى عامين، هذا الاتفاق لم تعلم به القناة التفاوضية الرسمية برئاسة التعمري، وقد علم صلاح التعمري بنتائج ما توصلت اليه القناة السرية من خلال الوفد الصهيوني المفاوض، وهذا دفع صلاح التعمري والوفد المرافق له لتقديم استقالتهما للرئيس الراحل ياسر عرفات. الغريب أيضاً أن كبير المفاوضين الفلسطينيين الدكتور صائب عريقات أكد لي شخصياً بأنه حتى اللحظة لا يعلم شيئاً عن الاتفاق ولا عن موقّعيه، ولكنه في نفس الوقت وعد بأن يضع ملف مبعدي كنيسة المهد على جدول أولويات السلطة الفلسطينية في المرحلة المقبلة. ولكن الاستنتاج الذي يحتاج لمزيد من الدراسات والتحقيقات الصحافية هو ارتباط الصفقة بحصار مقر المقاطعة، ومستقبل المتواجدين بجوار الرئيس ياسر عرفات وابرزهم المتهمين بقتل الوزير رحبعام زئيفي، فهل للصفقة دور في تسليم خلية قتل الوزير المتطرف رحبعام زئيفي ومنهم الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات؟ هذا السؤال يبقى مثار بحث وتحر حتى يتم اثبات أو نفي ذلك. ونعود للقضية السياسية الانسانية وهي قضية مبعدي كنيسة المهد، والتي مضى أكثر من عشر سنوات على ابعادهم، وما زالوا يتجرعون مرارة الابعاد، والعالم لا يلتفت إليهم والسلطة الفلسطينية اهملت ملفهم وكنيسة المهد تقرع أجراسها وكأنها تطوي عاماً بعد عام، وكأن القدر ينتظر عودة هؤلاء بتابوت الموت تضامناً مع زميلهم الشهيد عبد الله داوود الذي عاد من الجزائر محمولاً بتابوته على الأكتاف. حسام الدجني