قضية مفقودي الحرب في لبنان تنتظر البرلمان لكن الشكوك بطي الصفحة حاضرة

حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: كلّما نشبت حربٌ، كان هناك مخطوفون ومفقودون. وحين تضع الحرب أوزارها، يلتفت الناس مِن حولهم سائلين: أين الأحبّة وماذا حلّ بهم؟ هذا هو حال لبنان منذ انتهاء حربه الأهلية في العام 1990، والتي تُعتبر حرباً بدائية بالمقارنة مع حروب العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها من الدول التي تحوّلت إلى ساحات صراع دموية خارج أطر الحروب الكلاسيكية ومعايير القوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية.

ساحات تسيطر عليها تارة الميليشيات والحركات الثورية والتنظيمات المحلية أو العابرة للقارات، وطوراً قوات نظامية وغير نظامية، تتقدّم حيناً وتتقهقر أحياناً. تلك الساحات تحوّلت إلى مراكز اختبار لكل شيء، للأسلحة ومدى فاعليتها، للأفكار وقدرة تأثيرها، للتطهير العرقي والديني والمذهبي والمناطقي وآثاره، وإلى مختبرات “سوسيولوجية” و “سيكولوجية” و “بيولوجية” وربما أكثر. ولكن ماذا سيحصل غداً؟ لبنان الذي عاش 15 سنة من الحرب، وبعد مرور 28 سنة على دخوله النظري حيّز السلام، لا يزال يصطدم بمشكلة المخطوفين والمفقودين، فكيف ستكون عليه حال الآخرين؟

مصوغات الهروب من المقاربة الجدّية لهذا الملف من قبل الدولة اللبنانية، استندت حيناً إلى ذريعة “اللاأولوية”، وحيناً آخر إلى ضرورات عدم نكء جراح الماضي، نتيجة اقتناع صائب في حقيقة الأمر، بأن المجتمع لا يزال هشاً، ولم تتصالح ناسه مع ذاتها ومع الآخرين بما يؤول فعلياً إلى بناء سلام دائم. فالمصالحة الوطنية التي تُشكّل أساس إعادة بناء المجتمعات الخارجة من التقاتل، اتسمت بالسطحية ولم تؤسس بشكل علمي إلى ترسيخ مفاهيم السلام وتأمين متطلباتها.

ثمّة مَن يعتبر أن الثغرة الأساسية انطلقت من خلو “وثيقة الوفاق الوطني” التي أنهت الحرب، والتي عُرفت بـ “اتفاق الطائف”، من أية إشارة إلى مصير المفقودين. فبسط سلطة الدولة اللبنانية بدأ بحل المليشيات عام 1991، تبعها إعلان عفو عام عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب، وكأنه فعلياً إقفال لقضية المفقودين في زمن سيطرة الميليشيات الذي اتّسم بالخطف والتصفية على الهوية، حتى أن الأجهزة الأمنية خرجت عن ممارستها لأصول القانون، إذ لم يكن كشف مصير المفقودين هماً وطنياً لها، وكانت رسالتها إلى أهالي المخطوفين والمفقودين أن عليهم أن ينسوا أحبتهم!

كان من المتوقع أن تُنسى هذه القضية مع مرور الزمن، لكن إصرار بعض الأهالي على عدم موت قضيتهم أبقاها حيّة. ورغم الصعوبات والعثرات والتعقيدات لم ينكفئوا أو يتراجعوا، وإنْ كان أصابهم، في كثير من الأحيان، شعور بالإحباط وغياب الأمل.

في العودة إلى حقبة الحرب، فإن غالبية عمليات الخطف حصلت في بداية الحرب بين عامي 1975 – 1976، وعامي 1981 – 1986، لا سيما وأن تلك المرحلة شهدت محطات عدّة، منها الاجتياح الإسرائيلي، ومجازر صبرا وشاتيلا، وخروج “منظمة التحرير الفلسطينية” وهزيمة حلفائها في الداخل، مع ما حمله ذلك من عمليات خطف وتصفية على يد الأجهزة التي دخلت المنطقة الغربية من بيروت ذات الأغلبية الإسلامية.

نداء إذاعي استثار الهِمَمْ

في العام 1982 اختُطف القيادي في “منظمة العمل الشيوعي” عدنان حلواني من منزله في منطقة رأس النبع البيروتية. كان يمكن لزوجته وداد أن تبقى صامتة بعدما استفاقت على هول الصدمة، إلا أنها قررت رفع الصوت. أطلقت نداءً عبر الإذاعة يدعو إلى تجمّع الأهالي الذين يعيشون وضعاً مشابهاً لوضعها، فتجمّع على إثره مئات الأشخاص، غالبيتهم من النساء. بعد زيارة وفد منهم لرئيس الوزراء، قرروا تأسيس “لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين في لبنان” بتاريخ 20 تشرين أول/أكتوبر 1982. كان ذلك في المنطقة الغربية، فيما تأسس تجمّع مُشابه في المنطقة الشرقية (ذات الغالبية المسيحية). “المصابون” هم من كل الطوائف والمذاهب والمناطق. الحرب فرزتهم في البداية لكنها جمعتهم بمجرد انتهائها حين التقوا في المنطقة المحايدة بين شطري العاصمة، مندمجين في إطار واحد بعيداً عن أية اعتبارات مذهبية ليحملوا، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، قضيّة المفقودين والمخفيين قسراً خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) على مختلف الأراضي اللبنانية. ولتغطي مساحة أوسع نسّقت مع “لجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين” (سوليد) التي أنشأها غازي عاد والتي كان تركيزها على المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. عاد الذي الذي أقعده حادث سير أليم وهو في ريعان شبابه، حمل همّ “سوليد” طويلاً، لكن الموت نال منه قبل أن يشهد ولادة حل لهذه القضية.

عارضت “اللجنة” في العام 1995 إبّان حكومة الرئيس رفيق الحريري صدور قانون “الأصول الواجب اتباعها لإثبات وفاة المفقودين”، وهو قانون يقضي بالسماح للأهالي بإشهار وفاة المخطوف في المحاكم الروحية، وطالبت بتأسيس لجنة رسمية للتحقيق، لتطوّر لاحقاً عملها بالتعاون مع جمعيات أخرى وعبر القيام بحملات توعية وطنية، ولتضيف إلى مطلب تأسيس لجنة التحقيق، مطلبين آخرين هما: تبني نظام حماية اجتماعية لأهالي المفقودين، وإعلان يوم وطني من أجل “التذَكّر”.

كان أن تحقق مطلب “تأليف لجنة التحقيق الرسمية” بهدف تبيان مصير المفقودين، إبّان حكومة الرئيس سليم الحص، فدعمتها لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين، وزوّدتها بالمعلومات التي جمعتها عن المفقودين. وحين أعلنت “لجنة التحقيق الحكومية” بعد ستة أشهر من التحقيقات، وفاة كافة المفقودين الذين مضى على اختفائهم أكثر من أربع سنوات والذين لم يتم العثور على جثثهم، قبلت لجنة الأهالي بنتائج التقرير، الذي من شأنه أن يحلّ بُعداً قانونياً لدى الأهالي الذين واجهوا الكثير من المشاكل الإدارية والإرثية فوق مصابهم. لكنها واصلت عملها من أجل تحقيق المطلبين الآخرين.

وما لم يكن في حسبان السلطات اللبنانية يومها أن يقوم النظام السوري بإطلاق سراح 54 سجيناً لبنانياً في كانون أول/ديسمبر 2000 كانت لجنة التحقيق الرسمية قد أعلنت موت البعض منهم. حدثٌ أفقد القرار الحكومي صدقيته وعزّز شكوك الأهالي، لا سيما في ما خص المعتقلين في السجون السورية، خصوصاً أنه كانت تصلهم معلومات بأن أبناءهم ما زالوا على قيد الحياة، وقد تعرّض الكثير منهم للابتزاز مقابل الحصول على معلومة تأتيهم من أقبية النظام وسجونه أو لترتيب زيارة يقومون بها إلى هناك.

الأعداد وجهة نظر

تقرير اللجنة الحكومية أحصى 2046 مفقوداً، في حين أعلنت لجنة أهالي المفقودين عن حوالي 17 ألف مفقود، بينهم 216 مفقوداً في سجون إسرائيل التي أعلنت لمنظمة الصليب الأحمر بأنها لا تحتجز سوى 17 منهم، فيما أحصت وجود 167 شخصاً معتقلاً قسرياً في سوريا، وهو ما أنكره النظام السوري حينها قبل أن يطلق سراح مجموعة منهم.

في حقيقة الأمر، لم يكن من شك بأن الذين خطفوا على “حواجز الموت الطيّارة” ما زالوا على قيد الحياة. مسألة وجود معتقلين في السجون السورية مختلفة، لأن تاريخ النظام السوري كان مليئاً بحالات معتقلين أمضوا عشرات السنيين داخل الزنازين من دون علم أو خبر عنهم، سوى أنهم تبخّروا بين ليلة وضحاها.

تحرّكت منظمات حقوق الإنسان في حملة ضد السلطات اللبنانية والسورية. لكن القضية خبت لاحقاً في ظل التطوّرات السياسية في البلاد. بعد الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، نصبت لجنة أهالي المخطوفين “خيمة” في “حديقة جبران خليل جبران” قبالة بيت الأمم المتحدة (الإسكوا) في وسط بيروت رمزاً لقضيتها.

كان التطور الأبرز تقديم اللجنة في العام 2009 دعويين قضائيتين أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، للتأكد من وجود مقابر جماعيّة في “أملاك مطرانية الروم الأرثوذكس” في بيروت، وأملاك جمعيّة المقاصد الإسلاميّة، تمهيداً لتحديد مكانها وتأمين حراستها، وتقديمها عريضة إلى مجلس شورى الدولة تطلب فيها الاعتراف بحقها في معرفة الحقيقة، وفي الاطلاع على التقرير الكامل.

 وأعطى إعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 2011 يوم 30 آب من كل عام، يوماً عالمياً للمفقودين، زخماً جديداً لقضيتهم. وقد آل انتقال اللجنة الى مقاربة القضية من الزاوية القانونية إلى تقديمها عام 2012 مسودة قانون من أجل المخطوفين والمفقودين، بدعم من منظمات أخرى لحقوق الأنسان. وأدرجت المسودة ضمن عريضة سجلتها اللجنة في الأمانة العامة لمجلس النواب.

وتوالت الخطوات، فكان اقتراح للنائب زياد القادري وآخر للنائب حكمت ديب دُمجا سوياً ليشكلا في العام 2014 اقتراح القانون الراهن الذي وصل إلى الهيئة العامة لمجلس النواب بعد مسار طويل، وبات يُعرف باسم “قانون المفقودين والمخفيين قسراً”.

وقبل ذلك، شكّل قرار مجلس شورى الدولة، في العام 2014، غير القابل للطعن أو المراجعة في الطعن، والذي أعطى الحق في الاطلاع على تحقيقات اللجنة الحكومية، دفعاً جديداً في القضية التي شهدت حملة دامت أربعين يوماً في نيسان/أبريل 2015 لمناسبة الذكرى الأربعين لاندلاع الحرب الأهلية.

“أيقونة” الأهالي

لا شك أن كثراً من الأهالي باتوا وجوهاً مألوفة لدى المتابعين لقضية المفقودين في لبنان، لكن اسم وداد حلواني هو اسم التصق بهذه القضية وبلجنة الأهالي التي ترأسها. لم يكن مفاجئاً أن تكتسب حلواني سمة “المدافِعة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير”، وهي التي أمضت عقوداً من حياتها تخوض معركة “لنا الحق في معرفة أين هُم… فإذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة نريدهم، وإذا كانوا موتى، نريد عظامهم”. كان غازي عاد لا يقل عنها شراسة وإصراراً وتصميماً، ولا سيما أنه كان يتطرّق إلى المعتقلين في السجون السورية في زمن الوصاية.

وفي الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد الذي انتخب في أيار الماضي، والتي انعقدت في 25 أيلول/سبتمبر الماضي، تحت عنوان “تشريع الضرورة”، كان اقتراح “قانون الأشخاص المفقودين والمخفيين قسرياً” آخر بند على جدول الأعمال.

لم يسبق أن وصل جُهد هؤلاء إلى هذا المدى. المسافة باتت قريبة جداً من إقرار قانون اعتبرت حلواني أنه “ليس مثالياً، ولكنه على الأقل يكرّس حق الأهالي بمعرفة مصير مفقوديهم”.

اقتراح القانون ينص على “حق الأسر في معرفة مصير أفرادها وذويها المفقودين أو المخفيين قسراً وأمكنة وجودهم أو مكان احتجازهم. يستدعي ذلك “حق الاطلاع على المعلومات المتصلة بتقفي آثارهم والتحقيقات التي من شأنها تحديد مصيرهم واستلام المعلومات المتصلة بذلك والمتوافرة لدى الهيئات والإدارات والسلطات المختصة”. وينص كذلك على “حق الأسر بالتعويضات المعنوية والمادية المناسبة”، وعلى تشكيل “هيئة وطنية” لـ “تقفي آثار المفقودين وضحايا الإخفاء القسري للعمل على اطلاق سراحهم أو استعادة رفاتهم والاستماع إلى شخص يشتبه بأن لديه معلومات بهذا الشأن وتلقي البلاغات عن الأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً والمعلومات عن أماكن الدفن والاستماع لشهادات الأهالي أو للشهود والتأكّد من التدقّيق في قاعدة بيانات الحمض النووي أو أية معلومات أو عينات حيوية لازمة لتحديد هوية المفقودين والمخفيين قسراً مع السلطات المختصة تحلل وتحفظ لدى المختبر الجزائي المركزي لدى قوى الأمن الداخلي”. كما تتولى الهيئة “إنشاء لجنة خاصة تشرف على المقابر الجماعية وبنك معلومات عن مواقع أماكن الدفن ونبشها وتحديد هويات الرفات واقتراح آليات جبر الضرر للمفقودين والمخفيين قسراً وأسرهم، وتقديم الدعم للأسر”(…).

لم تكتمل فرحة هؤلاء، إذ طارت الجلسة نتيجة فقدان النصاب قبل أن تصل إلى البند الأخير. اليوم بات السؤال: هل كان فعلاً سيُقر اقتراح القانون الرامي إلى إقرار “اقتراح إنشاء هيئة وطنية مُستقلّة للمفقودين والمخفيين قسراً” حيث كانت مختلف الكتل النيابية وقعت على اختلاف انتماءاتها العريضة في شأنه؟

النائب السابق مخيبر الذي لعب دوراً بارزاً في دعم اللجنة حقوقياً ومعنوياً يعتبر أن لا شىء يفترض أن يحول دون إقرار القانون، ما دام الجميع موافق عليه. لا بد أن يُطرح على الهيئة العامة عاجلا أم آجلا، ولا بد من أن يُقر، وحينها يتم تعيين الهيئة وأعضائها وتُحضر نظامها الداخلي وتبدأ عملها.

غير أن الصورة لا تبدو وردية عند المتابعين لهذا الملف، فهو يتجاوز قانون العفو العام، حين ينص على محاسبة المتورطين بالخطف والإخفاء، ويحدد سبل محاسبتهم. فهذه النقطة ستكون معرض أخذ ورد لأنها هنا تكون تعيد فتح ملفات مؤلمة قديمة لن تؤدي إلى استعادة ماض يؤيد الجميع نسيانه، وإن كانوا غير قادرين على الخروج منه! حلواني تأمل أن تكون القضية قد شارفت على أن تسلك الآليات الرسمية الصحيحة، لكنه لا يمكن سوى الانتظار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية