د. توفيق قريرة تصدير: جاء في اللسان: رجل هَيُوفٌ و مهيافٌ و هافٌ: لا يصبر على العطش [ لسان العرب: (هـ ي ف)] ضَحِكتْ حتّى ألقت برأسِها الصَّغير على كتفيْهِ، و أرْسَلَتْ ريحُ الفجر شَعْرها على معطفه و قد رشَحَتهُ بعض قطراتِ النّدى.. عاودها ذلك الشعور القديم أنّها إنْ لمْ تَضْحَكْ وهي معه فلنْ تضحَك أبدًا.. هو نفسه يريد لو تضحك أكثر حتى تنْجَابَ عن قلبه غمامات حزن الأيّام و الليالي التي يعيشها مفكّرا في أمور كثيرة لا يفكّر فيها سواه.. قال لها: ماذا لو أنّ القطار لا يأتي ليحملها بعيدا عنه.. إلى عملها اليومي الذي يقع أبعد من منتهى بصر مبصر إلى الأفق؟ قالت له: ماذا لو أنَّ عينك التي باتت تُذِلُّها أدوية الأطبّاء يعود إليها بريقها القديم لأراني في مرآتها أراك؟.. ماذا لو رافقتني جسدا و روحا إلى العمل؟ لم يكن يعلم ما الذي يفعله في تلك الساعة و لا إلى أين يذهبُ.. يفهم إجمالا و دونما تفصيل أنّه يوصل من يأنس إلى جواره و أنه لن يرافقه بل سيعود أدراجه إلى حيث لا يدري.. هل سيتأبط غيرُها ذراعَه ليشعر بالاطمئنان و ليموت فيه ذلك الإحساس الأبدي الذي يلازمه بأنّه سيفتقد الاتجاهات و تضيع قدماه في الثنايا؟ انفتحت أبواب القطار.. دخلت و طلبت منه أن يعود أدراجه حيث كانت تقف امرأة أخرى تراقبه.. تردّد قليلا ثمّ استقلّ القطار.. رجته أن يرجع مع السيدة المنتظرة لينام إلى حين عودتها وعدها بالنزول في المحطة المقبلة.. تنازعتها مشاعر عدّة وهو يدفن رأسه كالأطفال بين كتفها و رقبتها.. نام قبل أن يسير القطار.. تساءلت إن كان بالإمكان إيقاظه في المحطة المقبلة.. لا تدري كم من الوقت مرّ حين همست في أذنه: عليك أن تنزل فالقطار قد وصل محطته الرابعة مذ ركبنا.. لوّح بيده غير مبال.. فتح عينيه و ظلّ يرقب كرة الشمس وهي ترتفع قليلا قليلا كأنها وجه هنديّة حيّية تتطلّع إلى عيون رقيب لا يستحي فاختلطت في وجهها حمرة النسب بحمرة الخجل.
ضمّته في صمت و تركت لعيونها رسم بقية حروف الرسالة. أحسّ بالظمأ التفت إلى مسافر قبالته: ماء.. هل عندك ماء؟ ردّ المسافر: هل عندك ماء؟ أريد ماء.. التفت مسافر إلى مسافر إلى مسافر: من عنده ماء؟ قالت له: كل المسافرين هيافى و هذا قطار الهيافى.. لم يعلم كم بقي من الوقت يطلب ما لا يطلب قبل أن يسرقه من عطشه و من العطاشى النوم.. حين سمع جلبة في القطار فتح عينه لم يكن المكان مألوفا و لا الزمان.. الشمس فارقت خجلها منذ مدة و صارت تستبدّ بعيون من أربكها و الناس يتدافعون يريدون الخروج من العربة و ليس القطار في محطة أو مدينة بل تائه بين المزارع الخضراء.. جذبته مرافقته و أسرعت و دون أن يفكر شرع في تقليد المسافرين.. جذبها بيد و دفع الناس بمنكب حتى وجد نفسه خارج العربة ركض مثلما يركض الناس باتجاه المجهول سمع وقع طلق ناريّ ثم طلق آخر و آخر… سقط أمامه رجل في الخمسين وقف ليساعده لكنّ كوكبة من النار وقعت غير بعيد عنه.. أيمكن أن يكون المشهد حلما مزعجا؟.. ارتطم بشيء ناتئ من الأرض فسقط و سقطت صديقته عليه.. لم يشعر بأي ألم حتّى العطش الذي بلبل عليه كيانه زال.. كان يسمع طلق البارود هنا و هناك و يسقط الناس أمامه و على جنبيه و خلفه.. .. لا يدري كيف تمكن من الوصول إلى كوخ صغير مع رفيقته اختبآ في المكان و قد غمرت عيونهم ظلمة وملأت قلبه الوحشة.. قال لها بصوت مرتعش: هل أصبت؟ همست بحرف يشبه الـ’ لا’.. قال بصوت فيه تقطع كالحشرجة:
ما الذي حدث؟ و من هؤلاء الذين يطلقون الرصاص؟ جاءه من ركن آخر غير بعيد صوت غير مألوف نحن بين نارين.. و أضاف صوت ثالث: إنهم نصبوا كمينا للقطار.. و قال رابع: وقع الفأر الأهيف في تنّور الشياطين. قالت صاحبته: سننجو لأننا مسافرون عابرون.. قال لها: كل البلاء في السفر. نزع معطفه و لفّ به صاحبته تمسّكت به أكثر من ذي قبل وهمست في أذنه لا أشعر بالراحة تعال نخرج قال: و لكنّ النيران ما تزال مستعرة أما تسمعين؟ لم تأبه لمقالته و خرجت.. خرج مسرعا خلفها يحذرها من الرصاص الأهوج.. صرخ فيها إلى القطار.. إلى القطار.. يمّمت رفيقته وجهها صوب القطار.. فلحق بها.. كان كثير من المسافرين قد عادوا إلى العربات.. سمتعهم يناشدون قائد القطار أن يحركه بأسرع ما يمكن فليس غير الهرب من سبيل إلى النجاة.. صحت مع الصائحين: بسرعة بسرعة.. قبل أن يأتي القناصة و يقتلوننا.. صاح رجل عريض في وجهي:
و لكنّ بعض المسافرين لم يعودوا إلى القطار علينا أن ننتظرهم.. صحت فيه و يدي تكاد تصفع خدّه المفلطح: أتريد أن يموت أكثرنا من أجل نعاج مشرّدة؟ أأرنب تقضي على ذئاب؟.. تحرّك القطار متلعثما ثمّ ما فتئ أن سار سريعا و بثبات. سمعت في مكبّر الصوت من يقول: ندخل الآن محطة الورد و لن نتوقف فيها.. لا أعلم أين يتجه القطار و لكنّي أشعر أننا صرنا بأمان أكثر.. و فجأة صحت بأعلى صوتي ليتوقف القطار.. ليتوقف القطار.. و أسرعت باتجاه قمرة القيادة.. إنها هي و هناك من يريد أن يؤذيها.. تطلعت رفيقتي إليّ باستغراب.. إنها هي هي قلت لها، هناك من يحاول أن يخطفها.. و جدتني أهدد سائق القطار بآلة حديدية إن هو لم يتوقف.. ففعل.. .. انقدحت النّار تحت أقدامي و أنا أجري باتجاه عكسي.. كانت لا تزال هناك واقفة أمام القطار.. رأيتها تتأبّط ذراع ذلك الرجل نفسه و تدعوه إلى أن يستقلّ القطار.. صرخت في وجهه:
من أنت؟ و كيف تعرفها؟ ابتسم و ابتسَمَتْ و استقلا القطار.. دخلت وراءهما و نزعت يدها من ذراعه و جذبتها بقوة إلي ّ و أنا أصرخ هل جُننت؟ هل تتأبطين ذراع شرير خاطف.. مسحت على كتفي قبل أن تجذبني رفيقتي إليها و تتأبط ذراعي قائلة: هوّن عليك.. تعيش و تأكل غيرها.. كنت أغلي أريد أن ألحق بهما و أسمع ما يقولان.. لا شكّ أنّه هدّدها بالقتل إن هي أقرّت أمامي بالحقيقة.. جال بصري في العربة يبحث عنها و عنه فكأنهما كانا كذبة.. عدت أنظر إلى رفيقتي التي تصاحبني منذ هذا الصباح.. من تكون؟ و لكني لا أعرفها.. فلماذا ترافقني ولماذا تركبني هذا القطار.. قررت أن أنزل في المحطة القادمة و ليكن ما يكون.. جمعت نفسي و سحبت ذراعي من يدها و اقتربت من الباب.. و ما كاد ينفتح حتى أسرعتُ بكلّ قوتي نزلت درجات السلم.. لكنّي كنت أسمع وقع أقدام تجري خلفي.. كان عددها أكثر من قدمي امرأة بكعب عال.. أتكون هي من استنجد بمن يمسكني؟ و لكن ما فعلت حتى يصدقها الغرباء؟ التفتّ ورائي فإذا بمن يلاحقني يرتدون ألبسة عسكرية وفجأة سمعت من يصيح توقف و إلا أطلقنا النار.. جريت بكل قوتي قبل أن أجد نفسي في قبضة أحدهم.. بصقت عليه و قلت: جبناء.. تطاردون وحيدا أعزل.. قال: لكني وحدي.. التفتّ ورائي وعلى شمالي و على يميني لم يكن هناك غيره.. و غير المرأة التي تأبطتني في القطار اللعين.. سلمني الرجل إليها.. داعبت شعري و قالت لي:
إلى أين يا صغيري الأهيف الوسيم أتريد أن تفرّ من قدرك الجميل؟ ألست قدرك الجميل.. عدنا من جديد إلى القطار صفّق الركّاب فرحا حين دخلت أحاطوا بي و غنوا و هزجوا حتى اطمأننت لهم و غنيت معهم بل إني صفقت و رقصت.. حين وصلنا إلى آخر محطة رأيت قائد القطار و قد صار يلبس ثياب الأطباء إنه هو كبير الأطباء.. نزل ليسلم عليّ و معه جاء معاوناه.. و جاءت تلك الطبيبة التي رأيتها منذ حين تتأبط مختطفها.. كان هو بدوره طبيبا.. كان الركاب مثلي.. لا يلبسون أيّ رداء أبيض.. التفتّ إلى مرافقتي.. أغمضت عيني حتّى أتكهّن.. هل هي من أهل البياض أم من أهل الألوان؟ فتحت عيني شيئا فشيئا.. كانت ترتدي الأبيض و الأسود.. التبس علي تصنيفها لكني و جدت في عينها ما ارتخت له أعصابي المشدودة ارتخاء تاما.. قال قائد القاطرة و نحن ننزل في آخر محطة: مرحبا بعودتكم سالمين معافين من رحلة فريدة… سمعت تصفيقا عاليا.. حتى المنتظرون كانوا يصفقون.. أضاف: لقد رافقناكم على قطار الهيافى.. و أضاف: لن يخرج منه إلا من تعافى… علا التصفيق.. أسرع إليّ طفلان صغيران و امرأة عجوز و رجل يتكئ عليها بيد و على عصاه بأخرى قال الجميع.. الحمد لله على السلامة.. إذ خرجت معافى من قطار الهيافى. *كاتب من تونس